"بس ليه فيه شر يا ماما؟"... صراع الخير والشر في عقول الأطفال

الخميس 1 سبتمبر 202212:19 م

"بس ليه فيه شر يا ماما؟" سؤال يطرحه علي ابني (ثماني سنوات) وابنتي (خمس سنوات) عدة مرات خلال اليوم.

قرأت أخيراً مقالاً لصديقي فؤاد حلبوني باحث الأنثروبولوجيا المتخصص في اللاهوت السياسي، وفيه تناول نص سفر أيوب في محاولة لبناء تصور عن مواجهة الإنسان للشر المفرط وربطه بسياق الثورات العربية. 
شغلني تحليله للنص وسط انشغال طفلي بمسألة الشر التي مرّت بتحولات عدة في أحاديثنا اليومية، كأسئلته عن مكان الشر في الحياة، وهم طفلي الأكبر في إمكانية مواجهته ومصير تلك المواجهة.

الشر بالونات مملوءة بالهيليوم  

بدأت عادة تحمسنا لهذه الأحاديث عندما نبهني إليها صديق كمدخل للحديث عن الفلسفة مع ابنه والتعبير عن الامتنان للامتيازات التي حصلنا عليها في الحياة من خلال دعاء شكر نحرص عليه قبل النوم مصحوباً بتأملات تطول بالأسئلة، وأخيراً صار الشر يحتل جزءاً كبيراً منها.

أحرص في كانون الثاني/ يناير من كل سنة منذ أن أتم ابني عامه الخامس أن أطرح عليه فكرة الحرية ومعنى الإفقار ووحشية القمع، لرغبتي في أن أحدثه وأخته عن أحداث 2011 بطرق مختلفة كجزء من تاريخي الشخصي والجمعي الذي يتعرض لأشكال مختلفة للطمس والمحو الممنهج، من هنا وُلدت أسئلتهما عن الشر.

في محاولة طفليّ للترفيه في موضوع مأزوم مثل سؤال "ما هو الشر؟" كانا يلجآن للكوميديا، فيتحدثان عن "الأشرار" في هيئة بالونات مملوءة بالهيليوم يطيرانها في السماء فتذهب للفضاء دون رجعة، وبعد كثير من الضحك يشعران بالذنب أنهما غير قادرين على تصور اختفاء هؤلاء الأشرار للأبد، ولكن نجحت تلك الخيالات في جلب نصيب من الراحة في تأمل الانفصال عن الشر والابتعاد عنه.
أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً وقتها يكمن في تصور الشر كحضور يعكر صفو الحياة ويعبث بالسلام والوئام العام، وكانت الأحاديث بيننا تنتهي بسؤال: "ليه ممكن حد يختار الشر، إزاي ممكن حد يختار الشر؟"

في محاولة طفليّ للترفيه في موضوع مأزوم مثل سؤال "ما هو الشر؟" كانا يلجآن للكوميديا، فيتحدثان عن "الأشرار" في هيئة بالونات مملوءة بالهيليوم يطيرانها في السماء فتذهب للفضاء دون رجعة

منحَتهم أقسام الألعاب التي تمتلئ بأبطال الكوميكس الأمريكية وخصوصاً "ستار وورز" فرصة التصور البصري للأشرار في هيئة وحوش بألوان وأشكال مختلفة، ووجدا متعةً في الدخول في عراك مستمر بين البطل وغريمه الشرير الذي يعود منه البطل الإنسان الطيب دائماً منتصراً.

طفلاي يحاولان هزيمة الشر في العالم

فكما يحكي لنا فؤاد حلبوني في قراءته لسفر أيوب: "ترتبط الوحوش بالقوى البدائية الكامنة في الطبيعة أو رواسبها، والتي قد تطل برأسها كلما تخيل الإنسان أنه بصدد ترويض قوى الطبيعة واستخلاص قوانين نهائية تصف سيرورتها، ولكي تستقيم الرؤية الجديدة للكون بشكلها المنضبط والمنظم، كان يجب على الوحوش أن تعود إلى الغمام مرة أخرى".
ثم دخلنا في مرحلة التخبط لإيجاد منطق خلف وجود الشر، واستحوذت على مخيلة طفليّ ملاحظة الشر ورصده، وتزامن مع المرحلة الجديدة هوس إبني بالشخصيات التي تجسد الرعب في الأفلام الأمريكية -مع أنه لم يشاهد أياً منها- التي كان قد اكتشفها من محلات الألعاب، خصوصاً في أقسام الملابس التنكرية والمحلات التي تتخصص في بيع المجسمات لهذه الشخصيات (يوجد محلان في منطقة سكننا) إضافة لقوائم الأشرار والأبطال في السينما الأمريكية على يوتيوب.أظن أن تلك المرحلة كانت مريحة نسبياً لأنهما كانا في تردد مستمر عند تخيلهما بشكل تلقائي أن الشر من الممكن أن يتجسد في صورة وحش بالمعنى التقليدي، أو كما يسرد حلبوني: "كالوحوش الأزلية والمثيرة لخيال البشر مثل لوياثان" أي خارج القالب البشري.

ولكنهما وجدا ملجأً في تصور أناس متنكرين، أي بشر ولكنهم بعيدون عن الشكل البشري المألوف، وبهذا سهُل التعرف عليهم من فرط المساحيق التي يستخدمونها وملابسهم التي تعتبر غريبة عن مشهد الحياة اليومية التي نعيشها.

أحرص أن أطرح على ابني فكرة الحرية ومعنى الإفقار ووحشية القمع، لرغبتي في أن أحدثه وأخته عن أحداث 2011 بطرق مختلفة كجزء من تاريخي الشخصي والجمعي الذي يتعرض لأشكال مختلفة للطمس والمحو الممنهج، من هنا وُلدت أسئلتهما عن الشر

أجد في فكرة تغليف الشر في هيئة وحش أو إنسان غير مألوف محاولة لرصده والتبرؤ منه، ومن هنا بدأ ينشأ برعم جديد للطمأنينة.
اندثرت تلك الطمأنينة الوليدة حين بدأنا نتحدث عن القسوة في المجتمعات التي نعيش فيها ومناهج الإفقار التي تهيمن على شؤون الناس بفعل فاعل، وبذلك انتقلا إلى نزع تلقائي للأقنعة الملونة عن "الأشرار"، وهذا ما جعل رصد الشر مهمة أصعب مما تصورا، الأمر الذي عاد بهما إلى السؤال الملح: "طيب ليه فيه شر؟".
لم يطرأ على ذهنيهما حتى هذه اللحظة ما يصنف بـ"التقليد الأبائي" في رؤية الشر كما يشرح فؤاد في مقاله حيث ينسب الشر لخطيئة الإنسان، في بُعد هذه الفكرة عنهما أشعر بشيء من الطمأنينة لأنهما لا يحمّلان نفسيهما هذا العبء العملاق الذي يحمله الكثيرون. ثم تأتي معضلة إرث الشر. ابني وابنتي لا يستوعبان فكرة أن يظل الشر عاملاً في حياة البشر من خلال بشر آخرين لأنه فكرة "سيئة" وبالتالي كان من الأولى أن تنقرض.

أجد في فكرة تغليف الشر في هيئة وحش أو إنسان غير مألوف محاولة لرصده والتبرؤ منه، ومن هنا بدأ ينشأ برعم جديد للطمأنينة

تجسدات الشر الطفولية

فكرة شعور أيوب بالوحدة في مواجهة الشر لم تعترض طريقنا بعد لكنها تملأ كوابيس طفليّ؛ في كثير من الكوابيس التي تتمكن من "عيالي" يأتيهما الخوف من عدم جدوى الاستغاثة التي لا تستجاب فتتركهما مهزومين في وجه شر ما/ أعجبني ذلك الوعي بالاستغاثة وشعورهما بالفراغ الذي يعالجه إيجاد الرفاق لهزيمة الشر.
أجد أن الشغف بالتواصل وسيلة للتخلص من الشعور بالوحدة التي رواها فؤاد حلبوني في سرده لسفر أيوب.
يأتي سؤال آخر طرحته عليهما بعفوية ذات مرة: "أيمكن للشر أن يكون اختيار يتوحش بالممارسة الدؤوبة؟ مثله مثل الخير؟ والمبادئ؟" ففكرا معاً وسكنا للفكرة التي أتى معها هم جديد في تصور احتمال قائم للشر في "ما ومن يحبان وحتى في نفسيهما" وتزامنت المرحلة تلك مع اكتشفاهما للعبة يتجسد الشر فيها في هيئة الجدة، حيث يحاول من يلعبها الهروب من الجدة بكل الطرق.
أظن أن أفلام الرعب الأمريكية طالما شاركت المشاهدين في طرح مماثل فيه يتجسد الشر في طفل أو في الجدود والجدات أو في الطبيب، باعثة شعوراً بعدم الطمأنينة وسط الجمهور.
يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: "بس ليه فيه شر؟"

يكتب حلبوني: "انتقد كانط حجج الثيودوسيا لأنه رأى فيها ما قد يؤدي إلى إضفاء بعد لاهوتي على الشر، وتلمس خدراً من إسناد دور له في منظومة الخلق الإلهي، ما قد يؤدي إلى أن نقبل العالم في صورته الحالية كأفضل العوالم الممكنة للبشر، وأن يحد ذلك من قدرة المرء على الفهم المُخلص لواقع العالم وأوضاعه الظالمة، ومن ثم التفكير في كيفية العمل على تحسينه وتقويمه (مع الاعتراف بحدود الفعل والفهم البشري في إحداث هذا التقويم)."

يسألني طفلاي: "ممكن نصلح اللي بيبوظه الأشرار؟" ودائماً ينتهي بنا المطاف إلى الحديث عن شرف المحاولة.

يعبر طفلاي عن رأي شبيه لكانط في هذه النقطة لكونهما لا يرتضيان بالشر شريكاً في الحياة فهما مهتمان بهزيمته في صيغة مشاهد، تبدو هذه الطريقة مرضية لهما لأنها تطرح نماذج محددة للإطاحة بالشر، وبالتالي هي في متناول كل من يرغب.
في النشوة التي تصحب تصور تلك المشاهد لا يقلقان إطلاقاً تجاه محاولات القضاء على الأشرار ولكن يقلقهما كيف سيتأثر العالم ويتحطم ويتخبط نتيجة الأفعال الشريرة التي تعكر صفو الحياة في المجمل، وما إذا كان إنقاذ الكوكب بيئياً متاحاً مثلاً أو محو الأذى عن ضحايا الشر.
يسألني طفلاي: "ممكن نصلح اللي بيبوظه الأشرار؟" ودائماً ينتهي بنا المطاف إلى الحديث عن شرف المحاولة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard