الاستمطار الصناعي في العراق... كيف ستتأثر حياة الإنسان والتنوّع البيولوجي؟

الاثنين 12 سبتمبر 202203:11 م
Read in English:

Artificial rain in Iraq: Impact on human life and biodiversity

ندرة الأمطار والجفاف يدفعان الكثير من العلماء والباحثين للبحث عن البدائل من أجل توفير المياه، كاستخدام تقنية الاستمطار الصناعي الذي يُعدّ جزءاً من حلقة كبيرة من عملية تعديل الطقس. ويتم الاستمطار من خلال التلقيح، أو ببذر نوع معيّن من السحب أو الغيوم المشبعة القابلة للإمطار في مكان ووقت محددين، بمواد كيميائية تُعرف بأنها صديقة للبيئة.

فيديو عن آليات بذر الغيوم

يسعى العراق إلى استخدام تقنية الاستمطار الصناعي، بحسب تصريح صحافي لوزير البيئة العراقي، جاسم الفلاحي، في بداية شهر تموز/ يوليو الماضي، فالجفاف يدقّ ناقوس الخطر، لا سيما للمزارعين ومربّي الحيوانات، كما في منطقة أم خشم في قضاء المشخاب في محافظة النجف، حيث يضطر المزارعون والمربون إلى التعاون مع شركات من القطاع الخاص لحفر الآبار للحصول على المياه.

يقول المهندس الزراعي، رائد الفتلاوي: "نسبة الأملاح العالية في المياه التي تخرج من حفر الآبار، تضرّ بالحيوانات والنباتات وتحتاج إلى محطات تحلية لتصفيتها، ومن الصعب أن نوفرها لأنها باهظة الثمن، لكننا نضطر إلى استخدام هذه المياه لتنظيف الحيوانات وريّ الأشجار".

يرأس الفتلاوي، اتحاد الجاموس العراقي (منظمة مجتمع مدني وأكبر تجمّع لمربّي الجواميس)، ويشرف الاتحاد على مناطق ومحافظات عراقية عدة، من بينها قضاء المشخاب في النجف، ويهتم الفتلاوي بزراعة النخيل والأعلاف أيضاً.

وتسببت قلة المياه بسوء تغذية قطعان الجواميس، ما أدى إلى خفض معدل إنتاج الحليب اليومي وانتشار الأمراض، ويشير الفتلاوي إلى "وفاة نحو 40% من الجواميس في المناطق التي يشرفون عليها لتأخذ المحافظات الجنوبية الحصة الأكبر من الوفيات".


وارتفعت أسعار الأعلاف بسبب شحّ المياه أيضاً، ليلجأ المزارع أو المربّي إلى البدائل، ويقول الفتلاوي: "نشتري بقايا المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية، كالتبن ومادة المولاس (الدبس أو العسل الأسود)، ونعطيها للجاموس من أجل تغذيته بالحد الأدنى الممكن في الظروف الراهنة".

وذبلت بساتين النخيل كذلك في قضاء المشخاب بنسبة تتراوح بين 10 و15%، مع انتشار مرض سوسة النخيل (حشرة تصيب النخيل وتسبب الضرر)، ولا يعاني الحيوان والنبات بسبب الجفاف فحسب، فالإنسان له نصيبه من المعاناة، ويؤكد الفتلاوي أن "الناس تضطر، خاصةً في المناطق البعيدة، إلى شراء الماء من الحوضيات".

نسبة الأملاح العالية في المياه التي تخرج من حفر الآبار، تضرّ بالحيوانات والنباتات وتحتاج إلى محطات تحلية لتصفيتها، ومن الصعب أن نوفرها لأنها باهظة الثمن، لكننا نضطر إلى استخدام هذه المياه لتنظيف الحيوانات وريّ الأشجار

بذر الغيوم قد يكون الحل لتقليل ندرة المياه، لكن توجد مخاوف. يقول الفتلاوي: "الاستمطار الصناعي يُعدّ مشروعاً ناجحاً سيزيد من الغطاء النباتي، لكني أتخوف من مصادر التلوث الموجودة في الغلاف الجوي بسبب المصانع والمعامل لعدم وجود اهتمام بالحفاظ على البيئة، وتالياً ستتساقط هذه الملوّثات على شكل أمطار، وستؤثر على حياة الحيوانات والنباتات"، ويضيف: "ثمة أنواع من المحاصيل في فترة التزهير إذا حدث مطر تتلف، مثل محصول الشلب".

تأيين الغبار

من المواد الكيميائية المستخدمة لبذر الغيوم، يوديد الفضة، ويوديد الصوديوم، والأملاح، وكاربونات الكالسيوم ومواد أخرى. عقب تصريح وزير البيئة بنيّة العراق استخدام تقنية الاستمطار الصناعي، طرح بعض الخبراء العراقيين إمكانية استخدام تقنية "تأيين دقائق الغبار"، لبذر الغيوم، بدلاً من المواد الكيميائية، وبحسب الخبراء فإن هذه العملية تعمل على تجميع الغيوم الماطرة، وتثبت فعاليتها أكثر عندما تكون الأجواء مغبرةً.

والتأيين عميلة فيزيائية تتمثل في تحويل الذرة إلى أيون، ويوضح د. ليث الزنكنة، أستاذ مساعد في جامعة كرميان السليمانية-كلية اللغات والعلوم الإنسانية (قسم الجغرافيا)، وحاصل أيضاً على درجة الماجستير في المناخ الشمولي، والدكتوراه في المناخ التطبيقي من جامعة بغداد-كلية الآداب (قسم الجغرافيا)، أن "الذرة إذا اكتسبت إلكتروناً تصبح أيوناً موجباً، وإذا فقدت إلكتروناً تصبح أيوناً سالباً، ولتحويل الذرة إلى أيون ثمة حاجة إلى تسليط جهد كهربائي عالٍ جداً عليها، مثل الطاقة الكهرومغناطيسية التي ستسحب الغبار وتجمّد حركته".

يرفض الزنكنة استخدام هذه التقنية في الاستمطار الصناعي، معززاً ذلك بقوله إن "تأيين الغبار من الممكن أن نستفيد منه لتقليل التلوث، لكني أرفض استخدامه في عملية الاستمطار لأنه عند تعريض الغيوم إلى أيونات وازدياد طاقة الجهد المسلّطة ووصولها إلى سطح الأرض، فإن قوّتها وصعقتها قد تقتل حيواناً، فكيف بالإنسان؟".

يوديد الصوديوم

تقنية الاستمطار الصناعي طُبّقت علمياً منذ أربعينيات القرن الماضي، وقامت الولايات المتحدة بإجراء تجارب وبحوث عدة في عملية تعديل الطقس، كما تُعدّ الصين إحدى الدول الرائدة في استخدام عملية الاستمطار.

واستخدمت دول عربية عدة هذه التقنية منذ القرن الماضي، مثل الجزائر، وفي القرن الواحد والعشرين لجأت مناطق عربية عدة إلى تكرار استخدامها، من أبرزها الإمارات، والسعودية، والمغرب، والأردن وغيرها من الدول.

تأيين الغبار من الممكن أن نستفيد منه لتقليل التلوث، لكن استخدامه في عملية الاستمطار يعني تعريض الغيوم إلى أيونات وازدياد طاقة الجهد المسلّطة ووصولها إلى سطح الأرض، وبالتالي قوّتها قد تقتل حيواناً، فكيف بالإنسان؟

"الدول المجاورة للعراق استخدمت الاستمطار الصناعي، مثل إيران وتركيا، وكانت تجارب ناجحةً ساهمت في زيادة كمية التساقط المطري"، بحسب الزنكنة، الذي يشير إلى أن "ملعقة شاي واحدة من يوديد الصوديوم تعمل على تكوين ما بين 100 مليون إلى مليار قطرة ماء، وأفضل طريقة لبذر الغيوم هي استخدام الطائرات لأنها أكثر دقةً".

دراسة تحليلية

في عام 2021، نشر الزنكنة بحثاً بعنوان "دراسة تحليلية لمعدل الحجم السنوي للحمولة المائية في الغيوم الواطئة فوق العراق"، في مجلة العلوم الزراعية العراقية، وجرى البحث بالتعاون مع د. باسم التميمي، أستاذ مساعد في الجامعة المستنصرية-كلية العلوم (قسم علوم الجو)، ومع الباحث سيف الجحيشي.

توصلت الدراسة إلى أن العراق يمتلك فرصةً كبيرةً لتحسين المطر باستمطار الغيوم الواطئة، وجاءت النتيجة بعد الاعتماد على ثماني محطات مناخية متوفرة في هيئة الأرصاد الجوية العراقية، وحصلوا على بيانات الغيوم الواطئة عن طريق 24 رصدةً يومياً بين عام 1975 و2005، وحدد الباحثون توزيع المحطات وكمية المياه باستخدام تقنية نظم المعلومات الجغرافية.


يقول الزنكنة، إن "فكرة البحث تولّدت في البداية ما بين عامي 2014 و2015، وجاءتنا دعوة للمشاركة في مؤتمر عالمي عن تغيّر المناخ في كندا بعد موافقتهم على البحث، لكن لم نشارك لأننا لم نتلقَّ دعماً لا من جامعات ولا من جهات رسمية للذهاب إلى المؤتمر"، ويشير إلى أن وزارتي التخطيط والزراعة العراقيتين وافقتا على فكرة البحث في عام 2015، لإمكانية تطبيق البحث كمشروع في العراق، ووافق عليه رئيس الوزراء، وتمت إحالة المشروع إلى اللجنة المالية في البرلمان.

"كتب البرلمان أنه يؤجل المشروع لارتفاع تكاليف الإنشاء، وبعدها تم الرفض من دون سماعنا واستدعائنا إلى البرلمان لتوضيح التكاليف والفائدة العائدة من المشروع"، يكمل الزنكنة.

التقنية ليست جديدةً

في فترة الثمانينيات، اعتكف المزارعون في منطقتي الجزيرة وتلعفر في مدينة الموصل العراقية، عن الزراعة لانحسار الأمطار، ومن هنا جاءت فكرة استخدام مشروع الاستمطار على تلك المنطقتين، تحت إشراف هيئة التصنيع العسكري آنذاك ما بين عامي 1988 و1989.

الخبير البيئي الدكتور منجد النائب، الحاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الكيمياء النووية اللا عضوية من جامعة سالفورد البريطانية، كان أحد المشاركين في المشروع والمسؤول عن الجانب الكيميائي لبذر الغيوم.

"المشروع كان عملاقاً وناجحاً وتحت أيادٍ عراقية 100%، وبدعم مباشر من الدولة، وانقسمنا إلى مجموعتين متنافستين، الأولى استخدمت المواد السائلة والثانية استخدمت المواد الصلبة"، يقول النائب.

الوثائق التي وثّقت استخدام العراق لتقنية الاستمطار تلِفت بسبب القصف الأمريكي على المنشآت الصناعية والعسكرية بعد عام 2003، لكن النائب استطاع أن يحتفظ ببعض الوثائق الورقية التي تشير إلى استخدام مطار الفاروق (مطار تلعفر العسكري)، في تلعفر، كقاعدة جوية لرشّ المواد السائلة في الغيوم، باستخدام نوعين من الطائرات؛ أولاً طائرة مروحية وبعدها تم الاعتماد على طائرة صغيرة ثابتة الجناح تُستخدم في التدريب العسكري.

أما قاعدة الرشيد (معسكر الرشيد في بغداد)، فاستُخدمت كقاعدة جوية لرشّ المواد الصلبة في منطقة الجزيرة، باستخدام طائرة كبيرة الحجم وروسية الصنع.

مخطط يوضح طريقة عمل منظومتي المواد السائلة والصلبة رُسمت من مهندسين عراقيين في الثمانينيات لبذر الغيوم

توضح الوثائق أنه تم الاعتماد على تقارير الأنواء الجوية العراقية، وصور الأقمار الصناعية، مع استخدام أجهزة رادار الدفاع الجوي للمساعدة في اختيار الغيوم المناسبة للاستمطار وتتبعها.

يقول النائب، إن "المحافظات الشمالية في العراق صالحة للاستمطار بعكس محافظات الوسط والجنوب، وبالفعل وبعد إجراء التجارب الميدانية، نزل المطر، ونُشرت براءة اختراع بعد عام 2003، في الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية في العراق لتوثيق هذا النجاح".

العراق لم يستخدم يوديد الفضة في بذر الغيوم، ويؤكد النائب أن "المواد التي استُخدمت في ذلك الوقت صديقة للبيئة تماماً وأنا اقترحتها وكنت المسؤول عنها بعد دراسة مواصفتها وتُعدّ سراً صناعياً خاصاً بالبلاد غير معمول بها في دول أخرى ولا أستطيع البوح بها، ومن يريد استخدامها عليه شراء براءة الاختراع، لأن العراق هو الجهة التي توصلت إلى هذه المواد".

توقف المشروع في التسعينيات بسبب حرب الخليج الثانية، وتم إخلاء الطائرات إلى خارج العراق ونُقل بعضها إلى إيران، بحسب النائب.

التأثير على حياة الإنسان والتنوّع البيولوجي

لا يحبّذ النائب استخدام المواد المعمول بها في العالم لبذر الغيوم مثل يوديد الفضة، ويقول إن "هذه المواد الكيميائية ضارة وتسبب أمراضاً جلديةً وغير صالحة للشرب بعكس المواد التي استخدمناها في فترة الثمانينيات في العراق".

أما الزنكنة، فيحمل رأياً علمياً آخر، ويقول إن "المواد الكيميائية المستخدمة لبذر الغيوم أضرارها تكاد لا تُذكر ما دامت تُستخدم وفق الحد الطبيعي المسموح به، وهي صالحة للشرب"، ويضيف أن "هذه المواد عندما تنزل على سطح الأرض ستتحول إلى أملاح، مثلاً النخيل يتحمل 8-16 مليموز (المليموز هي وحدة قياس الأملاح)، من الأملاح، فإذا زادت عن الحد الطبيعي يتلف النخيل".

الاعتماد على الاستمطار

"الاستمطار الصناعي يُعدّ أداةً مساعدةً للحد من الجفاف، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كلّي، ويمكن أن ينجح في العراق إذا توفرت المقومات مع الاعتماد على أصحاب الخبرة"، بحسب النائب، ويشاطره الزنكنة الرأي.

يقول النائب إن "حفر الآبار الجوفية يساعد كثيراً في القضاء على التصحّر والجفاف، فهو كنز يمتلكه العراق"، بينما يشير الزنكنة إلى أن "العراق لديه موارد مائية من الممكن الاعتماد عليها للحد من الجفاف، مثل بناء الحزام الأخضر".

وفي شأن الفيضانات التي ضربت مؤخراً بعض الدول العربية المستخدِمة للاستمطار الصناعي، يؤكد الزنكنة أن "سببها التغيّرات المناخية التي يشهدها العالم، لا تقنية الاستمطار".

يتفق النائب مع الزنكنة في رأيه العلمي، لكنه يشير إلى أنه "توجد حالة واحدة إذ يمكن القول إن الاستمطار الصناعي هو السبب في الفيضانات عند استخدام مادة الكميتريل، فهو غاز يُستخدم للتحكم بالظروف الجوية، وأجرت الولايات المتحدة تجارب وبحوثاً عدة عليها، وقد جرّبتها في سماء العراق بين عامي 2010 و2011".


هذا التقرير نُشر كجزء من مشاركة الكاتبة في ورشة الصحافة العلمية ومن خلال مشروع "الصحافة والعلوم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، وهو أحد مشروعات معهد جوته الممولة من وزارة الخارجية الألمانية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard