هل وظفت السعودية كتّابها لمحاربة النسوية؟

الاثنين 18 نوفمبر 201906:15 م
Read in English:

Feminism, Saudi Arabia’s State Enemy

في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر، صنّفت الإدارة العامة لمكافحة التطرف برئاسة أمن الدولة السعودية "النسوية" تحت ما أسمته "التطرّف"، إلى جانب الإلحاد والمثلية الجنسية والإباحية والعبودية والإرهاب والانحلال الأخلاقي واليأس من الإصلاح والمَساس بالهوية الوطنية والتكفير والتفسيق والتبديع، وتطول القائمة.

وفي 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، أشارت صحيفة الوطن السعودية إلى وجود "عقوبات مغلظة للنسويات تصل إلى السجن والجلد".

وعقب انتقادات دُولية، واعتبار منظمات حقوقية مثل العفو الدولية أن الفيديو "يكشف التعصب الخطير للمملكة"، و"يتناقض مع الصورة الإصلاحية المزيفة التي يواصل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التباهي بها دولياً"، نقلت وكالة الأنباء السعودية (واس) يوم 12 تشرين الثاني/ نوفمبر، عن رئاسة أمن الدولة، قولها إن "القائمين على المحتوى المذكور لم يوفقوا في إعداد ذلك الفيديو نظراً للأخطاء العديدة التي أوردها في تعريف التطرف".

وأشارت رئاسة أمن الدولة إلى أن "مَن قام بالفيديو ونشره تصرف بشكلٍ فردي"، متوعدةً باتخاذ الإجراءات اللازمة. ونفت ما جاء في الخبر الذي نشرته صحيفة الوطن، واصفةً إياه بـ"المكذوب".

كانت الحكاية ستنتهي هنا، وتُطوى صفحتها، قبل أن تظهر حملة إعلامية من غير المعروف إن كانت ممنهجة، أم لا، لمحاربة مفهوم النسوية في السعودية، برغم تراجع رئاسة أمن الدولة عن موقفها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن براءة هذه الحملة وأهدافها.

"ظاهرها بلسمي وباطنها أليم"

"هي أكثر ما يدمّر المرأة... عدو المرأة الصالحة العفيفة إنْ جاز التعبير"، بهذه الكلمات وصف الكاتب السعودي علي الزامل "النسوية" في مقال له في صحيفة المرصد السعودية يوم 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، لافتاً إلى أن "ظاهرها بلسمي وباطنها أليم". 

وأشار إلى أن معظم النساء يتبنّين مفهوم النسوية "المغلوط" من دون وعي، ويتقمصن دور "المرأة المستضعفة"، معتبراً أنهن "لا يزلن يرددن شماعة الذكورية التي عفا عليها الزمن". 

وأضاف: "ماذا لديكم أيضاً... ستقولون 'التحرش'. نقول حتى بعض النسوة يتحرشن بالرجل إذ لم يعد التحرش حكراً على جنس دون غيره".

وخلص الزامل إلى أن ما تشكو منه النسويات، يتعرّض له الرجال أيضاً، واصفاً مَن يدعم الحركة النسوية بـ"أعداء المجتمع".

"النسوية أحط ما وصل إليه العقل البشري"

في مقال آخر أكثر هجومية ربما، قال الكاتب السعودي عبد الله المزهر عبر صحيفة مكة السعودية يوم 13 تشرين الثاني/ نوفمبر إن "المشكلة ليست في النسوية - أو النسوي - التي تفهم وتعي ماذا يعني الانتماء لهذه الحركة وتقوم بواجباتها الإفسادية المتطرفة بقناعة ووضوح. لا مشكلة لدي في أن ينحط الإنسان بقناعاته إلى الدرك الأسفل من الوضاعة فهذا شأنه."، بل إن المشكلته هي في "الضبابية في تسويق مصطلح النسوية والتخفي في عباءة حقوق المرأة".

واعتبر أنه لو حُذفت الحسابات المؤيدة لـ"الشذوذ والانحلال والإلحاد والدعارة"، على حد تعبيره، لما بقي هناك نسويات على تويتر، مشدداً على أنه "لا تُوجد نسوية إسلامية"، مُشبهاً إياهاً بـ"الحنبلية البوذية". 

وفي إشارة منه إلى أن مطالب النسويات والنسويين هي مطالب جنسية، قال: "المطالبة بالحقوق التي تتمحور قضيتها في الجزء الأسفل من الإنسان هي مطالبات حيوانية لا علاقة لها بالمرأة ولا بالرجل ولا بالإنسان عموماً"، منهياً مقالته بأن "النسوية أحط ما وصل إليه العقل البشري".

كاتب سعودي: "المطالبة بالحقوق التي تتمحور قضيتها في الجزء الأسفل من الإنسان هي مطالبات حيوانية لا علاقة لها بالمرأة ولا بالرجل ولا بالإنسان عموماً"... هل وظّفت السعودية كُتّابها لمُحاربة النسوية؟
السعودية سارة اليحيى: "النسويات يُشكلنّ خطراً على حُرّاس الدين في السعودية"... هل وظّفت السعودية كُتّابها لمحاربة النسوية بعد الجدل الذي أثاره فيديو رئاسة أمن الدولة؟

نسوية متطرفة ولا أخلاقية

وفي عداد من كتب عن النسوية، بعد تراجع رئاسة أمن الدولة عمّا نشرته، الكاتبة حليمة مظفر في صحيفة المدينة السعودية يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، معتبرةً أن هناك نسوية متطرفة ونسوية لا أخلاقية "تضرب بالأخلاق وقيم الدين ومثل المجتمعات عرض الحائط".

ولفتت إلى أن هناك مَن "يتطرف في النسوية بتفكير شاذ يخرجها من سياقها الطبيعي"، وهو ما يثير تساؤلات عدة: من يُحدد ما هو "شاذ" وما هو "مقبول"؟ ولماذا تتجزأ المطالب المتعلقة بحقوق المرأة؟

المرأة السعودية مستهدفة

في سياق متصّل، قالت الدكتورة نورة عبد الله الهديب في صحيفة اليوم السعودية في 17 تشرين الثاني/ ومثل المجتمعات عرض الحائط إن مصطلح "نسوية" دخيل على المجتمع السعودي، وإن "من واجب التعليم أخذ الحيطة والحذر من هذه المدخلات المبهمة".

وأشارت إلى أن السعودية عانت ولا تزال تعاني من "حروب فكرية، ومصطلحات دخيلة" تقيم فجوات بين أفراد المجتمع لـ"تدسّ السم في العسل"، مؤكدة أن "المرأة السعودية كانت وما زالت مستهدفة"، ولذلك عليها تجاهل "المهزلات التي أشغلت البعض"، على حد تعبيرها.

بلطجيات الحقوق

"ورد تصريح من حساب أمن الدولة أن ناشر الفيديو أخطأ، وأنا أراه خطأ حميداً لأنه كشف لنا التالي: المتلونون الذين ناصروها ثم انقلبوا عليها، كراهية الغالبية الساحقة من المجتمع لأخلاقيات متبني النسوية، أخلاق النسويات بعد إعلان خطأ الفيديو وهجومهم على الناس بالشتم والقذف والوعيد". 

هذا ما غرّدت به الكاتبة والعضو في مجلس الشورى السعودي كوثر الأربش، التي تعدّ من أكبر المنتقدات للحركة النسوية في السعودية. وأشارت إلى أنه برغم عدم تصنيف الدولة النسوية تطرفاً، فإن "المجتمع يرفضها وينكرها". 

وكانت الأربش قد قالت في حوار تلفزيوني: "النسويات بلطجيات الحقوق".

والنسوية هي حركة مُطالبة بحقوق المرأة، سعياً في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة اجتماعياً، وسياسياً، واقتصادياً. تضاعف الهجوم على الحركة في السعودية عقب اعتقال قائداتها منذ أيار/ مايو  2018، من بينهن لجين الهذلول وإيمان النفجان ونوف عبد العزيز لتهديدهن "أمن البلاد"، وتحريض أفراد المجتمع، وذلك لمطالبتهنّ بقيادة المرأة في السعودية وإنهاء نظام ولاية الرجل.

لماذا تخاف الدولة من النسويات؟

في حوارٍ مع رصيف22، قالت النسوية السعودية سارة اليحيى، مؤسِسة حملة "الشريط الأبيض"، الداعمة لفتيات دار الرعاية، إن مفهوم النسوية في السعودية لا يختلف كثيراً عن مفهومها في العالم وهي بشكل مختصر: دعم تمكين المرأة من حقوقها التي سُلبت منها واستقلالها في المجتمع، إلى جانب القضاء على التقاليد البالية التي تتحكم في مصيرها.

وأشارت اليحيى إلى أن الدولة تحارب النسوية بطرق غير مباشرة من بينها احتجاز نسويات دون تهم واضحة. وعن سبب خوف الدولة منهنّ، قالت إن النسويات "يُشكلنّ خطراً على حرّاس الدين في السعودية الذين استلموا ملف المرأة منذ أواخر السبعينيات وقمعوها تحت حكم العادات والتقاليد". 

وتابعت: "لاستخدام هذه العادات ضدها، تم تغليفها بغطاء شرعي بفتاوى ومحاضرات دينية متطرفة عن طريق دعاة وداعيات مهمتهم اختصار الدين بالحجاب واللحية". 

ولفتت إلى أن النسوية السعودية تطالب بأن تكون المرأة "مواطنة كاملة الأهلية وتابعة لقوانين الدولة وليس لولي أمرها وقبيلتها". 

وعدا حديثها عن عدم تعيين المرأة السعودية وزيرة أو قاضية أو أميرة لإحدى المناطق السعودية، قالت: "إلى الآن لم تنل المرأة حقها في الخروج من السجن بعد انتهاء محكوميتها. لا تعطى المرأة السعودية ‏حق تزويج نفسها بعد بلوغ السن القانوني، ويُشترط منها الحصول على موافقة من ولي الأمر. لم تنل المرأة حقها في منصب في هيئة كبار العلماء".

وتابعت: "من غير المعقول أن نرى رجلاً بمنصب ديني يتحدث عن المسائل الدينية للمرأة كأحكام الحيض". 

ووجهت رسالة للنسويات القابعات خلف القضبان قائلةً: "ممتنة لنضالكنّ في سبيل حق المرأة وتمكينها في وطنها. أخترتنّ النضال داخل السعودية رغم معرفتكنّ المسبقة بالمخاطر التي ستواجهنها، فيما اختارت أخريات النضال خارج الوطن من أجل حق المرأة، حتى لا ينتهي بهنّ الأمر في السجون دون تهمة".

وأشارت سارة التي تقيم خارج المملكة إلى أنه "تم تهديدها بنفس مصير لجين الهذلول، من قبل محقق النيابة العامة في منطقة القصيم السعودية". 

ولجين الهذلول ناشطة سعودية مُعتقلة منذ أيار/ مايو 2018 لمطالبتها بحق المرأة في القيادة في السعودية. وكشفت تقارير لمنظمات حقوقية تفاصيل تعرّضها في حبسها الانفرادي للضرب، والصعق بالصدمات الكهربائية والإيهام بالغرق والجلد على الفخذين والعناق والتقبيل القسريين، كما أنها هُددت بالاغتصاب والقتل بحضور المستشار السابق في الديوان الملكي سعود القحطاني، اليد اليمنى لبن سلمان، وهو ما أكّده شقيقها وليد وشقيقتها علياء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard