في صحة جابر بن حيان... تاريخ الكونياك ودور العرب في اختراعه

السبت 10 سبتمبر 202204:46 م

كان يمكن لكونياك، المدينة الصغيرة التي تغفو بيوتها القرميدية على ضفة الشارانت الصغير والهادىء، أن تكتفي من التاريخ بولادة ملك فرنسا فرانسوا الأول 1494  م، حين قررت والدته لويز دو سافوا أن تلد طفلها الأول في مكان غير شهير، وذلك على عادة ملوك فرنسا السابقين الذين كانوا يعتمدون إبعاد مواليدهم عن الأعين المترقبة، وتلافي احتكاكهم بطقوس المباركات لحمايتهم من الأمراض وإبعادهم قدر المستطاع عن أي خطر. 

وكان يمكن لكونياك أن تفخر بولادته فيها وبالإنجازات التي حصلت في زمانه، فقد أسس هذا الملك الكوليج دو فرانس والمطبعة الوطنية وساهم بقوة في دفع حركة الفن التشكيلي في فرنسا، واستقدم إلى بلاطه أهم الفنانين في ذلك الزمن من أمثال ليوناردو دافنشي. ورغم أن ولادته وحدها لا تعني الكثير، إلا أن والدته طورت في المدينة فقامت بتوسعة الميناء الصغير على ضفة النهر وساهمت بتطوير تجارة الملح عبر بناء بعض المصانع المختصة بهذه التجارة التي كانت تدر الكثير من الأرباح في القرون الوسطى، فكانت كونياك مرسى لنقل الملح والورق المصنوع في جارتها أنغولِم إلى ميناء أمستردام ومن هناك إلى أنحاء أوروبا والعالم.  

ماذا كنا لنشرب لولا جابر بن حيان

غير أن فرانسوا الأول ووالدته لم يكتبا تاريخ كونياك وحدهما، بل شاركهما في كتابة هذا التاريخ أطراف أخرى. الأول هو جابر بن حيان الكيميائي العربي الذي ولد في الكوفة 721 وتوفى ودفن فيها قبل أن يولد ملك فرنسا بعدة قرون، وهو الذي اخترع التقطير وجهاز الإمبيق "Alambic" أو الكركة كما نسميها في لبنان وفلسطين وهو كان سبباً رئيسياً في إنتاج العطور والروائح وخواص الزهور وكل ما يمكن تقطيره، إلى جانب بن حيان مباشرة، بحار هولندي غير معروف الإسم كان مع زملاء له السبب وراء اكتشاف الكونياك، المشروب الذي حمل اسم المدينة التي ابتكر فيها. 

جابر بن حيان هو الذي اخترع التقطير وجهاز الإمبيق أو "الكركة" كما نسميها في لبنان وفلسطين وهو كان سبباً رئيسياً في إنتاج العطور والروائح وخواص الزهور وكل ما يمكن تقطيره

والحق أن حكاية الكونياك، المشروب الذي يشبه العقيق في لونه والياقوت في صفائه ويعد من الأغلى ثمناً قد بدأت بالصدفة في نهايات القرن السابع عشر في ميناء كونياك الصغير. 

كانت السفن تأتي إلى كونياك المزدهرة بتجارة الملح والورق من أمستردام لنقل هذه البضائع الثمينة، لكن البحارة الهولنديين كانوا ينقلون معهم أيضاً كميات من النبيذ تفوق أحياناً كثيرة حجم الحمولة التي تسمح سفنهم بحملها، في ذلك الوقت كانت أصداء الجهاز الذي أخترعه جابر بن حيان قد وصلت إلى أوروبا وبدأ استخدامه فعلياً في بعض الصناعات الجديدة كالعطور والأدوية. 

وفي ليلة من ليالي الميناء الطويلة وعلى الأرجح بعد سهرة شرب عامرة، اقترح أحد البحارة على رفاقه أن "ما رأيكم لو قمنا بتقطير النبيذ لنخفف الكمية التي نحملها وحين نصل الى أمستردام نخلطه بالماء ليعود نبيذاً كما كان" ثم دلهم على جهاز حديث اخترعه عالم عربي لا يعرف إسمه وأن الجهاز وصل الى أمستردام "ويمكننا أن نأتي به إلى هنا عند عودتنا لنقوم بتقطير النبيذ ولتقليص الكمية قدر المستطاع فنتمكن من حمل المزيد". 

مرت بضعة شهور قبل أن يعود البحارة ومعهم الإمبيق ويبدأ تقطير نبيذ، لكن المفاجأة كانت أن نسبة الكحول إرتفعت من 13 % وهي النسبة الطبيعية في النبيذ الجيد إلى 95% عند أول محاولة تقطير، ثم بدأت النسب تخف عند المحاولة الثانية والثالثة لكنها بقيت عالية جداً مقارنة بالنسبة الموجودة في النبيذ وبالطبع شراب بهذا الكم من الكحول لا يمكن شربه أبداً، فقد يوصل إلى السكر وفقدان العقل مباشرة وربما يودي إلى الموت، فكان خلط المشروب بالماء وسيلة لتخفيف نسبة الكحول لا لعودته نبيذاً كما كان في هيأته الأولى، مع الوقت، بدأ البحارة باكتشاف أن النبيذ المقطر تتحسن نوعيته وتخف نسبة الكحول فيه حين يُحفظ في البراميل الخشبية  التي ينقل بها. 

وأيضا في صحة البحارة 

وصلت أصداء ما فعله البحارة إلى شاب إنكليزي اسمه جان مارتيل الذي جاء في العام 1715 إلى كونياك ليستثمر مع شريك فرنسي من بوردو القريبة في المشروب الروحي "مياه الحياة eaux-de-vie" الجديد، أو الليكور كما تسمي الفرنسية كل الخلاصات المقطرة سواء من الزهور أو الفواكهة على أنواعها.  

غير أن الكونياك وصناعته أكثر تعقيداً من هذه البداية التي تشبه كل البدايات، فالقصة التي ترتفع كالبيارق على ضفاف نهر شارانت وفي الكروم الممتدة على ما يقرب من ثمانين ألف هكتار لم تصل إلى ما وصلت إليه ببساطة ويسر تدفق مياه النهر السائرة ببطء في النواحي والأراضي، وما بدأ به البحارة ثم بدأ به جان مارتيل استكمل دورته التاريخية ليصبح مهنة لها أسرارها وحكاياتها وأساطيرها وتقنياتها، إلى جانب سيرها ورواتها ومتحفها. بعد أن قامت أسرة مارتيل قبل عدة أعوام بتحويل الخمارة الأولى التي استعملها المؤسس والتي تقع في وسط المدينة التاريخي إلى متحف يروي بالتفاصيل سيرة الكونياك. 

اقترح أحد البحارة على رفاقه أن ما رأيكم لو قمنا بتقطير النبيذ لنخفف الكمية التي نحملها وحين نصل الى أمستردام نخلطه بالماء ليعود نبيذاً كما كان، ثم دلهم على جهاز حديث اخترعه عالم عربي لا يعرف إسمه وأن الجهاز وصل الى أمستردام

يفتتح المتحف سيرته بصورة ضوئية على زجاج لجابر بن حيان "صاحب الفضل الأول" كما قالت لي لانا مرافقتي التي شرحت لي بإسهاب كل الخطوات الطبيعية التي تودي بعنقود العنب المزروع في الأراضي المحيطة إلى زجاجة فاخرة من الكونياك ذي اللون السحري. 

الأراضي المحيطة بكونياك تنقسم إلى ثلاثة أنواع من حيث نوعية التربة، وهي أنواع تراوح بين الصلصال الطيني والكلس والبحص الصغير الذي يساعد التربة على التنفس، مجرد زيارة إلى الأراضي الشاسعة في الصباح الباكر يمكنك رؤية أنفاس الأرض التي تصعد بخاراً نحو السماء. 

كما أن كل بقعة أرض من هذه الأراضي الشاسعة تنتج طعماً مختلفاً عن الأرض التي تجاورها بعد عملية التقطير والتخزين والمدة التي يرقد فيها الشراب المقطر في البراميل الخشبية نتيجة عدة عوامل مختلفة مثل حالة الطقس ونوع التربة ونسبة السكر وسرعة الرياح. 

لكل أرض عنبها ونبيذها

البداية من الأرض التي تتكون العناقيد بالقرب من سطحها، ثم رحلتها الأولى نحو العصر والتخمير لتصبح نبيذاً وبعدها تبدأ عمليات التقطير الثلاث المقسمة على الرأس الجسد والقدمين. فالرأس وهو عملية التقطير الأولى لا يخرج منه سوى الكحول المركز بنسبة 95% وهذا يذهب نحو الاستخدام الصناعي والطبي، يليه الجسد الذي تنخفض نسبة الكحول فيه الى نحو 70% وهو ما يستخدم في الكونياك، ثم القدمان وهو محصول يستخدم في أدوات التنظيف عموماً. 

بلغ ثمن زجاجة الكونياك الواحدة من إصدار هانيسي بعنوان "جمالية القرن" حوالي 200 ألف يورو

يبدأ الشراب المقطر رحلته نحو البراميل الخشبية التي تصنع حصراً من السنديان الفرنسي. وهذه مهنة أخرى، بدأت بالأفول تدريجياً لندرة ممتهنيها.  

كان الكونياك في السابق يحتاج لسنتين تقريباً ليتحول لونه الى الذهبي البدائي، وسنة واحدة إلى اثنتين ليتبخر الكحول بداخل البراميل ويستقر على 40% وهي النسبة الممكنة للاستخدام الآدمي. 

والحق أن اللون الذي يأتي به الزمن كلما مرّ وقت في الأقبية المعتمة أصبح قبل قليل من الوقت قابلاً للتلاعب، بعد أن سمح القانون لصناع الكونياك باستخدام الملونات الصناعية، وهي عادة تستخدم لزيادة وسرعة الإنتاج، لكنها بالطبع تنتزع من الشراب سيرته التي تمتد عبر الزمن، وتحرمه من دورة نومه الطبيعية التي يصنع فيها حكاياته الأسطورية.

لا يكتفي الشراب بهذه الرحلة البسيطة والقصيرة كي يتحول كونياكاً، فالكونياك ليس ماء النبيذ المقطر "Liqueur" فقط، إنما، خلط مجموعة من هذه الأنواع بأعمار مختلفة وطرق حفظ مختلفة نسبة لنوعية الخشب الذي تحفظ به، يقوم بها "maître de chai" وهو يدير مجموعة من الأشخاص الذين يتتلمذون على يديه طوال سنوات ويقومون معه –يومياً- بتذوق وتنشق مئات الأنواع من النبيذ المقطر وبعد ذلك خلطها معاً بنسب معينة، عندها فقط تصبح كونياكاً صافياً.

وفي متحف مارتيل خمارته التي لا تزال حتى اليوم تعمل رغم أن العائلة باعتها قبل عدة أعوام، على غرار باقي الخمارات هنا، فيما الوحيدة التي بقيت مملوكة لنفس العائلة منذ عام 1724 ولا تزال هي دار ريمي مارتان. يمكن العثور على أنواع من الكونياك لا تباع إلا في المتحف نفسه ولا تصدّر لأي مكان آخر، كما أن تركيبتها وتنسيقها والعدد الذي تتكون منه من النبيذ المقطر سرّ ولا يمكن البوح به، كما لا يمكن معرفة عدد سنوات التعتيق وحجم الإنتاج، ومن يريد الحصول على زجاجة منه عليه أن يأتي إلى كونياك ليستمتع بالحكايات التاريخية التي تروى في كل مكان تقريباً. 

 رشفته تسمى نار الجنة الباردة 

تفتخر دار مارتيل ومتحفه بأنواع الكونياك التي أخرجاها إلى الضوء والحياة ومنها الزجاجة الأغلى ثمناً التي قام بابتكارها وجمعها وتنسيقها "Benoit fil" المعلم الذي قاد فريقاً طوال ثلث قرن تقريباً ليخرج بزجاجة كونياك أسماها "L’or" أي الذهب وهي خليط أكثر من 700 نوع من مياه النبيذ المقطرة لا يقل عمر كل نوع منها عن أربعة عشر عاماً، وقد يبلغ ثمن الزجاجة الواحدة بسعة 700 ملم حوالي ثلاثة آلاف يورو في دار مارتيل، بينما يصل سعرها في المزادات إلى أكثر من 10 آلاف يورو للزجاجة الواحدة، ولا ينافسها سوى الإصدارات المحدودة سواء من دار مارتيل أو مارتان أو هانيسي حيث بلغ ثمن الزجاجة الواحدة من إصدار هانيسي بعنوان "جمالية القرن" حوالي 200 ألف يورو، علماً أن ثمة إصدارات خاصة من مارتان وهانيسي أيضاً تباع بمبالغ كبيرة جداً لهواة الكونياك. 

الكونياك يقسم إلى أربعة أنواع يشار إليها بالأحرف "VS، VSOP، XO، XXO" وترمز هذه الحروف إلى عدد السنوات التي بقي فيها في البراميل الخشبية والتي تبدأ من عامين وصولاً إلى ثلاثين

ينتج مارتيل أحد عشر نوعاً من الكونياك تختلف نسب تعتيقها وبالتالي ألوانها ونكهاتها، ذلك أن الكونياك يقسم إلى أربعة أنواع يشار إليها بالأحرف "VS، VSOP، XO، XXO" وترمز هذه الحروف إلى عدد السنوات التي بقي فيها الكونياك في البراميل الخشبية والتي تبدأ من عامين وصولاً إلى ثلاثين عاماً لبعض الأنواع القليلة جداً والنادرة. 

لا تبدو كونياك الأقرب إلى قرية منها إلى مدينة سوى مكان لإنتاج الشراب الأكثر سحراً بين المشروبات، ما ابتكره بالصدفة بحار مجهول أصبح جزءاً من الأساطير التي تحاك حول الكونياك الذي يُخلط خلف جدران سوداء ليحرق الشفاه التي تتناوله كأنه نار الجنة الباردة. 


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard