لماذا يقتل أب ابنته؟... قصص وشهادات من قطاع غزة

السبت 30 مايو 202006:15 م

لا يكاد يمرّ وقت طويل على أهالي قطاع غزة دون سماعهم بحوادث عنف وقتل تتعرض لها النساء بشكلٍ خاص، لدواعي لها علاقة بـ"الشرف" أو بخلافات بسيطة، على يد أفرادٍ من العائلة، وعلى رأسهم الآباء الذين يُفترض بهم أن يكونوا السند والحامي لكل أعضاء الأسرة.

آخر الحوادث التي تفاعل معها رواد مواقع التواصل الاجتماعي والناشطين كانت قصة الشابّة مادلين جرابعة التي قتلها والدها بدمٍ بارد، فقط لأّنّها تجاوزت أمراً له عمره ثماني سنوات، طلب فيه منها عدم التواصل مع والدتها "المطلقة".

بحسب مصادر طبية تحدثت لرصيف22، وصلت جثة الفتاة فجر يوم الجمعة، في 29 أيار/ مايو، إلى مستشفى شهداء الأقصى الواقع في المحافظة الوسطى.

مادلين التي تبلغ من العمر 20 عاماً كانت على جسدها آثار ضرب وتعذيب. ونوّهت المصادر إلى أنّ ناقلي جثتها أفصحوا عن أنّها قُتلت على يد والدها الذي قام بضربها بشكلٍ مبرحٍ على مناطق جسدها العلوية، ما تسبب لها بأكثر من نزيف في رأسها ورقبتها.

وأفادت مصادر أخرى تسكن بالقرب من العائلة بأنّ سبب اعتداء الأب المتزوج بـ"أكثر من سيدة" على ابنته، يعود إلى كونها حاولت الاتصال والالتقاء بوالدتها المطلّقة، وكان يمنعها من التواصل معها، ويفرض عليها قيوداً شديدة تمنعها من التحرك خارج المنزل، وخلال الذهاب إلى المدرسة، ويمنعها أيضاً من امتلاك هاتف محمول، ومن استعمال منصات التواصل الاجتماعي.

وأشارت إلى أن الاعتداء بدأ عند منتصف ليلة الجمعة تقريباً. في تلك الليلة، راقب الأب البنت، وكانت قد استعارت هاتفاً للحديث مع والدتها، وحين بدأت بذلك، تهجم عليها وضربها بعنف، وتدخّل جميع أفراد أسرته وأبنائه من زوجاته الأخريات لإبعاده عنها، لكنّهم لم يفلحوا في ذلك، وانتهى الأمر بمفارقتها الحياة، لتبقى غصةً في قلب أمها التي نقلت مصادر أنّها دخلت في حالة غياب عن الوعي منذ سماعها بالخبر.

آباءٌ جناة

لا تقف حوادث العنف الأسري التي يرتكبها الآباء بحق بناتهم وتنتج عنها جرائم قتل وأضرار جسدية عند قضية الشابّة مادلين. فعلى مدار السنوات القليلة الماضية، سجلت المؤسسات النسوية والمراكز الحقوقية العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، المئات من حالات التي وقعت فيها الإناث ضحايا لذكورية المجتمع.

وتعاملت المديريات التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية خلال عام 2019 فقط، مع نحو 380 شكوى وصلتها من نساء تعرضن لعنف وضرب داخل الأسرة، كما سجل الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية 20 حالة قتل "معظمها أسرية" بحق نساء فلسطينيات خلال العام الماضي.

ومن الحوادث الشبيهة التي قُتلت فيها فتيات على يد آبائهن في غزة، كانت حالة الشابّة إيمان النمنم (31 عاماً)، التي قتلها والدها في أيلول/ سبتمبر الماضي، ودفنها في حفرةٍ داخل منزله الذي يقع في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع وأخفى الأمر لحوالي ثلاثة شهور.

وكان الأب يبرر سبب غيابها بأنّها ترافق والدتها في رحلة علاجية للأردن، ووقت اكتشاف الجريمة، في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، ذكرت الشرطة الفلسطينية في بيانها أنّ الدافع وراء القتل مجهول، لكنّ مصادر عائلية قالت إنّ السبب يعود إلى قضية لها علاقة بـ"الشرف".

وفي أيلول/ سبتمبر 2018، قُتلت السيدة رائدة الأخرس التي تبلغ من العمر 42 عاماً، شنقاً بالحبال على يد والدها (70 عاماً) في مدينة خانيونس، جنوب القطاع، بداعي الشرف، كما نقلت وسائل الإعلام.

وآنذاك أعلنت مسؤولة الاتحاد العام للمرأة في غزة، آمال حمد، أنّ الجريمة مؤشر خطير على ازدياد حالات العنف ضد النساء الفلسطينيات، ودعت إلى إيقاع أقصى العقوبات على المجرم، وتعديل قانون العقوبات الفلسطيني ليضمن حقوق النساء.

مادلين التي تبلغ من العمر 20 عاماً وصلت إلى أحد مستشفيات غزة جثة هامدة عليها آثار ضرب وتعذيب. اعتدى عليها والدها المتزوج بـ"أكثر من سيدة" لأنها اتصلت بوالدتها المطلّقة، وكان يمنعها من ذلك

وعام 2017، أقدم أب على قتل ابنته البالغة من العمر 24 عاماً، داخل منزل زوجها، في حي "الشابورة" الواقع في محافظة رفح، جنوب القطاع، وفي حينها أفاد الناطق باسم الشرطة الفلسطينية، أيمن البطنيجي بأنّ الضحية قُتلت بطلقٍ ناري خرج من سلاح الأب.

وأشارت مصادر صحافية إلى أنّ الابنة "كفاح" قُتلت لأنّها عادت إلى بيت زوجها الذي كانت قد تركته بسبب خلافات عائلية بسيطة، دون أن تخبر الوالد، ما أثار غضبه فتوجه إلى بيت الزوج، وبمجرد أن شاهد الفتاة، أطلق النار على صدرها، فتوفيت على الفور.

السلطة الأبوية سبب

تقول الباحثة والناشطة النسوية هبة الدنف أنّ جذور العنف الأسري ضد النساء عميقة في التاريخ وتمتد جغرافياً لتتخطى حدود فلسطين إلى الوطن العربي والعالم، فالإحصاءات تشير إلى أن كل امرأة من بين ثلاث نساء تتعرض للعنف، ومعظم هذا العنف يقع داخل الأسرة.

وتبيّن أن هناك أشكالاً متنوعة للعنف، جسدي ونفسي ومادي، وما يطفو على السطح هو العنف الجسدي، ولا يُحكى كثيراً عنه إلا في حال موت فتاة.

وتضيف لرصيف22 أنّ ثقافة المجتمع الفلسطيني، والسلطة الأبوية التي تسيطر على ثقافة معظم الرجال فيه، تُعطي للذكور سلطة تجاه الإناث، وتمنحهم مساحة كبيرة لممارسة العنف دون وجود رادع قانوني جاد، منبهةً إلى أن القانون الفلسطيني الذي زاد عجزه عن حماية النساء بسبب الانقسام الداخلي، لا يستطيع معالجة قضايا العنف والقتل الموجهة ضدّهن، بالصورة الصحيحة والعادلة.

وتذكر الدنف أنّ هناك حالات متنوعة للعنف الأسري، تشمل انتهاك الحقوق وسرقة المقدرات، والتي تمهد بمجملها لحالات عنف جسدي أكبر، قد تصل حد القتل لا سيما من الآباء الذين يعتبرون أنفسهم بمثابة الجهة العليا الحاكمة في المنزل، والتي تملك التصرف بكل ما فيه، حسب هواها.

وتوضح أن المؤسسات النسوية في القطاع، تشعر بخيبة أمل كبيرة، مع كل حالة عنف أسري تُسجّل.

بدأ الاعتداء على مادلين عند منتصف ليلة الجمعة تقريباً. في تلك الليلة، راقبها والدها، وحين بدأت بالحديث مع والدتها المطلّقة، والممنوعة من الحديث معها، تهجم عليها وضربها بعنف، وبعد ساعات وصلت جثتها إلى مستشفى شهداء الأقصى في غزة وعليها آثار تعذيب

وتشير دراسات إلى أنّ الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، والتي يمتد عمرها إلى عمر الحصار الإسرائيلي المستمر منذ عام 2005، تؤثر بشكل كبير على زيادة العنف ضد النساء بأشكاله المختلفة، إذ أن ضيق الحال والفقر والبطالة تؤدي كما إلى تشوهات مجتمعية خطيرة، وليس العنف إلا نمطاً من أنماط ذلك التشوه.

ليس القتل فقط

تعرّضت الشابّة رغد، من المنطقة الشرقية في مدينة غزة، قبل عامين، لتعنيف شديد من والدها، لأنّها طلبت الطلاق من زوجها أكثر من مرة، بحسب ما نقلته إحدى زميلاتها السابقات في الجامعة لرصيف22.

وروت أنّها كانت تتعرض للإهانة في بيت زوجها، وأنّها لم تستطع التأقلم في العيش معه، لأنّها في الأصل أجبرت على الزواج به، وبعد عام من الارتباط، طلبت الطلاق منه، وذهبت إلى بيت أسرتها.

وحين علم الوالد بذلك، تهجم عليها بعصا خشبية ثقيلة، وتسبب لها بكسر في قدمها، مكثت على إثره شهرين في الفراش، ولم يُحاسَب الأب، لأنّ الواقعة قُيدت في المستشفى على أنّها حادث منزلي، وبعد تعافيها، أجبرها الأب على العودة إلى منزل الزوج.

وفي حكاية عنف أخرى، ضُربت السيدة تهاني (34 عاماً)، وتقطن شرق مدينة غزة، بقطعة حديد سميكة على رأسها من قِبل أخيها الذي حظي بتشجيع من والدها على فعلته، والسبب هو أنّها كما يدّعيان تعصي كلام زوجها، ولا تهتم بأطفالها.

وأشارت السيدة في حكايتها التي نقلتها لرصيف22 إحدى سيدات المنطقة، إلى أنّ آثار الجرح الذي صار عمره تسعة أشهر تقريباً لا زالت في رأسها حتى الآن، لأنّ طوله زاد وقت الإصابة عن خمسة سنتيمترات. وعلى نفس شاكلة حادثة الشابّة رغد، سُجلت واقعة تهاني على أنّها إصابة خلال العمل المنزلي.

وفي بلدة بيت لاهياـ شمال القطاع، نَقلت إحدى العاملات في جمعية ريفية أنّ طالبة جامعية جاءت لتتدرب لديهم لفترة أخبرتها أنّها تعاني يومياً، كلما همّت بالانطلاق نحو جامعتها في وسط مدينة غزة، وكثيراً ما تعرضت للعنف في الصباح الباكر قبل الخروج، من قِبل والدها وأمها، اللذين يرددان دائماً كلاماً يتهمانها فيه بأنّها تخرج لأجل ما يصفونه بـ"الكلام الفارغ".

ونوّهت إلى أنّهما يحرمانها من شراء مساحيق التجميل ووضعه على وجهها، وأحياناً يضربانها إذا ما انتبها إلى أنّها تضع القليل منه.

النساء الضحايا الأبرز

التأكيد على أنّ ظاهرة العنف العائلي في الشارع غزّي، كجزء من المنطقة العربية، مُركّزة بشكلٍ خاص تجاه الفتيات، لا يحتاج إلى الكثير من الإثباتات. جولة واحدة على مراجع المراكز البحثية والمؤسسات التي تُعنى بالتنمية المجتمعية والنسوية، وما تسجّله من أرقام ووقائع، تكفي لتبيّن الفجوة في الحالات والأرقام.

يروي أبو رمزي، وهو رجل يقطن في بلدة بيت حانون، شمال القطاع، لرصيف22، أنّه كان شاهداً على تعرّض شابّة جامعية للعنف بعدما اكتشف أخاها الذي يكبرها بنحو أربع سنوات أنّها تتحدث إلى زميلها في الجامعة هاتفياً بكلام حبّ وإعجاب.

وآنذاك تعاملت العائلة بصرامة شديدة مع الواقعة، وعُنّفت الشابّة إلى حد إسالة الدم من جسدها، ونعتوها بصفات سيئة، وصادروا هاتفها، ثمّ منعوها من الخروج من المنزل وحرموها من الدراسة الجامعية لمدّة عام كامل، مرّت أيامه عليها ثقيلة جداً، ففيه كانت تتعرض للتوبيخ والإهانة.

تشير الدنف إلى أنّ الاعتبار الذي يتم التعامل به في تلك الحالات هو ما يعرف بـ"الشرف"، والذي تحصره عائلات المجتمعات العربية في الفتاة، فترى كل فعل ينجم عنها، بمثابة العار، بينما لا تنظر إلى أفعال الذكور بنفس المقياس ولا تعاملهم بذات الكيل، مضيفة: "الواقع سيئ جداً ولا زالت الأغلبية لا تحترم حقوق النساء وحرياتهنّ".

التكاتف المجتمعي حاجة

ترى الباحثة والمحامية فاطمة عاشور أنّ غياب القانون ليس السبب الأهم ولا الوحيد وراء قتل النساء، فالصورة الذهنية عنهنّ لدى الرجال، والتي تترسخ عبر التنشئة التمييزية للأطفال، والتي تربط المرأة بصورة دونية، تُحجم دورها في العملية الجنسية والإنجاب هي سبب في مهم في العنف والقتل أيضاً.

وتشرح لرصيف22 أنّ تسجيل حالات متكررة من قبل الآباء تجاه الفتيات أمر خطير جداً يجب النظر إليه بحزم كبير، لأنّ عواقبه وخيمة على الأسرة والمجتمع، فالأب مفترض به أن يكون الحامي والسند، والمدافع عن أهله وعائلته.

وتوضح أن للنساء قدر وقيمة عالية ووجود ثابت، يجب أن يعترف به الجميع، لنتمكن من تجاوز كوارث القتل والعنف التي نسجلها بشكل شبه يومي.

وتشرح أن قضايا النساء هي قضايا كل المجتمع، والاهتمام فيها يجب أن يكون جماعياً وبلا حدود وتشترك فيه المؤسسات الإعلامية والقانونية والمجتمعية، حتى نتمكن من تحقيق شيء ملموس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard