فيلم "فرططّو ذهب"... وحوش الطفولة التي لا تنسى

الأربعاء 20 أبريل 202212:00 م

شهدت سينما les 7 Parnassiens، في العاصمة الفرنسيّة باريس، عرض فيلم "فرططو ذهب-Papillon D’or" (الفراشة الذهبيّة) من تأليف وإخراج التونسي عبد الحميد بوشناق، وبطولة فتحي الهداوي، الذي كان حاضراً في الصالة، وأجاب عن أسئلة الجمهور، ضمن ساعة من النقاش التي تلت الفيلم.

يمثّل "فرططو الذهب" تونس في الدورة الرابعة والتسعين لجوائز الأوسكار هذا العام، عن فئة أفضل فيلم دولي، ويجدر الذكر أن العام الماضي أيضاً شهد ترشيح الفيلم التونسي "الرجل الذي باع ظهره" عن ذات الفئة في الأوسكار.

يتناول الفيلم حكاية الضابط في الشرطة مُعز (محمد السويس) الذي طُرد من عمله وخسر حبيبته، ليجد نفسه، بعد أن انتقم لها بقتل من شوّهوا جسدها، في رحلة عجائبية مع "ابنه" ذاك الذي ظهر فجأة في حياته، ما دفع مُعز لحرق كل ما يمتلك من أوراق رسميه، واخذ ابنه في رحله هدفها أن يرى الصغير "أشياء لا يمكن نسيانها"، كونه مصاب بمرض يهدد بصره الذي سيتلاشى في لحظة غير محددة نتيجة مرض عُضال.

تتكشف في الفيلم علاقة الضابط مع والده (يلعب دوره فتحي الهداوي)، هذا الأب، مُمَثل محبط، فاشل نوع ما، تحول إلى سكير يقيم في منزله هارباً من فشله، مالئاً رأسه بالكحول، ومفرغاً غضبه على زوجته وابنته وابنه الذي يواجهه مرة محاولاً إيقافه عن تعنيف من حوله، ما يتسبب للأب بجلطة تعطل جسده، وتحرمه، كممثل، من أهم أداة يمتلكها، قدرته على الحركة و"التعبير"، ما حوله إلى "وحش" عنيف، يحمّل ابنه ذنبين، الإعاقة، وتدمير حلمه بأن يصبح ممثلاً.

عن فيلم "فرططو الذهب" الذي يمثّل تونس في الدورة الرابعة والتسعين لجوائز الأوسكار هذا العام 

الرحلة الفانتازيّة

الفيلم محكم البناء، هو "فيلم مؤلف" يمكن تصنيفه تحت خانة "الرحلة الفانتازيّة"، وهذا ما يشكل مفاجأة للمشاهدين لاحقاً، فالضابط مُعز الذي نراه بداية في مشهد شديد العنف، علت آهات المشاهدين في الصالة بسببه، يتحول لاحقاً إلى ابن مُعنَّف، ثم أب، ثم ضابط، ثم موضوع رغبة أحدهم، ثم عشيق، ثم رحالة يرافق ابنه في محاولة ليريه "ما لن ينساه" وكأننا في رحلة على مستويين، الأولى نفسية يخوضها الأب، والثانية فانتازية يخوضها مع ابنه، الذي يجد نفسه مرةً أمام بائعة هوى بثلاثة أعين، ومرةً أخرى أمام مُتشرد بجناحين، وآخر أشبه بحرباء، في كل مرة نكتشف "عالماً" مُصغراً، يحوي وحشاً لطيفاً، يشكل جزءاً من ذاكرة الطفل المهدد بالعمى، وهذا ما يخلق لدينا التوتر بعد كل "دهشة": هل سيفقد الطفل بصره الآن، أم بعد مشهدين، أم في النهاية؟ التهديد بـ"العمى" قائمٌ دوماً طوال الرحلة.

الملفت في الفيلم هو دور فتحي الهداوي، الذي لا يمكن التعليق على أدائه لاحترافه، لكن يمكن الإشارة إلى أشكال الأداء التي يستعرضها الهداوي، هو بانتومايم سيء، ثم mascot يسخر منه من حوله، صورته كممثل تتحطم أمام ابنه، بوصفه "الوحيد الذي يؤمن بموهبته"، وكأن الهداوي يقدم لنا صورة مصغرة عن الممثل الذي لم يحالفه الحظ،  إما لغياب الموهبة لديه أو عدم نيله الفرصة المناسبة، هذا ما لا نعرفه، لكن النتيجة واحدة، مؤد غارقاً في أحلامه وشلله الحرفي والمجازي، بعد أن فقد حتى مهارات الطفل، كالتبول وحيداً، أو شرب كأس من الحليب، كل هذا يرسم أيضاً صورة عن معاناة المرأة، التي تتمثل بابنته والتي استغنت عن حياتها لأجل "خدمة" والدها وتلبية طلباته.

تصلح موضوعات الفيلم لأي زمان ومكان، أي هويته "التونسية" حاضرة فقط في اللغة والعلم الذي يظهر عدة مرات، إذ لا يحوي هماً سياسياً أو محاولة نقدية مباشرة للواقع، واختيار بوشناق لهذا النوع الفني "الفانتازيا" يحرره من الحمولة الأيديولوجية والسياسية التي تتوقع من الأفلام العربيّة، سواء كان الجمهور عربياً أو "عالمياً"، وهذا ما يميز تجربة بوشناق نفسها الذي اختار الرعب كموضوعة فيلمه "دشرة"، هذا الانفتاح على الأنواع المختلفة، يحرر المشاهد من الجهد العقلي المرتبط بمحاولة الربط مع السياق التاريخي والاكتفاء بجماليات النوع، ناهيك أنه يضطر الناقد إلى قراءة النوع نفسه ضمن أدواته، لا التعالي عليه واتهامه بالتقليد، خصوصاً أن أسلوب بناء المؤثرات الخاصة كان مناسباً، لا إفراط حد الابتذال، ولا اقتصاد حد تغييب الدهشة، فأن نرى "وحشاً" ذا جناحين من  لحم وجلد، ينطق العربية دون أن يثير فينا السخرية، أمر نادر، وهذا ما أكسب الفيلم حيويته وقدرته على أسر مخيلة المشاهدين.

يحوي الفيلم طاقة سحريّة من نوع ما تتركنا دوماً متنبهين، فلا يمكن توقع ما سنشاهده، خصوصاً أن الفيلم يعرفنا على فضاءات متنوعة لا تبدو مبتذلة أو مبالغ بها، بل مرسومة بالحد الكافي للإجابة عن أسئلتنا حول ما يحصل

ينبع "إحكام" الفيلم من السيناريو المضبوط الذي يجيب عن كل أسئلتنا حول ما يحصل على الشاشة، وهذا ما يتضح في النهاية، حين يكشف لنا الفيلم عن حقيقة "الرحلة الفانتازية"، تلك التي تحول الفيلم إلى ما يشبه معاناة رجل  تعرض للعنف في طفولته، وفقد محبوبته، ثم قرر الذهاب في رحلة يفقد فيها "عقله"، عله يجده لاحقاً، وهذا ما لا يحدث، إذ يستيقظ الضابط مُعز على سرير المشفى، لنكتشف أنه كان يحلم، وأن والده بالرغم من كل شيء، ما زال إلى جانبه، هو ليس الوحش، بل ذاك الممثل الحالم الذي يسعى للترفيه عن ابنه وتسليته، أما الرحلة، فمتخيلة، لا طفل فيها، بل مُعز نفسه يستعيد ما سرده وأداه له والده من حكايات في مسرح منزلي صغير كي يريه "ما لا يمكن له أن ينساه أو يراه في مكان آخر".

يحوي الفيلم طاقة سحريّة من نوع ما تتركنا دوماً متنبهين، فلا يمكن توقع ما سنشاهده من وحوش، خصوصاً أن الفيلم يعرفنا على جغرافيات متنوعة، السوق الشعبي، الغابة الخضراء القصيّة، حفرة في الأرض تأخذنا إلى ما بعد العالم، هذه الفضاءات لا تبدو مبتذلة أو مبالغ بها، بل مرسومة بالحد الكافي للإجابة عن أسئلتنا حول ما يحصل، إذ لا تترك أسئلة معلقة، كل شيء يجاب عنه بالنهاية دفعة واحدة، حتى معنى اسم الفيلم يتضح في النهاية، لنرى أنفسنا أمام مشهد شعريّ، لا يعلق عليه لإتقانه ومكانه المناسب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard