شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
الحب والوحدة والعصبية والكلام... حين نجوت بعد 26 عاماً من الغرق

الحب والوحدة والعصبية والكلام... حين نجوت بعد 26 عاماً من الغرق

مدونة

الاثنين 29 أغسطس 202210:17 ص

يصف الكاتب الفلسطيني زياد خداش في قصته "لماذا أكره هذا الرجل؟ لماذا يكرهني؟" رجلاً خمسينياً يبادله الكراهية قائلاً: "أمر عنه ويمر عني كل صباح، في طريق كل منا إلى عمله، نظرة واحدة غير مقصودة، وتبدأ كراهيتنا، يستمر الشعور الأسود عدة دقائق أشعر فيها بقلبي يكاد يتمزع غيظاً غير مفهوم، كذلك أراقبه هو وعيناه تستشيطان توتراً ودموع ألم". ويحتد الأمر بين الرجلين إلى أن يصل لكلام عنيف يتبادلانه في الشارع.

ولكن المفارقة العجيبة تكون عندما يصادف البطل نفس الرجل في مقهى "دوروا" بباريس، فيتبادل معه أطراف الحديث عن الحال والأحوال والحنين إلى البلاد التي يصفها قائلاً: "آه، والله ما في بعد بلادنا". في غياب تام للكراهية التي تبادلها الاثنان في الوطن دونما سبب، ولكن سرعان ما تعود الأمور إلى طبيعتها عند عودة كل منهما إلى البلاد، حيث يعود شعور الكراهية كما كان، في مفارقة عجيبة لم أفهمها من هذه القصة حين قرأتها قبل سنوات، ولكنني فهمتها بعدما تحول الوطن إلى سرير في غرفة ثلاثية ببيت وسط إسطنبول.

جعلتني الغربة (إسطنبول) أتقبل كل أولئك الذين لم يخطر لي يوماً أن ينشأ بيني وبينهم علاقة صداقة أو محبة، أصبح لي أصدقاء كنت أكرههم حقاً في غزة دون إدراك لأسباب هذا الكره. ولكنني أعتقد جازماً أن الأمر يتعلق بشكل أساسي بالحنين إلى المكان، فقد تجسد لي هؤلاء الأشخاص كقِطع مكانية مختلفة مِن الوطن، حتى صرت أعرف أكثر عنهم وعن قراهم التي هُجِّر أجدادهم منها وكذلك أكلاتهم المفضلة. وأصبحت أتبادل معهم كلمات حول الماضي الذي لم أعد أهرب منه، بل على العكس. فقد بات الماضي الذي عملت طويلاً على الهرب منه أنيساً جيداً في الليالي الطويلة في الغربة، يشبه الأمر أن تتحول لوحة من اللون الأسود إلى اللون الأبيض فجأة، وأن تطل الشمس في الثانية صباحاً من النافذة.

لهذا، أستطيع القول الآن إن الغربة جعلتني أكتشف نفسي مرةً أخرى، بشكل أو بآخر، حتى بت في الفترة الأخيرة متأكداً أن الشخص الذي كان قادراً على الكراهية بثقة كاملة في الوطن، أصبح أكثر حباً حتى تجاه الذين يكرههم. وأن كرهي للوحدة وانخراطي في العصبية الزائدة، هما من الأمور التي ليست مستحدثة أبداً ولكنها متعلقة بشكل ما بالمكان.

العادة الأولى: الحب

أول ما خطر لي وأنا أنظر لغزة من خارجها لأول مرة، هو جملة كتبها نجيب محفوظ في رواية "أولاد حارتنا"، واصفاً فتاة تطل من النافذة، يقول فيها: "وتراءت في نافذة مطلة على الدهليز فتاة حسناء ذات جمال وقح". فهذا هو الوصف الوحيد الذي يمكنني التعبير عن غزة به في تلك اللحظة، فهي بالنسبة لي مدينة حسناء ذات جمال وقح فعلاً. وهذا التناقض روى غليلي طوال فترة الغربة وما زال. فقد استطاعت غزة دائماً أن تكون الفتاة التي تلفت الانتباه من شدة جمالها، في الوقت الذي يجرحني فيه جمالها بشكل استثنائي.

الغربة جعلتني أكتشف نفسي مرةً أخرى، بشكل أو بآخر، حتى بت في الفترة الأخيرة متأكداً أن الشخص الذي كان قادراً على الكراهية بثقة كاملة في الوطن، أصبح أكثر حباً حتى تجاه الذين يكرههم

كان ذلك الموقف هو الصدام الفعلي الأول بيني وبين الوطن، وارتباكي ذاك لم يكن إلا اكتشافاً لشخص جديد ولِد وبدأ يتشكل بعادات وتقاليد جديدة لم يعرفها يوماً. وقف باص الترحيلات قرابة الساعتين على الحاجز يومها، ولم تتوقف جملة نجيب عن دق جمجمتي طوال المائة وعشرين دقيقة، وفي المرة الأخيرة التي نظرت فيها لغزة قبل أن يتحرك الميكروباص تجاه مطار القاهرة شعرت لأول مرة أنني ربما أحبها، ثم مع استمرار عقارب الغربة بالدوران، تأكدت تماماً أنني أحب غزة جداً على عكس ما كنت أعتقد طوال السنوات الماضية.

العادة الثانية: الوحدة

اعتدت طوال سنوات وجودي في غزة التي تجاوزت ستة وعشرين عاماً، على الجلوس وحيداً في غرفتي الصغيرة. فقد كانت غرفتي بمثابة عالم منفصل تماماً عن الواقع، تزورها فيروز في الصباح وأم كلثوم في المساء، ويدخل إليها ماركيز وبول أوستر ونجيب محفوظ في ساعات الظهر باستمرار لا ينقطع. وقد شكلت هذه الغرفة، مركباً استطعت من خلاله الإبحار إلى خارج المساحة الجغرافية المحدودة بـ 365 كيلو متر مربع، مبتعداً عن المجتمع الذي حولته الحروب المستمرة والظروف الاقتصادية السيئة، إلى مجتمع متطرف مبني على إقصاء الآخر وإغراق المراكب المبحرة تجاه الحياة.

في المرة الأخيرة التي نظرت فيها لغزة قبل أن يتحرك الميكروباص تجاه مطار القاهرة شعرت لأول مرة أنني ربما أحبها، ثم مع استمرار عقارب الغربة بالدوران، تأكدت تماماً أنني أحب غزة جداً على عكس ما كنت أعتقد طوال السنوات الماضية.

اختلف الأمر تماماً بعدما وصلت إلى إسطنبول، حيث بدأت ألاحظ أن الوحدة ليست هي قشة النجاة في الغربة، ورغم أن المرات الأولى كانت ثقيلة في مجابهة الحياة الجديدة، لم أجد نفسي إلا أبغض الوحدة وأبغض الجلوس وحدي في غرفتي الجديدة. فقد حركتني دائماً رغبتي الملحة بتكوين صداقات جديدة وعدم الجلوس طويلاً في الغرفة، حتى بدأت بتخيل شخصيات الروايات التي قرأتها إلى شخصيات حقيقة متمثلة بأشخاص من دول مختلفة. لهذا، أستطيع القول إن الغربة عرتني بما يكفي لأعرف أنني كنت مجبراً على الوحدة في غزة، وأنني في الأصل لست محباً لها ولا مفضلاً لها.

العادة الثالثة: العصبية

رغبةً في الهروب من النقاشات العقيمة التي تنتهي دائماً بالصراخ أو بإخراجي من الملة، كنت أتجنب رفع صوتي وأحاول في كل نقاش أخوضه مع أي شخص كان أن أكون هادئاً ولا أحرق أعصابي. حتى بت أعتقد أن هذا الأمر متأصلٌ في، أي أنني اعتقدت أنني شخصٌ غير عصبي، ولا يمكن أن يثير أعصابي أي حدث كان، سواءً طائرة تلقي أحمالها بلا رحمة، أو شخص ديني يتهمني بالإلحاد لأن أفكاري لم توافق أفكاره المأخوذة من المجتمع والمدعومة بمئات من أئمة المساجد ومدّعي التدين.

في إسطنبول، وبعد مرور فترة طويلة من الابتعاد عن الأفكار التي كانت تقهرني ولكنني لم أحرك تجاهها ساكناً، صرت قادراً على رؤية عصبيتي الزائدة عن الحد تجاه أي شيء تافه يحدث لي. بدأ هذا من إقامتي التي كانت على المحك بعد تعديلات تم إدخالها على الإقامات السياحية التي تمنح في تركيا، مروراً بالأحداث التي تعلقت بالعمل لساعات طويلة، وصولاً إلى الشعور بالوحدة الذي كان يدق بابي في بعض الليالي الطويلة. نقمت على المجتمع القديم، على العادات، على التقاليد، على الحب، وعلى ما زرِع في دون رغبة مني لأجد نفسي شخصاً شديد العصبية تجاه أتفه الأمور، ولم أعرف إلى الآن ما سر هذا التغير، ربما ارتبطت بنقمتي التي ازدادت تجاه كل شيء بعد رؤية العالم الذي حرمت منه لستة وعشرين عاماً.

العادة الرابعة: الكلام

لطالما كان الخوف صديقاً عزيزاً لي طوال 26 عاماً في غزة، وقد جعلني هذا أتجنب طرح أفكاري أمام الناس، ففي مجتمع منغلق على نفسه لا يكون الكلام مفيداً، بل يكون ضاراً تماماً ومن الممكن أن يسبب الكثير من المشاكل. لهذا لجأت إلى الصمت، الذي أعتبره منقذاً لما أمتلك من كلام كثير لا يتقبل الناس في غزة حتى الحديث فيه. جعلني ذلك كله شخصاً قليل الكلام، لا أتبادل الأفكار إلا مع عدد محدود من الأصدقاء الذين يتقبلون الاختلاف ولو قليلاً.

أما في إسطنبول، فبدا الأمر مختلفاً، حيث صرت شخصاً كثير الكلام، فقد اكتشفت أن في بلد علماني قد يكون الكلام مفيداً تماماً، أو على الأقل لن يكون هذا الكلام ضاراً. لهذا، استطعت التعبير عن جميع المعتقدات والأفكار التي كان خروجها محرماً في السابق، ما جعلني أثرثر كثيراً في الجلسات بين الأصدقاء وبين غير الأصدقاء دون خوف اعتقدت أنه سيستمر في مرافقتي إلى الأبد.

النجاة في إسطنبول

على الرغم من تغير الكثير من عاداتي بعد الابتعاد عن الوطن واكتشافي شخصاً جديداً لم أكن أعرفه، إلا أن هناك عادات أيضاً لم تتغير، ربما لأنها ليست مرتبطة بالمكان بقدر ما هي مرتبطة بالتكوين النفسي، وأزعم أنها تأصلت في الوجدان حتى أصبحت عضواً خفياً من أعضاء الجسد.

لطالما كان الخوف صديقاً عزيزاً لي طوال 26 عاماً في غزة، وقد جعلني هذا أتجنب طرح أفكاري أمام الناس، ففي مجتمع منغلق على نفسه لا يكون الكلام مفيداً، بل يكون ضاراً تماماً ومن الممكن أن يسبب الكثير من المشاكل

ولعل أهم هذه العادات، هي: الخوف من رجال الأمن. فما زلت إلى اليوم كلما رأيت رجل أمن، ينقبض قلبي وأبدأ بتذكر كل المساوئ التي فعلتها في حياتي، متأكداً أنني لن أعود إلى البيت بل إلى السجن، ما جعلني في كل مرة أرى فيها رجال الشرطة في الطريق، أهرب إلى طريق أخرى، متجنباً وقوع نظراتهم علي.

ولكن، مع كثرة عاداتي التي تغيرت، كان لا بد من الوقوف أمام المرآة وإدراكها والتعامل معها. أما تلك العادات التي لم تتغير، فما زلت أشيح وجهي بعيداً عنها محاولاً تجاوزها بشتى الطرق ولكنني إلى الآن فاشلٌ في ذلك. هذا كله جعلني أكتشف شخصاً آخر لم أعرفه مِن قبل، شخصاً جديداً ولِد بعد تجاوز معبر رفح، وما زال مستمراً في نزف العادات القديمة التي تنقلب كموجةِ بحر. يشبه الأمر أن ينجو الإنسان بعد 26 سنة من الغرق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard