شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
عن النسوية والسجن في كتابات لطيفة الزيات

عن النسوية والسجن في كتابات لطيفة الزيات

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والنساء نحن وحرية التعبير

الثلاثاء 30 أغسطس 202211:53 ص

في ملف خاص لأخبار الأدب، ضم مجموعة من المقالات واللقاءات مع الكاتبة المصرية لطيفة الزيات بعد فوزها بجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1996، سألها أحد المحاورين هل ندمت على أنها لم تكتب أكثر. أجابته بأنها تفخر بكونها كل ما هي عليه، الأستاذة بكلية الآداب، الكاتبة، المناضلة، الشقيقة، والصديقة. وأنّ كل ما فعلته في مسيرتها جعلها الإنسان التي هي عليه الآن، وأنها لا تندم على أنها لم تتفرغ تماماً للكتابة. ولكن، هل هذا كان شعور الزيات دائماً؟

لطيفة الزيات، هي أدبية وناقدة مصرية نسوية، ولدت عام 1923. ومن أشهر أعمالها الأدبية رواية "الباب المفتوح". ترأست قسم الأدب الإنجليزي في كلية الآداب في جامعة القاهرة، ودرست وأثرت في مجموعة من أدباء الستينيات والسبعينيات، على رأسهم الروائية المصرية رضوى عاشور. تم اعتقال الزيات مرتين لأسباب سياسية. مرة في عهد الملك فاروق بعد انضمامها للحركة النسوية والطلابية، ومشاركتها في مظاهرة الطلاب المعروفة بمظاهرة كوبري عباس في فبراير/شباط 1946، والمرة الثانية قبيل عقد اتفاقية كامب ديفيد في عهد السادات.

أجابته بأنها تفخر بكونها كل ما هي عليه، الأستاذة بكلية الآداب، الكاتبة، المناضلة، الشقيقة، والصديقة. وأنّ كل ما فعلته في مسيرتها جعلها الإنسان التي هي عليه الآن، وأنها لا تندم على أنها لم تتفرغ تماماً للكتابة. ولكن، هل هذا كان شعور الزيات دائماً؟

قضايا النسوية

تبدو أن رواية الزيات الأولى والأكثر شهرة "الباب المفتوح"، رواية عن النسوية وعن وضع المرأة المصرية في بداية الخمسينيات. وبين القهر المجتمعي وما يمارس على بطلة الرواية ليلى من أبيها ومجتمعها بدعوى أن المرأة فضيحة يجب التخلص منها بتزويجها لنقل ملكيتها من الأب إلى الزوج. ورغم رسم الشخصيات والمواقف على هذا السبيل، لاتزال الرواية رومنسية بحسب البعض، وربما يرجع ذلك للفيلم الشهير المقتبس عنها من بطولة فاتن حمامة وصالح سليم، ومثلت شخصيته فتى الأحلام لدى كثير من الفتيات. إلا أن شخصية حسين كانت شخصية فتى الأحلام للطيفة الزيات نفسها، واقتبستها من شعور راودها وهي محض طفلة في منزلهم في المنصورة، تجاه الشاعر الشاب محمد عطية الهمشري"، وهي فكرة التوحد مع المحبوب.الفكرة التي انتقدتها هي شخصياً في معظم كتاباتها لاحقاً، وعلى لسان حسين قائلاً: "لا أريد أن تفني كيانك في كياني".

"الباب المفتوح" ليست الرواية الوحيدة التي ناقشت فيها الزيات النسوية ووضع المرأة المصرية في مجتمعها وفي العلاقات التي تدخل بها.

"الباب المفتوح" ليست الرواية الوحيدة التي ناقشت فيها الزيات النسوية ووضع المرأة المصرية في مجتمعها وفي العلاقات التي تدخل بها.

 في روايتها القصيرة "صاحب البيت" - كما تصفها رضوى عاشور، في رواية "عن وهم المطلقات" - البطلة تعيش وهم المطلقات الذي ما يلبث أن يتحطم. شخصية صاحب البيت تمثل كل شخصية ذكورية قابلتها في حياتها، وتصفها بلغتها المميزة في لقاءات شتى بين بطلة الرواية وبين أنه يمثل كل ما كرهته ومقتته في حياتها، وأنه مثل محاولة تربيتها منذ صغرها على أن تكون مسخاً بلا شخصية وبلا هوية.

لكن صاحب البيت ليس الشخصية الذكورية الوحيدة التي تقابلها سامية بطلة الرواية خلال رحلتها، فـ"رفيق" صديق الزوج ما هو إلا محض شخصية ذكورية ترتدي رداء التفتح والبطولة والفدائية. في الطريقة التي يعامل بها سامية، وتهميشه لها وعدم اطلاعها على تفاصيل مهمة، تمثل نظرة الكثير من المثقفين إلى المرأة، أي أنها عالة حتى على الحركات التحريرية أو التقدمية. حتى الزوج نفسه، المعارض المستنير، يتراخى في الوقوف بجانب زوجته حتى عندما تتعرض للضرب من صديقه!

حالات السجن 

اعتقال الزيات مرتين سياسياً كان له تأثير واضح عليها، وهو ما أفردت له كثيراً من الوصف والشرح في مذكراتها "حملة تفتيش، أوراق شخصية". كما خصصت مجموعتها القصصية "الرجل الذي عرف تهمته" عن السجن، تحديداً عن فترة سجن السادات.

اعتقال الزيات مرتين سياسياً كان له تأثير واضح عليها، وهو ما أفردت له كثيراً من الوصف والشرح في مذكراتها "حملة تفتيش، أوراق شخصية". كما خصصت مجموعتها القصصية "الرجل الذي عرف تهمته" عن السجن، تحديداً عن فترة سجن السادات

هوس الاعتقال الذي ظهر وسيطر على آخر سنوات عهد السادات، تزامناً مع توقيعه اتفاقية كامب ديفيد، ظهر جلياً في قصتها "الرجل الذي عرف تهمته"، التي تدور أحداثها حول اعتقال مواطن عادي ليس له أي اهتمام سياسي. أما قصتها "الهشيم"، فقد خصصتها كرؤية فلسفية عن فلسفة الاعتقال، فكانت قصة مميزة عن كل الأعمال التي كتبت عن الاعتقال في عهد السادات فبدت قصة سريالية.

في المجموعة القصصية الأخيرة التي كتبتها ونشرتها الزيات وهي "الشيخوخة وقصص أخرى" تنوعت بين محاور عديدة، النضوب الأدبي الذي مرت به لطيفة، وخصوصاً بعد نشرها لرواية ناجحة جداً تخبطت بعدها في كتابة أخرى على حد وصفها في قصص الشيخوخة. وبين أزمات شخصية مرت بها بعد وفاة أخيها وانفصالها مرتين عن زوجين. فزوجها الثاني كان يصر على قوله "أنا صنعتك". شخصية المثقف الذكوري الذي يبدو للجميع زوجاً مثالياً، شخصية أعادت كتابتها كثيراً الزيات في أعمالها. فبين أستاذ الجامعة الذي تخطب له ليلى في الباب المفتوح، وبين رفيق صديق الزوج في صاحب البيت، والزوج في قصة على ضوء الشموع. 

لطيفة الزيات، رغم ما نعمت به من قدر احترام بين أدباء الستينيات ونشطاء الحركة النسوية في الأربعينيات، ومنزلتها في الجامعة والتدريس، وحظها الأوفر كفتاة تربت على يد أخ منفتح بعد أن فقدت أباها وهي صغيرة، إلا أنها في النهاية امرأة مصرية، مورس عليها القهر المجتمعي، والسياسي، وأيضاً الزوجي. فلم تكن سعيدة الحظ في الحب، ولطالما أرقتها فكرة الحب، أهو الفناء والتوحد المطلق مع المحبوب، أم الاستقلال النفسي والكياني عنه. بعد أن أخبرها زوجها الثاني أنه "صنعها"، ولم تفهم الزيات أي شخصية صنعها، فقد كانت الكلمة في ذلك الوقت محطمة، تقول: "انطوى من عمري عمر قدره ثلاثة عشر عاماً بوهم التوحد مع المحبوب لفترة، وبمسعاي المجنون لاستعادة التوحد الموهوم لفترة، وبإصابتي بالشلل المعنوي والعجز عن الفعل في الفترة الأخيرة." 

رغم ما نعمت به من قدر احترام بين أدباء الستينيات ونشطاء الحركة النسوية في الأربعينيات، ومنزلتها في الجامعة والتدريس، وحظها الأوفر كفتاة تربت على يد أخ منفتح بعد أن فقدت أباها وهي صغيرة، إلا أنها في النهاية امرأة مصرية، مورس عليها القهر المجتمعي

عندما سألتها إحدى المذيعات عن رواية "الباب المفتوح"، ولماذا كتبتها في هذا الوقت تحديداً، قالت لطيفة إنها أرادت أن تكتب مبادئها قبل أن تنساها. النسوية والنضال الوطني جزء لا يتجزأ من أعمال لطيفة الزيات. بداية من دور المرأة في المجتمع، ودورها في الحركات التقدمية، أو حتى دورها في حمل عبء الأسرة بعد ارتفاع أسعار المعيشة، أو خذلانها في قصص حب وزيجات مختلفة كلها أوجه للنسوية شغلت كتابات الزيات. لا تبدو النسوية في أعمالها بشكلها المعتاد عليه في الأعمال الأدبية، إلا أنها موجودة دائماً. كل حبكاتها قائمة على المرأة والذكورية الهشة. نساء من مختلف الطبقات يمارس ضدهن قمع ما وإن كانت قصة حب فاشلة انتهت في سنوات الجامعة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard