لم يفلح الحب... فاختاروا الزواج التقليدي

الاثنين 5 سبتمبر 202202:08 م

هرباً من قصص حبّ فاشلة، أو من علاقات صعبة، يختار العديد من الشباب زواج الصالونات، أو ما يُسمّى بالزواج التقليدي، في عصر بتنا نعيش فيه تناقضاً بين الحداثة الفكرية والمعلوماتية، وبين رغباتنا وقناعاتنا، وسلوكيات الشركاء الذين نتعرف إليهم ما أفقد نسبةً كبيرةً من الأشخاص الثقة في العلاقات، وحتى في خياراتهم.

تقول ريم، إن التفكير العقلاني كان خيارها إثر الألم والخذلان، بعد أن خانها حبيبها لتتفطّن إلى أنها في علاقة سامّة استنزفتها ماديّاً ونفسيّاً وصحيّاً أيضاً. وعدها بالزواج، وعرّفها بأفراد عائلته، ما جعلها تثق به وتحلم كأي فتاة باليوم الذي سيتزوجان فيه إلا أن حلمها تحوّل إلى كابوس يوم تيقنت من أن خياناته المتكرّرة لها ما هي إلا إساءة متعمّدة من شخص نرجسي، بالرغم من أنه كان ينفي في كل مرة، ويحاول بشتّى الطرق إرضاءها وإقناعها بالعدول عن قرار الانفصال، وحتّى عندما قرّرت أن تقطع علاقتها به حاول تشويه سمعتها وأرسل إلى أصدقائها على فيسبوك كلاماً يمسّ من كرامتها وشرفها، ولم يكتفِ بذلك، بل تعرّف على فتاة وخطبها متجاهلاً ما كان يربطهما.

قالت الشابة لرصيف22: "بعد فترة من الانكسار والاكتئاب والصراع الداخلي، كنتُ فيها شخصاً آخر، متألمةً وحاقدةً، تقدّم لخطبتي زوجي الحالي. لم يسبق لي أن قابلته من قبل أو شاهدته حتّى، فقط كانت تربط أسرتي وأسرته علاقة معرفة وصداقة".

"بعد فترة من الانكسار والاكتئاب والصراع الداخلي، كنتُ فيها شخصاً آخر، متألمةً وحاقدةً، تقدّم لخطبتي زوجي الحالي. لم يسبق لي أن قابلته كانت تربط أسرتي وأسرته علاقة معرفة وصداقة"

أضافت أنه بالرغم من رفضها لهذا النوع من العلاقات في بادئ الأمر، قبلت أخيراً تحت إلحاح والدتها، وإصرار العريس ومحاولاته المتكرّرة للتقرّب منها. وهنا تشير ريم، إلى أنها وضعت شروطاً خاصّةً بها عندما قبلت هذا التعارف لتكتشف بعد ذلك شخصاً بصفات جميلة طالما بحثت عنها: "مقبول اجتماعياً وسهل في التعامل. لا أنفي أني كنت خائفةً ومتردّدةً في أول فترة التعارف، وحتى في بداية الارتباط".

تصف زواجها الذي عمره اليوم خمس سنوات، بأنه زواج حداثي تقليدي، وأن خيارها كان ناجحاً فبالرغم من أنها "شابة وأفكارها متحرّرة وشخصيتها مستقلّة"، إلا أنّها وجدت نفسها في هذه العلاقة، وهي اليوم سعيدة في زاوجها ولديهما طفل في الرابعة من العمر.

زواج عمليّ

يختلف الزواج "التقليدي" عن "الحداثي"، بأنه يهدف إلى تكوين أسرة، من دون معرفة مسبقة بالآخر وقصّة حب، بل يتم التعارف بين الطرفين عن طريق أشخاص يُعرِّفون الرجل إلى المرأة، مثل الخاطبة أو أشخاص يعرّفون الرجل والمرأة على بعضيهما البعض أو عن طريق الأقارب والأهل.

في تونس، قبل الاستقلال، كان من أهم مظاهر الزواج التقليدي أن يتم "ربط الطرفين منذ الطفولة"، أي خطبة الفتاة لابن عمها منذ الصغر.

"الزواج التقليدي هو عقلية واختيار ومبنيّ على قناعات معيّنة، لذلك هناك أشخاص يختارونه بالرغم من وسائط الاتصال العديدة والمتطوّرة"

مع تطوّر المجتمع أصبح التعارف يتم داخل المؤسسات التربوية من الثانوية إلى الجامعة أو في العمل بالإضافة إلى التحولات التكنولوجية والرقمية وتعدّد وسائل الاتصال التي أتاحت تطوّر العلاقات من علاقات افتراضية إلى علاقات فعلية تتوّج بالزواج.

"الزواج التقليدي هو عقلية واختيار ومبنيّ على قناعات معيّنة، لذلك هناك أشخاص يختارونه بالرغم من وسائط الاتصال العديدة والمتطوّرة"، هكذا فسّرت لرصيف22، الأخصائية النفسية سنية الجبالي، ظاهرة إقبال بعض الشباب المثقف على زواج الصالونات.

فسّرت الجبالي فكرتها: "الزواج التقليدي ليس هروباً من فشل العلاقات العاطفية، بقدر ما هو مسألة قناعة وقابلية واستعداد من الشخص المعني لخوض مثل هذا النوع من العلاقات. ولا صلة له بالهروب من الارتباطات التي تفوق قدراته على غرار التشارك والتضحية".

ترى الجبالي، أن الزواج "الحداثي" قد يتّسم بالنزوع نحو المثالية أو النموذج المثالي للشريك، أكثر ممّا هو الأمر في الزواج التقليدي: "فنفسيّاً، كلّما أطلنا فترة التعارف كلّما أصبحنا نبحث في التفاصيل أكثر ونركّز على العيوب ونسعى إلى تحليلها وتفسيرها لأننا نبحث عن النموذج المثالي".

هذه هي الأسباب النفسية التي تفسّر عزوف بعض الشباب عن الزواج الحديث، والعودة إلى أسلوب التعارف القديم، بحسب المتحدثة.

عودة التقاليد

أصبح هناك من يعتقد أن الزواج التقليدي ينجح أكثر من الزواج الحديث، تحديداً عندما يُقارَن نجاح علاقات المقربين من الأجيال السابقة الأمّ والأبّ، الجدّ والجدّة، العمّ والعمّة، وهو ما يجعل البعض يقوم بمفاضلة لصالح هذا الرابط.

يرى بلعيد أولاد عبد الله، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، أنه من الناحية العلمية هناك تغيّرات عديدة طرأت على مؤسسة الزواج، وهي مؤسسة اجتماعية شهدت الكثير من التحوّلات عبر الزمن، مشدّداً على أن العودة إلى الزواج التقليدي نمط من الرجوع قد يتمظهر في زواج المصلحة، أو ما يسمّى بزواج العائلات، ويفسّره الباحث بتراجع الثقة بين الطرفين، "ووجودنا في واقع اقتصادي واجتماعي متحوّل بالإضافة إلى العزوف عن الزواج بسبب فشل العلاقات الافتراضية".

بعد سنوات من انفصالنا ومحاولة نسيانها، تزوّجت من فتاة عرّفتني إليها شقيقتي. وجدتها مناسبةً لي فكرياً واجتماعياً وأُعجبني شكلها فتزوجنا زواجا تقليديا

يشير أولاد عبد الله، إلى أنّ المجتمع التونسي ليس مجتمعاً مزواجاً تاريخياً وثقافياً، حسب ما أثبتته دراسات سوسيولوجية وحسب الملاحظات أيضاً، وحتى قبل إصدار مجلة الأحوال الشخصية عام 1956، لم يكن المجتمع التونسي مقبلاً على الزواج خاصةً إذا ما قارناه بمجتمعات أخرى ترتفع فيها نسبة الزواج على غرار المجتمع المصري، وهو أقرب مثال على ذلك حسب رأيه (بتركيبته مزواج). ومع ذلك، فإن تونس من البلدان التي تُعدّ فيها نسبة الطلاق مرتفعةً جداً 13،500 حالة طلاق عام 2021، حسب إحصائيات رسمية.

عندما تفشل خيارات الحب...

يتذكّر سفيان بحسرة قصة حبّه الوحيدة كما يقول: "لم أكن أتوقع أن تفشل علاقتنا. عشت قصة حبّ قويّةً مع زميلتي في الدراسة. بدأت علاقتنا في الثانوي واستمرّت خلال دراستنا الجامعية وبعد التخرّج. اخترنا التخصّص نفسه والجامعة نفسها، وكنّا لا نفترق. تعمّق حبنا بمرور السنوات، وبعد تخرّجنا ذهبت لخطبتها. وبالرغم من معارضة والديّ تمسّكت بها، ومع ذلك هذا التعارف لم يكن نقطة تحوّل إيجابي في علاقتنا، إذ شاءت الأقدار أن يقع خلاف بين والدي ووالدها تطوّر إلى تبادل شتائم جعلني أفكّر في الانفصال عنها، ثم ازدادت الخلافات بيني وبينها بعد ذلك. اكتشفت فجأةً، وبعد سنوات، أننا مختلفان".

وأضاف: "لم تعد تتقبل غيرتي وتستفزني ووصلت خلافاتنا إلى درجة لا تطاق وتوقفنا عن التضحية. لم يعد كلانا كما كان وانفصلنا. لم يكن قراراً سهلاً. وبعد سنوات من محاولة نسيانها، تزوّجت من فتاة عرّفتني إليها شقيقتي. وجدتها مناسبةً لي فكرياً واجتماعياً وأُعجبني شكلها فتزوجنا".

تقول الأخصائية النفسية سنية الجبالي، إن إطالة مدّة التعارف في العلاقات العاطفية تجعلنا نركّز على سلبيات الطرف الآخر في حين أننا نصبح نرى أن ميزاته أمر عاديّ، فيما ركّز بلعيد أولاد عبد الله، أستاذ علم الاجتماع، على ضرورة تأهيل الشباب للحياة الزوجية، خاصّةً مع تراجع منسوب الثقة وحتى يكون الزواج مؤسسةً للاستقرار النفسي. وأقرّ المتحدث بوجود أزمة بين الذكر والأنثى في واقعنا اليوم، مضيفاً أن العصر الحالي فرض زيجات غير متكافئة، لا فكريّاً ولا اجتماعّياً، بسبب ما وصفه بزواج الضرورة للمرأة خاصةً عندما تتقدّم في العمر وأمام الواقع الاجتماعي الضاغط عليها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard