من سركون الأكدي إلى كوروش العظيم... كيف أثرت السياسة في ديانات العراق القديم؟

الجمعة 18 مارس 202205:39 م

عرف الشرق الأدنى القديم ظهور حضارة راقية في العراق، والذي عرف قديماً بأسماء متعددة، كان من أشهرها، بلاد الرافدين، وبلاد ما بين النهرين، وميزوبوتاميا.

العراقيون القدماء الذين عاشوا في تجمعات كبيرة على ضفاف نهري دجلة والفرات، استغلوا خصوبة أراضيهم، فمارسوا الزراعة المعتمدة على الري، كما امتهنوا العديد من الحرف، وابتكروا الكثير من المنتجات والمصنوعات.

الحضارة العراقية القديمة تركزت في مجموعة من المدن المهمة، مثل أور ونيبور والوركاء وبابل، كما عرفت ظهور بعض الدول القوية مثل الدولة الأكادية، والدولة البابلية، والدولة الأشورية، وهي الدول التي تبادلت السيطرة على بلاد الرافدين واحدة بعد أخرى.

في ظل تلك الحالة من اللامركزية السياسية، كان من الطبيعي أن يعرف العراق القديم مجموعة من الأنساق الدينية المتباينة، والتي تعددت فيها الآلهة المعبودة من جهة، كما شهدت تبايناً في الطقوس والأساطير الشائعة من جهة أخرى.

من سرجون الأكدي إلى كوروش العظيم: موجز لتاريخ بلاد الرافدين

بحسب ما نعرفه من معلومات تاريخية، فإن أول استيطان حدث في بلاد الرافدين، كان ذلك الذي وقع في السهول الشمالية، في أوائل الألف السابع قبل الميلاد، فيما وقع أول استيطان في الجنوب العراقي في الألف السادس، في المرحلة التي عُرفت باسم عصر العبيد.

في تلك الفترة الموغلة في القدم، ظهرت المدن الأولى، مثل إريدو، وأور، وأوروك، والتي عرفت تأسيس بعض التكوينات السياسية التي اعتمدت على فكرة "الديموقراطية البدائية"، إذ كانت السلطة العليا في كل مدينة تُمنح من خلال الانتخاب العام، للمدير الاقتصادي-الديني الذي عُرف بـ"إن"، وللقائد الحربي الذي عُرف بـ"لوغال".

الحضارة العراقية القديمة تركزت في مجموعة من المدن المهمة، مثل أور ونيبور والوركاء وبابل

بعد فترة من تفوق مدينتي أوروك وأور، تمكنت مدينة كيش الواقعة في الشمال من الاستيلاء على الزعامة في بلاد الرافدين، ولكن في القرن الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، ظهر سرجون الأكدي، وتمكن من تأسيس مملكة عظيمة، سيطرت على منطقتي أكد وسومر، ولكن خلفاءه لم يتمكنوا من الحفاظ على تلك الدولة للأبد، فسقطت على يد بعض الشعوب الجبلية التي لم تعرف حياة الاستقرار.

في القرن السابع عشر قبل الميلاد، كانت بلاد الرافدين على موعد مع ظهور دولة قوية جديدة، وهي المملكة البابلية الأولى، التي أسسها الملك الشهير حمورابي البابلي، والذي اشتهر بتشريعاته القانونية التي قيل إنه قد تلقاها من إله الشمس.

المملكة البابلية لم تُعمر طويلاً، إذ نجدها وقد سقطت أمام جحافل الحثيين، ولكن نبوخذ نصر الأول تمكن من إعادة السلطة لبابل، وبعدها سادت روح المنافسة بين بابل وأشور، حتى تمكن العاهل الأشوري تغلاتفلسر الثالث من التغلب على بابل، وظل خلفاؤه مسيطرين على الأوضاع في بلاد الرافدين، وتمكنوا من تأسيس إمبراطورية كبرى شملت العراق وسوريا.

البابليون عادوا مرة أخرى إلى الواجهة، بعدما تمكنوا بالاشتراك مع حلفائهم الميديين الإيرانيين، من غزو أشوريا، والاستيلاء على العاصمة الأشورية نينوى في 612ق.م، لتقوم دولة جديدة عُرفت باسم المملكة البابلية الجديدة، والتي وصلت إلى أوج عظمتها في عهد العاهل البابلي الشهير نبوخذ نصر.

أما في 539ق.م، فقد كُتبت كلمة النهاية لاستقلال العراق القديم، وذلك بعدما فتحت بابل أبوابها للملك الفارسي كوروش العظيم، لتتحول بلاد الرافدين لمقاطعة في مملكة الفرس الواسعة.

السمات العامة لديانات بلاد الرافدين

يذكر الباحث السوري فراس السواح في موسوعته عن تاريخ الأديان، أن أكثر خصائص الديانات الرافدينية بروزاً تتمثل في نزوعها إلى الحلول، ويفسر ذلك بقوله "إنه كان من المعتاد أن يجري اختبار القدسي باعتبار كنه ظاهرة أو هيئة طبيعانية، وباعتباره إرادتها، وقوتها التي تهيؤها لشكلها الخاص وسلوكها ومقدرتها على النمو".

من هنا نستطيع أن نفهم انجذاب السكان الأوائل في بلاد الرافدين إلى القوى القدسية التي وجدوها مهمة لبقائهم، ورغبتهم في ملازمتها ورعايتها من خلال إقامة الطقوس والتعبد لها، وهو ما يظهر في مسألة تطابق القوى الإلهية مع الظواهر الطبيعانية المتصلة بها، فالإله آن هو إله السماء، والإله هورساغ هو إله التلال والمرتفعات، ونانا هو إله القمر، وأوتو إله الشمس، وإزن إله الحبوب.

عرف الرافديون القدامى عدداً كبيراً جداً من الآلهة، وكان السبب في ذلك شيوع الاعتقاد بأن على الإنسان أن يكون لديه وسيط يتشفع له، وأن يكون هذا الإله وسيطاً بين الإنسان والآلهة العظام

إذا ما تطرقنا لأهم الآلهة التي عرفها العراقي القديم، فسنجد أن البانثيون –مجمع الآلهة- قد ضم مجموعة كبيرة من الآلهة الذين لعبوا أدواراً رئيسة في الديانات الرافدينية القديمة، من أهم هؤلاء الآلهة، الإله آن، الذي نُظر إليه على كونه إله السماء، وأبا الآلهة، وكان يُنظر للمطر على كونه منيه الذي يُلقح الأرض ويتسبب في نمو النباتات؛ والإله إنليل، إله العواصف والريح؛ والإله إنكي، إله المياه الجوفية العذبة، الذي امتاز بالخبث والرشاقة، وكان قادراً على طرد الشياطين، كما لعب دوراً مهماً في إنقاذ البشر من الهلاك، عندما أخبر زيوسودرا بمكيدة الآلهة، وأمره وقتها ببناء السفينة.

أيضاً يبرز اسم الإله مردوك، أعظم آلهة بابل، وهو إله العواصف الرعدية، وقد ظهر في ملحمة الخلق على كونه السيد المطلق لجميع الآلهة، وأنه منقذ الأرباب ومنظم الكون.

الإلهة إينانا/ عشتار، حظيت هي الأخرى بمكانة عظيمة وسط آلهة العراق القديم، وكانت الصفة المميزة فيها هي التركيب الشديد في شخصيتها وتعددية جوانبها، إذ كان يجري تصورها في العادة في صورة شابة قوية الشكيمة ومتحكمة إلى حد ما، كما تم تصويرها في صورة شابة صغيرة تستعد للزواج، والملاحظة الأهم على شخصية إينانا/ عشتار هي التأكيد بشتى السبل على رغبتها الجامحة في الاستيلاء على السلطة.

الإله تموز أيضاً كان من بين الآلهة ذائعة الصيت في بلاد الرافدين، وكان يضطلع بدور إله النبات، فهو يموت مع نهاية السنة، ويُبعث مع ولادة أزهار الربيع والقمح الطري، وبينما نجد أن عبادة تموز لم تعد عبادة رسمية ترعاها الدولة في كل من بابل وآشور، فإننا نجد أن عامة الناس قد ظلوا يتمسكون بها، حتى لنجدها تنتقل إلى سوريا وكنعان، بحيث تم توحيد الإله العراقي تموز بالإله السوري أدونيس.

أما الإله آشور، فقد كان في بدايته الإله المحلي لمدينة آشور، وسوف يتم تقديمه في صورة إله عظيم قوي، بعد تأسيس الإمبراطورية الآشورية، وسيضطلع بدور إله الحرب على وجه الخصوص.

إحدى الملاحظات المهمة التي يشير إليها المؤرخ صمويل نوح كريمر في دراسته عن اللاهوت والطقس والأسطورة في بلاد الرافدين، أن "الآلهة الذين يشكلون المجمع الإلهي في بلاد الرافدين، لم يكونوا كلهم ذوي أهمية واحدة أو مرتبة متساوية، فالإله المسؤول عن المعول أو القالب الآجري من العسير أن يقارن بإله مسؤول عن الشمس. ولا يمكن توقع أن تتساوى مرتبة الإله المسؤول عن مساقات المياه والخنادق بمرتبة الإله المسؤول عن الأرض في كليتها....".

على الرغم من هذا فقد عرف الرافديون القدامى عدداً كبيراً جداً من الآلهة، وكان السبب في ذلك شيوع الاعتقاد بأن على الإنسان أن يكون لديه وسيط يتشفع له، وأن يكون هذا الإله وسيطاً بين الإنسان والآلهة العظام، ولهذا كانت تلك النوعية من الآلهة الصغرى قريبة الشبه بالملائكة الحارسة للبشر، وكان من المعتاد أن يتوجه كل إنسان في صلاته لإلهه الشخصي طالباً منه الخلاص والمغفرة.

أما في ما يخص الحياة الآخرة، فمن الواضح أن العراقيين القدماء لم يتخيلوها بشكل واضح مكتمل بالكيفية التي ظهرت في الديانة المصرية القديمة على سبيل المثال.

بحسب ما ورد في الأساطير السومرية والبابلية، فقد كان ثمة اعتقاد بوجود نهر يلتهم البشر يجب أن يعبره الموتى، وأن هناك نوتياً يقود القارب الذي يعبر بالموتى بعد وفاتهم إلى الجهة المقصودة، وكان هناك اعتقاد عام بأن العالم السفلي مكان كوني ضخم تحت الأرض يناظر السماء، أما في ما يخص الحكم على الموتى، فقد اعتقد العراقيون القدماء أن الأمر متروك بيد إله الشمس أوتو وإلهة القمر نانا.

فيما يخص الطقوس الدينية، فقد كان هناك معبد واحد على الأقل في كل مدينة، بينما كانت المدن الكبرى مثل بابل تحتوي على عشرات المعابد. وكان من المعتاد أن يبالغ العراقيون القدماء في تزيين وتجميل معابدهم، إذ كانت بالغة الفخامة، وتحتل مساحة كبيرة من الأرض.

في المعبد كانت تقام الكثير من الطقوس، ومنها تقديم الأضحيات التي تتكون من الأغذية النباتية والحيوانية، وصب الماء والخمور والجعة، وإحراق البخور. وكان معبد الإله مردوك هو أكبر المعابد البابلية على الإطلاق، وكان يقع في الضفة الشرقية من نهر الفرات، وفي الجزء الشمالي من باحته قامت زقورة برجية كبيرة، وهي المعبد الذي عرفه العامة باسم برج بابل.

الأعياد الدينية أيضاً كانت معروفة على نطاق واسع في بلاد الرافدين، فقد عرف العراقيون القدماء الكثير من الأعياد الشهرية المنتظمة، كيوم الهلال الجديد، وأيام السابع والرابع عشر واليوم الأخير من كل شهر.

أما "عيد العام الجديد" فقد كان أهم الأعياد قاطبةً، وكان يتم الاحتفال به في عدة أيام من خلال إقامة الولائم والمراسم الخاصة، ومن أهم تلك المراسم والطقوس، الزواج المقدس بين الملك الذي يمثل الإله تموز وإحدى الكاهنات التي تمثل الإلهة إينانا/ عشتار، وكان يُنظر لهذا الطقس بأهمية بالغة لأنه ضمان لاستمرار الخصوبة والزراعة في جميع البلاد الخصبة داخل العراق.

من بين جميع تلك الأساطير، تتمتع أسطورة جلجامش بمكانة شبه متفردة، ذلك أنها قد ناقشت العديد من الأسئلة الوجودية التي لطالما شغلت الإنسان عبر العصور

من بين الملاحظات المهمة اللافتة للنظر، أنه وخلافاً للآلهة المصرية التي كثيراً ما نجدها في هيئة حيوانية، فإن الآلهة البابلية والآشورية دائماً ما تم تمثيلها في هيئات بشرية، وإن كانت غالباً ما مصحوبة بحيوانتهم المقدسة، ولعل مرد ذلك إلى أن البابليين وأسلافهم السومريين لم يمروا –كما مر المصريون- بالمرحلة الطوطمية من تطورهم الديني.

أسطورة جلجامش

عرف العراق القديم العديد من الأساطير والقصص الملحمية، تلك التي عبر العراقيون من خلالها عن رأيهم في خلق الكون، وطريقة عمل الطبيعة، والطرق المُثلى للحكم. من بين تلك الأساطير، أسطورة أرض الفردوس ديلمون، والتي يعتقد الباحثون أنها مشابهة لقصة أرض عدن الواردة في العهد القديم، وأسطورة الطوفان التي تتشابه كثيراً مع قصة طوفان نوح بحسب الرواية التوراتية.

من بين جميع تلك الأساطير، تتمتع أسطورة جلجامش بمكانة شبه متفردة، ذلك أنها قد ناقشت العديد من الأسئلة الوجودية التي لطالما شغلت الإنسان عبر العصور، فنراها تتحدث عن قيمة الصداقة، والموت، وحلم الإنسان بالخلود.

تتحدث الأسطورة عن البطل العظيم جلجامش، حاكم مدينة الوركاء، والذي كان مزيجاً من البشر والآلهة، وكيف أن أهل الوركاء قد اشتكوا إلى الآلهة من غطرسته، مما دفع الآلهة لخلق إنسان متوحش يُدعى أنكيدو، يضاهي جلجامش قوةً وبأساً، ولما عرف حاكم الوركاء بأمر أنكيدو بعث له بفتاة جميلة، فعشقها أنكيدو وصحبها لمدة سبعة أيام كاملين، ثم أنطلق ليخوض قتالاً شرساً ضد جلجامش، ولكن البطلان تصالحا في نهاية الأمر، مما أغضب الآلهة، وأرسلت عشتار ثور السماء للقضاء على جلجامش، ولكن حاكم الوركاء القوي يتمكن من القضاء عليه بمساعدة صديقه الجديد.

هنا يطلب الإله إنليل من مجمع الآلهة إنزال الموت بأنكيدو، فيمرض الأخير، ويحزن عليه جلجامش حزناً عظيما ًويبدأ في التفكير في كيفية الخلود والتخلص من الموت، فيقصد أتنابشتيم، وهو الرجل الوحيد الذي كافأته الآلهة بالخلود بعد موقفه المشرف في أحداث الطوفان، عندما صنع السفينة وحمل البقية الباقية من البشر لينقذهم من الهلاك.

أتنابشتيم يحاول أن يقنع جلجامش بأن الموت أمر لا مفر منه، ولكن جلجامش يصر على معرفة سر الخلود، فيخبره الشيخ الخالد بأن هناك زهرة معينة توهب الخلود وتنبت في أعماق البحر، فينزل جلجامش ليقطفها، ثم يسير في طريقه عائداً إلى الوركاء، وفي الطريق تغافله حية، فتأخذ النبتة المقدسة، بينما يعيش جلجامش ما تبقى من حياته حزيناً ويندب سوء حظه. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard