شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ضباط لاكوست في الجزائر... مؤامرة فرنسا لاختراق الدولة

ضباط لاكوست في الجزائر... مؤامرة فرنسا لاختراق الدولة

سياسة

الأربعاء 31 أغسطس 202201:17 م

"ضباط فرنسا"، هم الجنود الفارون من الخدمة في الجيش الفرنسي والملتحقون بالثورة عام 1959، أو ما سُمّي "دفعة لاكوست"، نسبة إلى روبير لاكوست، الذي كان حاكماً عاماً مقيماً في الجزائر بين عامي 1956 و1958، والذين فرّوا من معسكرات التدريب في ألمانيا وشمال فرنسا، بعد فشل مشروع "سلم الشجعان" في محاولة لإسقاط الحكومة الجزائرية المؤقتة آنذاك.

يظهر هؤلاء الذين شكّلوا عماد نظام الـDAF، المؤسس من قبل هواري بومدين في ستينيات القرن الماضي بعد الاستقلال نموز/ يوليو 1962، في مقدمة المسرح السياسي، فهم يقودون الجيش، ويسيطرون على أجهزة المخابرات، ويمسكون بزمام الحكومة، ويتمتعون بنفوذ مخيف إلى درجة أنهم أجبروا الرئيس الشاذلي بن جديد، في كانون الثاني/ يناير 1992، على تقديم استقالته في اليوم الثاني للانتخابات التشريعية التي أوشك الإسلاميون على الفوز فيها، ولذلك سُمّوا أيضاً، بـ"الضباط الجانفيين". على رأس هؤلاء، اللواء خالد نزار، وزير الدفاع بين عامي 1990 و1993، والذي يوصف بـ"مهندس العُشرية السوداء"، والجنرال محمد مدين المشهور بـ"توفيق"، مدير الاستخبارات (1990-2015). وأخيراً، الجنرال محمد العماري قائد أركان الجيش الجزائري (1990-2004).

تقنيون أم عملاء؟

ويتحدث تقرير مؤرشف لصحيفة "لوموند" الفرنسية يعود إلى الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2004، بعنوان "على رأس الدولة فارون من الجيش الفرنسي"، عن "نظرية المؤامرة"، ويطلق عليهم لقب "حُرّاس المعبد"، وتُغلّف مسيرة هؤلاء الذين خانوا الثورة وأهدافها في الحرية والاستقلال عن المستعمر، ودورهم كذراع ناعمة له في جسد الدولة.

بالنسبة إلى آخرين، فهم "محترفون" تدين لهم الجزائر بعدم إغراقها في التسعينيات ضد القوة الإسلامية الصاعدة في الجزائر. يقول في ذلك محمد حربي: "كانوا تقنيين، كانوا هم من يشكلون العمود الفقري للجيش". في حوار مع صحيفة الشروق اليومي في شباط/ فبراير 2016، يقول الوزير الأسبق عبد الحميد الإبراهيمي الميلي، إنه حذر بومدين منهم مراراً، لكن الأخير كان يجيبه بأنه: "يعدّهم أداةً لمهمة معيّنة تورنيفيس (مفك) ثم تنتهي مهمتهم". ويؤكد أن مهمتهم كانت "اختراق الثورة" بأوامر فرنسية، نافياً عنهم صفة "الوطنية"، وتحدث عن وجود مخطط  لديهم للسيطرة على البلاد، إذ وضعوا أصدقاءهم في المراكز الحسّاسة في الولايات والسفارات.

يتحدث تقرير مؤرشف لصحيفة "لوموند" الفرنسية بعنوان "على رأس الدولة فارون من الجيش الفرنسي"، عن "نظرية المؤامرة"، ويطلق عليهم لقب "حُرّاس المعبد"، وتُغلّف مسيرة هؤلاء الذين خانوا الثورة وأهدافها في الحرية والاستقلال عن المستعمر، ودورهم كذراع ناعمة له في جسد الدولة

لم يلقَ هذا الأمر إعجاب الثوار الذين تمردوا على قرارات بومدين الذي كان يريد الاعتماد عليهم في بناء جيش حديث وعصري. وكانت الرغبة في استبعاد هؤلاء في أثناء الثورة وبعد الاستقلال، سواء في اجتماعات المجلس الوطني في طرابلس سنة 1960، وكذلك في صيف 1962.

كان الاعتماد عليهم خياراً "مبرمجاً وممنهجاً"، كما يقول بلعيد عبد السلام في حوار مع الشروق أونلاين نُشر في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2018. وفقاً للمخطط الذي أعدّه ديغول مع زعيم "جماعة وجدة"، هواري بومدين قائد جيش الحدود، لتسريب مجموعة من جنود "لا كوست" إلى داخل جيش التحرير لتطبيق مخططات فرنسا بعد رحيلها عن الجزائر، وقد قدّمهم بومدين على أنهم ضباط فارون من الجيش الفرنسي للمساهمة في تحرير البلاد، وأن الثورة بحاجة إلى خبرتهم وتجربتهم العسكرية.

واللافت أن منهم، محمد شعباني الذي استنكر وجود هؤلاء ضمن أعمال مؤتمر جبهة التحرير الوطني سنة 1964، داعياً إلى تطهير الجيش منهم، بينما دافع عنهم بومدين، وهذا الخلاف أودى بحياة شعباني بتهمة الخيانة العظمى شنقاً، لمحاولته فصل الصحراء.

"حزب فرنسا"

 إثر مقتل العقيد شعباني، أحس بن بلة بعمق الورطة، والتحدي الذي فرضه عليه بومدين الذي بدأ بإعادة هيكلة الجيش وترتيبه وتنظيمه بناءً على العناصر التي تلقت علومها وتدريبها العسكري في فرنسا، ممن التحقوا بمعسكرات قيادة الأركان سنة 1957 في تونس، ومنهم عبد القادر شابو، ومحمد زرقيني، وعبد الله بلهوشات، وسليم سعدي، وعبد المالك قنايزية، وخالد نزار وسواهم.

وأيضاً، من العناصر التي درست في المعاهد العسكرية في المشرق العربي ليكونوا عماده المستقبلي. واتهم بومدين بأنه من "حزب فرنسا"، وأنه بفضل الضباط الفارين أو دفعة "لاكوست" من أجل زعزعة نظام الحكم الوليد. كان بن بلة رافضاً لها إذ تخوف من سطوة الجيش وسيطرته على القرار السياسي في البلاد.

وتالياً، كانوا عماد الانقلاب الذي قام به بومدين على صديقه السابق أحمد بن بلة، في العام التالي. وبن بلة هو الخصم السياسي لبومدين الذي يصفه في شهادته على العصر على قناة الجزيرة القطرية في أيلول/ سبتمبر 2016: "المجاهد الذي لم يطلق رصاصةً واحدةً على الاحتلال الفرنسي، ولم يكن مناضلاً يوماً بل كان عدواً للمجاهدين".

عزل الجنرال مصطفى بلوصيف، رئيس الأركان، لرفضه استعمال الأجواء الجزائرية من طرف الطائرات الأمريكية لضرب ليبيا، وتعويضه بعبد الحميد لطرش، وهو من الضباط المنحدرين من الجيش الفرنسي، ما "شكّل اختراقاً واضحاً ومبرمجاً لمؤسسات الدولة العسكرية والمدنية لتنفيذ أجندة فرانسوا ميتران"

تتراوح المصادر في ذكر أعداد الفارين بين من يقول بأنهم لم يكونوا أكثر من مئة، وأنهم كانوا يعانون من المظلومية (التي جمعتهم) بسبب فرارهم، وأنهم لم يتجانسوا في جسد المؤسسة العسكرية، وينفي رشيد بن يلس، في كتابه "أروقة السلطة"، عنهم صفة الخيانة، مذكراً بدورهم في عمليات تهريب السلاح من تونس إلى الداخل الجزائري، وأن بعضهم سقط شهيداً دفاعاً عن الواجب، ومن يقول إن أعدادهم وصلت إلى أكثر من 1،500 عسكري. 

على النقيض من بن يلس، يقف لخضر بن رفعة، في مذكراته، فيتحدث عن أحمد بن شريف (أحد الضباط الفارين)، الذي تسلم منصب القائد العام للدرك، وعيّن شقيقه في القيادة العامة وهو ضابط في الجيش الفرنسي، ولم يغادره حتى الاستقلال. ويقول إن الجنرال العربي بلخير، ويصفه بـ"صانع الرؤوساء"، كان من الضباط الذين منحتهم فرنسا لعب دور الوسيط بينها وبين الشعب الجزائري، وإنه ظل ضابطاً فرنسياً حتى تقاعده سنة 1992.

"حقٌ أُريدَ به باطل"

في هذا الجو العاصف، قام الطاهر الزبيري، في 11 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1967، بمحاولة انقلابية فاشلة كان ضباط فرنسا على رأس قائمة أسباب فشلها. يدافع الطاهر في مقابلة مع صحيفة الشروق اليومي، في 23 أيلول/ سبتمبر 2013. عن انقلابه الذي لم يكن لغايات شخصية بقدر ما كان بسبب الخلاف الجوهري بينه كقائد لأركان الجيش، وبين الرئيس الراحل هواري بومدين، وكان حول قضية انضمام الضباط الذين سبق لهم العمل في الجيش الاستعماري، إلى جيش التحرير، بالإضافة إلى جملة من القضايا، في مقدمتها "طريقة بومدين الانفرادية والتسلطية في إدارة شؤون الدولة".

وللتدليل على عناد بومدين بخصوص موضوع الضباط، أنه عندما قام عبد المجيد شريف بطرحه أجاب بومدين: "لو أسمع أحداً يتحدث عن ضباط فرنسا سأرمي حجراً في فمه".

في المقابل، يرى البعض أن هذا التعبير هو "حق أُريد به باطل"، من قبل بعض دوائر الدولة العميقة عند كل أزمة أو مأزق ناتج عن عقم نظام العسكر الحالي. ففي مداخلة لصالح موقع "الجزيرة نت"، بعنوان "حزب فرنسا... هل ما زال هناك طابور فرنسي في الجزائر"، نُشر في الثالث من حزيران/ يونيو 2019، يؤكد الصحافي الجزائري سعيد بوعقبة نفيه للاتهامات التي طالت الرئيس الأسبق بومدين بدعمه لـ"حزب فرنسا".

فأول من دعم هؤلاء كان كريم بلقاسم، وعلى أثر الصراع الذي نشب بين الباءات الثلاث وهيئة الأركان في جبهة التحرير ممثلةً بـ"بومدين، منجلي، قايد"، والذي أسفر عن خروجهم إلى ألمانيا. وكان بومدين أول من استخدم تعبير "حزب فرنسا". وصعودهم على سلم السلطة كان في عهد خلفه الشاذلي بن جديد (1980-1992). ويرفض بوعقبة أي "ارتباط عضوي"  لهم مع فرنسا بالرغم من تكوينهم وثقافتهم الفرنسية. فالجنرال خالد نزار الذي يُعدّ على رأس "ضباط فرنسا"، خاض بعد التحاقه بالثورة معركةً على الحدود الشرقية مع الجيش الفرنسي سنة 1958.

رئيس بلا رئاسة

بعد وفاة بومدين، دخلت الجزائر في نفق مظلم على أثر الخلاف السياسي الناشئ داخل الحزب الحاكم، والذي أفضى إلى بروز تيارين: يمثل أحدهما عبد العزيز بوتفليقة (وزير الخارجية آنذاك)، ومحمد الصالح يحياوي مسؤول الأمانة الدائمة لحزب جبهة التحرير الوطني، والذي انتهى إلى تولّي الشاذلي بن جديد رئاسة البلاد سنة 1980.

اليوم، من الشائع الحديث عن التخلص من وجود "ضباط فرنسا" تحديداً، وقادة الانقلاب سنة 1992، بعد تولي عبد العزيز بوتفليقة الرئاسة سنة 1999، إذ قضى بعضهم خلال العشرية السوداء، وتم عزل من تبقّى منهم، بينما يرى البعض، أن وجود "حزب فرنسا" لا يزال عميقاً في الدولة

لخضر بن سعيد المعارض لنظام الحكم منذ 1986، وأمين عام "حركة الوطنيين الأحرار"، في حوار له مع الشروق في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2013، يؤكد استعانة الشاذلي بأحد الضباط المنحدرين من الجيش الفرنسي، هو العربي بلخير، وترقيته إلى رتبة جنرال، وتعيينه رئيساً لديوانه، ويقول إن "العربي بلخير حتى يعرف الجميع، له أخ في الجيش الفرنسي برتبة جنرال".

يبدو أن فرنسا ميتران استغلت هذه الصلة لجعل نظام "الحكم الهش" تابعاً لها عبر العربي وأخيه، وتالياً الرئيس الشاذلي بن جديد، عبر التخلص من "الأطر الوطنية" في الدولة، وأول عملية تمثلت في التخلص من مسعود زقار الذي تعرّض للسجن ثم خرج منه بريئاً قبل أن تتم تصفيته في منفاه في إسبانيا، وكذلك التخلص من قائد جهاز الأمن العسكري، قاصدي مرباح، واستبدالهما بعناصر موالية لهم.

عزل الجنرال مصطفى بلوصيف، رئيس الأركان، لرفضه استعمال الأجواء الجزائرية من طرف الطائرات الأمريكية لضرب ليبيا، وتعويضه بعبد الحميد لطرش، وهو من الضباط المنحدرين من الجيش الفرنسي، ما "شكّل اختراقاً واضحاً ومبرمجاً لمؤسسات الدولة العسكرية والمدنية لتنفيذ أجندة فرانسوا ميتران"، ويبدو الشاذلي كـ"رئيس بلا رئاسة".

خلال الولاية الدستورية الثانية لبن جديد، برز الخلاف بينه وبين المعارضين له، وعلى رأسهم محمد شريف مساعدية على رأس جبهة التحرير والرافض لترشيحه. يقول بن سعيد إنه "استدعى مجموعةً من الوطنيين المصنّفين في المعارضة، وكنت أحدَهم"، وحينها ألقى خطابه الشهير خلال تجمّع في المعرض الدولي، وفي ذلك الخطاب أقرّ مساعدية بـ"وجود خلل داخل الدولة وحمل خطابُه المذكور غضباً واضحاً"، ويتابع قائلاً: "فهمنا منه أنّ الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح، وفهمت أنا شخصياً، أنّ دفعة لاكوست استولت على دواليب الدولة".

وعليه، فقد بدأت فرنسا منذ سنة 1987، بمضايقة الجزائر عن طريق "فبركة انهيار أسعار البترول"، وتوجيه أموال الدولة المدخرة منذ العهد السابق في اتجاه الاستيراد وتعطيل المؤسسات الإنتاجية العامة والصناعة، ما شكل مقدمةً لانفجار الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر 1988، عبر التخلص من بقايا الوطنيين داخل جبهة التحرير، وعلى رأسهم مساعدية وأحمد طالب الإبراهيمي، وآخرين.

بعدها يخرج نظام الحكم برئاسة الشاذلي بن جديد، بمشروع "تعديل الدستور وتكريس التعدُّدية"، وهذه التعددية لم توجد إلا قوى سياسية قليلة كانت تقف في معارضة نظام الحزب الواحد، وتذكر المصادر أنه تم اعتماد حزبين في الجزائر، هما "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، من قبل فرنسا ميتران.

اليوم، من الشائع الحديث عن التخلص من وجود "ضباط فرنسا" تحديداً، وقادة الانقلاب سنة 1992، بعد تولي عبد العزيز بوتفليقة الرئاسة سنة 1999، إذ قضى بعضهم خلال العشرية السوداء، وتم عزل من تبقّى منهم، بينما يرى البعض، أن وجود "حزب فرنسا" لا يزال عميقاً في الدولة، سواء في الجيش أو السياسة أو الإعلام أو الجامعات أو عالم المال والأعمال.

Website by WhiteBeard