شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"حثّنا على الانتحار"... وسام وفطّوم شابتان غزّيتان تستغيثان ضد تهديدات والدهما بقتلهما

"حثّنا على الانتحار"... وسام وفطّوم شابتان غزّيتان تستغيثان ضد تهديدات والدهما بقتلهما

حياة نحن والنساء

الثلاثاء 30 أغسطس 202210:45 ص

وجّهت شابتان فلسطينيتان من قطاع غزّة مناشدة إلى السلطات الفلسطينية والجمعيات الحقوقية والإنسانية لحمايتهما من والدهما الذي قالتا إنه "هدد صراحةً بقتلهما" و"دفعهما للانتحار" بعد إساءة معاملة وتعذيب، فيما سعى الأب إلى تصوير الحادثة كـ"قضية وطنية" و"انتقام سياسي" تخلله "التغرير" بابنتيه. 

ومساء الأحد 28 آب/ أغسطس، كتب الأب، ويدعى عماد العاصي، من رفح، عبر حسابه في فيسبوك: "اختطاف بناتي مع سبق الإصرار والترصد. معلوم لدينا ولدى جميع جهات الاختصاص الخاطفون". قبل أن يخرج في بث مباشر ويتحدث عن غضبه من أن تدفع ابنتاه "ثمن النضال السياسي لوالدهما"، ملمحاً إلى أنه طالما كان معارضاً للحكومة وخصماً للعديد من الأجهزة الأمنية.

وفي مقطع فيديو عبر حساب إحداهما على فيسبوك، ظهرت الفتاتان، مساء الاثنين 29 آب/ أغسطس، نافيتين مزاعم الأب، وقالتا إنهما هربتا خوفاً من تهديداته بالقتل وتجويعه لهما وحبسهما المتكرر. 

"تم تجويعنا وحثنا على الانتحار"

وتحدثت الابنة الكبرى وتدعى وسام، قائلةً: "أنا هنا عماد العاصي الطويل، المعروفة بوسام. عمري 23 سنة. محامية مزاولة في نقابة المحاميين الشرعيين. معي أختي فطّوم عماد العاصي الطويل. هاد الفيديو نفي لادعاء والدي بأنه إحنا تم خطفنا. إحنا ما اتعرضنا للاختطاف ولا للخطر بأي شكل من الأشكال من مباشرة ما طلعنا من البيت".

وأوضحت الشابة الفلسطينية أن والدها حبسها وشقيقتها "ثلاث مرات على التوالي خلال شهر"، لافتةً إلى أنهما لجأتا للشرطة قبل أسبوع تقريباً عقب قيام والدهما بحبسهما للمرة الأولى و"ما تم تقديم أي نوع من المساعدة" لهما.

"والدي هددنا بالقتل بشكل مباشر وصريح. عرّضنا للتجويع، وحثنا على الانتحار"... شابتان غزيّتان تستغيثان لإنقاذ حياتهما، والأب يسعى لتحويلها إلى "قضية وطنية" و"انتقام سياسي" ويهدد بعواقب "لا يتحملها بشر" #أنقذوا_وسام_وفاطمة

وأضافت أنها وشقيقتها اضطرتا إلى الهرب من المنزل بالقفز من الطابق السادس للخامس "عن طريق ستارة عملناها حبل".  

وتابعت: "والدي هددنا بالقتل بشكل مباشر وصريح. تم تعريضنا للتجويع، وحثنا على الانتحار بأنبوبة غاز حطها بالغرفة اللي إحنا موجودين فيها".

وناشدت وسام في الختام "كل المنظمات الحقوقية والإنسانية والقانونية، وحكومة غزّة وحكومة الضفّة، وفلسطين كافّة بحمايتنا أنا وأختي بأي شكل من الأشكال". كما أطلقت حملةً للتضامن معهما عبر وسم #أنقذوا_وسام_وفاطمة.

حملة تكذيب من الأب وأهله

عقب بثّ مناشدة الفتاتين، روّج والدهما وأفراد عائلته، لمزاعم وجود "مخطط مشبوه" لـ"تشويه عائلة العاصي ونضالها" واستخدام الفتاتين "أداةً" فيه بعد "التغرير بهما" و"غسل دماغهما".

وشارك الأب الفيديو الذي ظهرت فيه ابنتاه وعلّق عليه: "أتضامن معكم في حقك بالأمن والسلام، ولا ألومكم يا بابا على هذا الفيديو اللي تم إعداده بالأمس تحت تهديد ‘أبوكي بده يقتلكم وإذا ما حكيتوا ما بنقدر نحميكم‘". وادعى الأب أن سيدة إسرائيلية أمريكية تحمل اسم "إيدي كوهين" من جمعية "مساعدة أصدقاء أمريكا" تقف خلف نشر مناشدة ابنتيه، بمساعدة إحدى القريبات. كما أشار إلى مراقبته هاتفي الفتاتين ومعرفته تحركاتهما.

وغلّبت لهجة التهديد والوعيد على مخاطبة الأب  لابنتيه على غرار "أنتن عارفات لما أقول أفعل… فأنا في كل مكان… ستعودون لبيتكم غصب عن العالم كله. عدم رجعتكن لا بشر يستطيع تحمل عواقبها".

وفي بث مباشر، صوّر الأب هروب ابنتيه بأنه "حملة جاهزة ومبيّتة… حملة إعلامية مع ذباب إلكتروني"، محذّراً أهل رفح وغزّة بوجه عام من أن يتعرضوا لنفس الأمر إن لم يساعدوه في إعادة ابنتيه اللتين وصفهما بأنهما "كبش فداء" و"أسرى"، ومشدداً على أن ما يتعرض له "قصة خسرانة بالنسبة إلي".

وقال الأب إن ابنته وسام مريضة وتعالج من "اكتئاب وانفصام في الشخصية"، موضحاً أن سبب خلافه مع ابنتيه رفضه سفرهما في منحة دراسة للخارج. واعترف بأنه كان يحبسهما في الطابق السادس يوم هروبهما، عقب محاولات عديدة لإنكار إساءة معاملتهما إذ قال إنه طوال حياته لم يضرب أياً منهما "أكثر من كفين".

"لو رجعت بنتي وانقتلت مش تحكوا عماد أبوها قتلها"... برغم محاولات الأب إنكار إساءة معاملة ابنتيه، فإن حرصه على إظهاره مسدسه، وتهديده بشبكة علاقاته، وإلقاء أداة معدنية على شقيقته خلال بث عبر فيسبوك تُثير القلق #أنقذوا_وسام_وفاطمة

زاد الأب في تهديد ابنتيه بقوله: "أنتو بتعرفو كيف التشبيكة (يقصد علاقاته الكثيرة). أنا شيّكت ع أسماءكو ورتبت الأردن وكذا"، موضحاً أن صديقاً له يعمل ضابطاً في المخابرات الأردنية أبلغه أن ابنته فطّوم حصلت على إذن عدم ممانعة تمهيداً لدخول المملكة الهاشمية خلال الساعات الأخيرة.

وقال صراحةً إنه على علم بمحاولة الفتاتين مغادرة القطاع عبر معبر إيريز (يُعرف أيضاً بمعبر بيت حانون ويقع أقصى شمال غزّة)، مضيفاً "أنا كمان سكّرت (يقصد حاصرت) إيريز يا بابا من كل الاتجاهات، وسكّرت الأردن من كل الاتجاهات". 

وبينما حرص الأب على إبراز مسدسه الشخصي على طاولته طوال البث، قال إنه برغم اقتناعه بأن ابنتيه مغرر بهما لا ينفي خطأهما بالسماح بحدوث ذلك، متوعداً بأن "يربيهما". وأضاف: "لو رجعت بنتي (يقصد وسام التي أصر على تحميلها الخطأ بشكل متكرر) وانقتلت مش تحكوا عماد أبوها قتلها".

وهدد حكومة غزّة قائلاً: "كل اللي عندكو بيعرف إذا أنتو طلعتوا م البلد، الحكومة تتحمل المسؤولية لأن أنتو تحت إيد الحكومة، ونحن بنعرف ما فيه بسّة (قطة) بتقدر تطلع ع إيريز ولا ع أي مكان إلا الحكومة تمنعوا". وزاد في وعيده لأي شخص على علاقة بهروب ابنتيه بالقول: "إذا أنا في القبر ما تآمن لي"، وكررها عدة مرات.

ووصف ابنتيه بأنهما "أسرى" و"ما عتاب عليهما" إزاء ما ورد في الفيديو، مؤكداً "أنا ما بخاف… بناتي هيرجعوا"، كاشفاً عن متابعته خط سيرهما عبر هاتفيهما، وقدرته على الوصول إلى البريد الإلكتروني لفطوم إذ قال إنها وصلتها منحة للدراسة في كندا عبره في نفس اليوم.

خلال البث، ولدى محاولة شقيقته تهدئته ومطالبته بالتوقف عن البكاء (في الدقيقة 18)، قام عماد بإلقاء أداة معدنية - كما يبدو من الصوت الذي أصدرته - صوبها بتهور شديد قائلاً: "بس أختي" لتغادر الغرفة بعدها على ما يبدو.

بالتزامن، وعبر حسابه في فيسبوك، طالب عم الفتاتين، عضو الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين يوسف الطويل، حكومة حماس "التصرّف بمسؤولية" و"الكشف عن الجهات التي تقف وراء اختطاف بنات أخي عماد". بالتزامن مع حملة من العائلة لإبراز "تاريخ نضال" الأب "ابن المخيم" و"أحد المقاومين" الذي طالما "دافع عن رفح" وتعرض للنفي والسجن جراء نشاطه هذا، والتأكيد أن الفتاتين "مضللتان".  

وجاءت الكثير من المنشورات والتعليقات متضامنة مع الأب وإظهار أنهم "على الندهة" في أي تحرك يراه مناسباً لإعادة ابنتيه.

"في عالم آخر، أنا فتاة بأصابع باردة وجسدي نجمة… في عالم آخر، أريد ضبط مشاعري على الأكل المستمر وكوب قهوة ثقيل"... منشورات وسام قبل سنوات تحكي الكثير عن معاناتها ومعاناة والدتها #أنقذوا_وسام_وفاطمة

"الدار هاد سجني وأنا السجّان"

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، أظهر معلقون تعاطفاً مع الفتاتين، لافتين إلى أنه "لا يوجد مجتمع مدني في غزة" وإنما أقصى ما يمكنهم فعله هو التضامن الإلكتروني والمطالبة بحمايتهما.

وتداول ناشطون وناشطات شهادة لإحدى صديقات وسام، حرصت على عدم إظهار هويتها، على ما يبدو، خوفاً من نفوذ عماد العاصي وأهله، أبرزت فيها معاناة الفتاتين من الضرب المبرح والحبس المتكرر والتجويع والتعذيب على يد والدهما لسنوات طويلة، علاوة على الاختفاء لفترات مديدة لأسباب غير واضحة.

وذُكر في الشهادة كيف أن وسام تحمّلت مسؤولية الأسرة خلال فترة غياب الأب وسجنه بالخارج، 13 عاماً، وكيف أنه لما عاد حوّل حياة الأسرة إلى "جحيم"، وتوعد بأن "الدار هادي سجني وأنا السجّان".

واستشهد كثيرون بمنشورات وسام قبل أشهر وسنوات من الهروب وهي تعكس المعاناة التي كانت تعيشها. في منشور يعود لأيار/ مايو 2019، كتبت وسام: "في عالم آخر، أنا فتاة بأصابع باردة وجسدي نجمة، تقول صديقتي الوحيدة دوماً ‘الحياة حلوة وجديرة  تنعاش‘. أكتفي بابتسامة تحولني في غمضة عين وتعرجات في جبيني إلى ظل نملة، وبدوري أقول لها الحياة خزان قصائد عالقة في عنق أمي المجروح، ألتفت وأراها تنزف دخاناً رمادياً لأنها أمسكت وهم الأمل بالإنسان الذي يعيد نفسه في كل مرة يقرر الخروج من عزلته وإلقاء أصوات هزيلة في قفزات بطولية".

ألمحت الفتاة أيضاً في منشورها لتعرضها للتجويع إذ قالت: "في عالم آخر، أريد ضبط مشاعري على الأكل المستمر وكوب قهوة ثقيل".

"أمي هذه المرأة ذات الجمال الذي لا ينطفئ، امرأة مظللة تحت قوانين المكان الذي جاءت عليه، معبأة بواجبات لا تنتهي، تحمل آلامنا ليلاً على رفوف جسدها الخفيف".

كانت وسام دائمة الإشارة لوجع والدتها في منشوراتها وخشيتها من محاولة التمرّد على وضع سيىء على ما يبدو. كتبت في نيسان/ أبريل 2019: "أمي هذه المرأة ذات الجمال الذي لا ينطفئ، امرأة مظللة تحت قوانين المكان الذي جاءت عليه، معبأة بواجبات لا تنتهي، تحمل آلامنا ليلاً على رفوف جسدها الخفيف… تقول دائماً إن محاولة تغيير العالم ستكلفنا الكثير".

في غضون ذلك، نبه معلقون إلى أن "نضال الأب في مواجهة الاحتلال، ونضال عائلة الطويل، لا يُبرران جرائم التعنيف والحبس والتجويع والدفع للانتحار التي ارتكبها الأب بحق ابنتيه وسام وفاطمة، ولا يُبرران تستّر العم على ذلك، بل يوجب حمايتهما من ذلك، بقدر ما يستوجب مواجهة الاحتلال الصهيوني".

يُشار إلى أن السلطات الأمنية في غزّة لم تعلق على القضية رسمياً حتى نشر هذه السطور.

قصص النساء جديرة بأن تُروى كلها من دون استثناء. من المهم أن تُوثَّق وأن تُسمَع، لعلها تُحدث فرقاً، ولو كان صغيراً في البداية. شاركينا في أن نكون النسخ التي نسعى إلى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً؟ غيّروا، ولا تتأقلموا!.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard