شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
محمولة على الأكتاف تهتف بالحرية... لطيفة الزيّات والسجون والأبواب

محمولة على الأكتاف تهتف بالحرية... لطيفة الزيّات والسجون والأبواب

ثقافة نحن والنساء

الأحد 7 أغسطس 202212:29 م

"ينفتح الباب، فتخرج ليلى من سجن الذات، وتشارك في المواجهة الشعبية ضد العدوان الثلاثي على مدينة بورسعيد، لتجد حريتها التي عاشت في صراعات نفسية ومجتمعية من أجلها، متألقة وسط الجموع"؛ بهذا المشهد تُنهي الكاتبة والمناضلة السياسية لطيفة الزيات روايتها الفارقة "الباب المفتوح" (1960). وبعد ثلاث أعوام من صدور الرواية، يصبح هذا المشهد، أحد المشاهد الأيقونية والآسرة في تاريخ السينما المصرية، حيث تحولت الرواية إلى فيلم شهير يحمل نفس الاسم، للمخرج هنري بركات، بطولة فاتن حمامة وصالح سليم ومحمود مرسي.


وبهذا المشهد أيضاً، بالأحرى، بهذا الانتقال من الذاتي إلى العام، تحققت وتجلت حرية لطيفة الزيات حتى أنها، كما ذكرت في سيرتها الذاتية، وجدت حريتها مكتملة في آخر الطريق، وعليها فقط أن تمد يدها لتحتضنها، وكانت آنذاك امرأة على مشارف الستين، جالسة في عربة الشرطة في منتصف ليل الثامن من أيلول/سبتمبر عام 1981، بجوار مجموعة من الجنود والضباط، الذين يأخذونها ليودعنها "سجن القناطر"، بجوار الكثيرات اللائي تم إلقاء القبض عليهن، ضمن حملة واسعة، أطلقها الرئيس السادات، ليحمي معاهدة كامب ديفيد مع الإسرائيلين من أصوات المثقفين والسياسيين التي انطلقت، رافضة للصلح والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

قبل سجن القناطر التي اعتبرته تتويجاً لها، في مفارقة عجيبة مع فكرة السجن، خاضت لطيفة الزيات التي تحلّ ذكرى ميلادها الـ99 يوم 8 آب/أغسطس الجاري، معاركَ ضارية في عز النهار، وفي ظلمة الليل؛ جلست بجوار الصيادين، وهم يُخرجون جثث رفاقها من مياه النيل الهادرة، ويلفونها بالعلم الأخضر، بعد أن قامت الشرطة بمحاصرة المتظاهرين، وفتح كوبري عباس في عام 1946، وهو تاريخ مهم في سجل الحركة الطلابية والوطنية المصرية، وهو كذلك لدى لطيفة الزيات، الفتاة الجامعية التي خرجت من جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، محمولة على الأكتاف، تهتف بالحرية والاستقلال.

في الستين من عمرها كانت جالسة في عربة الشرطة بجوار الكثيرات اللائي تم إلقاء القبض عليهن، بأمر من السادات، ليحمي معاهدة كامب ديفيد مع الإسرائيلين من أصوات المثقفين... لطيفة الزيات 

تقول في أوراقها الشخصية: "بحر من الشباب يتناغم على كوبري عباس، هديره يخلخل أوتاد استعمار قديم واستعمار جديد يتربص، وأنظمة عميلة. رجال بوليس يتبعون المظاهرة بهراواتهم الثقيلة". وعلى شط النيل جلست الشابة الجامحة "التي وجدت الملاذ في الكلّ تستر العري، عريها، عريهم، عرينا، تجلس ليلاً وصبحاً وضحى حتى ينتهي الغواصون من مهمة انتشال الجثث، تلف بعلم مصر الأخضر جثة بعد جثة، تتسابق يداها وأيدي الآخرين، الكثير من الأيدي والجثث ترتفع كالأعلام عالية على أيدي العاشقين".

هذا الفعل الثوري العارم، ومشهد الجثث مُلقاة على شط النيل، يُحيل لطيفة الزيات أثناء كتابتها لسيرتها الذاتية، إلى مشهد بعيد ومغاير عن صورة الفتاة المناضلة المحمولة على الأكتاف على كوبري عباس، ففي شارع العباسي بمدينة المنصورة، التي انتقلت إليها الأسرة من مدينة النشأة دمياط، بسبب ظروف عمل أبيها، كانت لطيفة طفلة في الحادية عشرة من عمرها، تطل من شرفة بيتها على الشارع، فتنتفض بالشعور بالعجز، بالأسى بالقهر، ورصاص البوليس يُردي أربعة عشر قتيلاً من بين المتظاهرين:

"كنت أصرخ بعجزي عن الفعل، بعجزي عن النزول إلى الشارع لإيقاف الرصاص ينطلق من البنادق السوداء، أُسقط الطفلة عني، والصبية تبلغ قبل أوان البلوغ مثخنة بمعرفة تتعدى حدود البيت لتشمل الوطن في كليته ومصيري المستقبلي يتحدد في التو واللحظة وأنا أدخل الالتزام الوطني من أقسى وأعنف أبوابه. وقد اندلعت هذه المظاهرات في يوم من أيام عام 1934، بسبب رفض إسماعيل باشا صدقي (رئيس الوزراء آنذاك)، السماح لمصطفى النحاس، زعيم حزب الوفد والأغلبية، بالقيام بزيارة للأقاليم تتضمن زيارة للمنصورة".

مُبكراً، دخلت لطيفة الزيات في معترك الحركة الوطنية المصرية؛ كانت تلميذة في السنة النهائية من المرحلة الثانوية حين حاصرت قوات الإنكليز قصر عابدين، وأملت على الملك وزارة وفدية. وبعد شهور معدودة التحقت لطيفة بالجامعة، وكان نجم الوفد في أفول، فشاركت في الحركة الوطنية بانتمائها إلى إحدى المنظمات الشيوعية (منظمة إسكرا)، وحين وصلت الفرقة الرابعة من دراستها الجامعية في عام 1946، كانت قد أصبحت قائدة طلابية وانتخبت في سكرتارية اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال التي شاركت في تنظيم المظاهرات الطلابية في 9 شباط/فبراير ومظاهرات 21 شباط/فبراير الأوسع نطاقاً.

وبعد ذلك بثلاث سنوات وعلى إثر إنضمامها للمنظمة الشيوعية، ونشاطها السياسي السري، اعتُقلت لطيفة الزيات في آذار/مارس من عام 1949 هي وزوجها أحمد شكري سالم، وهو أول شيوعي يُحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات، فيما أودعت لطيفة سجنَ الحضرة بالإسكندرية وخرجت منه بعد عدة أشهر، مثقلة بالجراح وفي نفس الوقت مزهوة بنشوة الانتصار، وظل هذا السجن يُمثل ذكرى لا تُنسى في حياتها المشتعلة بالأحداث، حيث كانت شابة في السادسة والعشرين من عمرها، في أوج نشاطها وعنفوانها، تشعر بأنها فعلت شيئاً مناوئاً، للواقع المعادي للحرية، والقاهر والمذل للإنسان.

كان سجن الذات بالنسبة للطيفة الزيات، أبشع أنواع السجون

من بين كل هذه المشاهد البطولية للطيفة الزيات، تقف صديقتها الكاتبة والروائية رضوى عاشور أمام مشهد الطفلة الواقفة في شرفة بيتها المطل على شارع العباسي بالمنصورة، وتشعر بالخزي لأنها عاجزة عن المشاركة، حيث رأت رضوى أن هذا المشهد كان المحرك للطريق الذي اختارته لطيفة بكامل إرادتها، كتبت صاحبة الطنطورية في كتابها "لكل المقهورين أجنحة":"من شباك طفولتها كانت الصبية قد تطلعت، فلما تطلعت رأت وانتبهت إلى أن عالم الذات، والأسرة الصغيرة المنكفئة على نفسها، والمجتمع المستقر بشروط أمره الواقع، والمستقبل المرسوم سلفاً بنفس الشروط ليست سوى جزء من عالم مغلق وخانق. أقول تطلعت فانتبهت فاختارت أن تخرج منه وأن تخرج عليه".

وفي قراءتها لتجربة لطيفة الزيات الأدبية، تقول رضوى عاشور إن رواية "الباب المفتوح"، علامة فارقة في كتابة المرأة العربية، لا لتماسك بنائها وحيوية شخصياتها فحسب، بل لأن الكاتبة أخرجت المرأة من الهامش الاجتماعي الذي زُجت فيه في الحياة والكتابة معاً، ودفعت بها وبحكايتها إلى مركز الحدث التاريخي.

وبعد "الباب المفتوح" كتبت لطيفة الزيات "الشيخوخة وقصص أخرى"، "حملة تفتيش"، أوراق شخصية"، "صاحب البيت"، "بيع وشرا" (مسرحية)، و"الرجل الذي عرف تهمته". وترى رضوى عاشور أن ازدواج المسعى إلى الحرية هي الفكرة الأساسية التي تتمحور حولها كل نصوص لطيفة الزيات حيث "الجهاد الأصغر يدور ضد قوى القهر السياسية والاجتماعية، أما الجهاد الأكبر فيدور حول صراع الإنسان مع ذاته ليتحرر من قوى الموت فيه ويتحمل مسئولياته".

وبشكل عام، يُمكننا القول إن إبداع لطيفة الزيات ينطلق من الذاتي إلى العام، وكان ذلك متسقاً ومعبراً عن اللحظة التاريخية التي نشأت فيها الكاتبة وهنا يقول الكاتب الصحافي والناقد الثقافي سيد محمود لنا: "لا يمكن قراءة التجربة الإبداعية للطيفة الزيات بمعزل عن السياق التاريخي والزمني الذي عاشت في ظله، وهو سياق كانت القضايا الاجتماعية والسياسية في العمق منه، ولطيفة كانت جزءاً من حركة مقاومة عارمة ضد الاحتلال والاستبداد، ومن ثم كان إبداعها يتراوح بين المسارين (الخاص والعام)".

ويرى سيد محمود أن قوة الزيات الإبداعية كانت تكمن في قدرتها على بناء قالب فني، لتطرح بداخله قضية اجتماعية، مشيراً إلى أن القضية النسوية لم تكن مطروحة بقوة في تلك الفترة، بل كانت هناك القضية الاجتماعية، وهذا ما تغير تدريجياً بعد حرب التحرير، بداية من منتصف السبعينيات، حيث ظهرت أصوات تنادي بضرورة الانتباه لتحسين وضع المرأة.

ترى رضوى عاشور أن ازدواج المسعى إلى الحرية هي الفكرة الأساسية التي تتمحور حولها كلُّ نصوص لطيفة

ويتابع: "عندما تراجعت القضايا الاجتماعية والسياسية، بدأ جيل الأربعينيات التي تنتمي إليه لطيفة الزيات في الانسحاب، وبات يُنظر إلى هذا الجيل وعلى رأسهم لطيفة الزيات كأيقونات نضالية. وعندما تراجعت هذه القضايا المشار إليها، اختفى الكاتب الطليعي، وتقلصت الكتابات التي تتمحور حول القضية، لأنه لم يعد هناك قضية. وبدأت موجة الكتابات الذاتية. وقد استشعرت لطيفة الزيات هذا التغيير، ونتيجة لذلك أظهرت نصوصاً مختلفة نوعياً عن كتاباتها الأولى. إن قوة لطيفة الزيات تكمن في إدراكها لقيمة الاختلاف، ومن ثم كانت كثيراً ما تُراجع ذاتها، على النقيض من الكاتبة والمناضلة نوال السعداوي، التي كان خطابها استقطابياً، ينفر منه الكثيرون بسبب عنفه وحدته".

ينطوي مفهوم الحرية لدى لطيفة الزيات على تعقيد ما، وقد بدا ذلك واضحاً في إعلائها من قيمة السجن، واعتباره تتويجاً لها، ودليلاً على حريتها؛ ففي فترة زواجها الثاني من الكاتب والمثقف اليميني "رشاد رشدي"، كانت دائماً ما – بحسب ما ورد في سيرتها الذاتية – تُعلن حنينها الجارف إلى الفترة التي قضتها في سجن الحضرة بالإسكندرية، وعندما أودعت في السجن في عام 1981، رأت حريتها مكتملة في آخر الطريق.

هذا التعقيد تُفككه رضوى عاشور حيث تقول إن السجن ذا الدلالة المعروفة، تُكسبه لطيفة الزيات، معنى مضافاً، حيث يتحول إلى علامة نقيضة تُشير إلى تحرر الذات عبر مواصلة السعي إلى الحرية والوفاء بمتطلباتها "السجن المادي المحدد جغرافياً، يؤكد سقوط السجن الأعتى داخل الذات فتتحرر من نكوصها وإحجامها وتتواصل مع غيرها من البشر في فعل المواجهة".

ينطوي مفهوم الحرية لدى لطيفة الزيات على تعقيد ما، وقد بدا ذلك واضحاً في إعلائها من قيمة السجن، واعتباره تتويجاً لها

كان سجن الذات بالنسبة للطيفة الزيات، أبشع أنواع السجون، ولذا عندما استشعرت بالخطر الذي يُهاجم ذاتها، أثناء زيجتها الثانية من الكاتب اليميني رشاد رشدي، أصرت على الانفصال، رغم أنها كانت في أوج نجاحها، لكنه من وجهة نظرها كان نجاحاً مصمتاً وباهتاً، كاد أن يُصيب ذاتها بالعفن لأنها مقموعة لا تخرج إلى الناس، فالحظة التحرر بالنسبة للطيفة الزيات تتجلى في لحظة خروج الذات إلى العالم، والالتحام بالناس، وإن لم يحدث ذلك –من وجهة نظرها- ستتحول الذات إلى شر كامن في الصدر، تقول في أوراقها الشخصية:

"ما من جريمة أفدح من جريمة وأد الذات. في زيجتي الثانية، كنت منكفئة على كتاب ما دائماً. حققت نجاحاً على مستوى العمل. لكن في الداخل وهو الأهم، كانت ذاتي ضائعة. أضعت كياني في كيان هذا الرجل الذي قال لي بصفاقة: لقد صنعتك. وذات يوم رأيتُ يديّ ملوثتين بدمي. تلك كانت دماء ذاتي المذبوحة. لكن نواتي الصلبة التي أنطلق منها كانت مازالت موجودة. مختبئه في مكان ما، لكنها كانت بخير. وعندما توصلت إلى هذه النقطة. قلتُ علي أن أستعيد ذاتي. علي أن أنطلق من جديد".

برحيلها في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1996، عانقت لطيفة الزيات المطلق؛ ذلك المطلق الذي كانت تتحرق شوقاً إليه، الذي عرفته على سطح بيتهم بمدينة المنصورة، حين كانت تجلس بالساعات مربعة الساقين معقودة الذراعين كتمثال بوذا، تتأمل شاعراً وسيماً في العشرين من عمره. أما الشاعر فهو محمد عبد المعطي الهمشري، الذي توفي في أوج شبابه. تقول إنها لم تكن تتأمل رجلاً جميلاً ولا حتى إنساناً جميلاً، بل كانت تتأمل الجمال في إطلاقه والكمال في إطلاقه، حيث كانت تسعى دائماً إلى المطلق، بالرغم من إدراكها أنه قرين الموت. ترك موت الشاعر آثاراً عميقةً في وجدان الكاتبة وكانت تعتبره سرَّها المستحيل وحلمها المستحيل الذي تحقق ذات يوم في غرفة السطح تحت خميلة الياسمين.

قصص النساء جديرة بأن تُروى كلها من دون استثناء. من المهم أن تُوثَّق وأن تُسمَع، لعلها تُحدث فرقاً، ولو كان صغيراً في البداية. شاركينا في أن نكون النسخ التي نسعى إلى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً؟ غيّروا، ولا تتأقلموا!.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard