تذكرة قطار لـ "زهر الهوا"

السبت 27 أغسطس 202210:23 م

يندرج المقال في ملف "تحت العريشة" من إعداد وتحرير زينة قنواتي

أصعد القطار الألماني السريع (ICE) المتجه مباشرة من العاصمة أمستردام الهولندية إلى مدينة بازل السويسرية، حاضنة نبتتي الغالية على قلبي (زهر الهوا). 

عبرنا المدن الهولندية بهدوء، أعداد المسافرين الصاعدين والهابطين إلى القطار قليلة، وزهر الهوا تنفرد براحتها قربي.

نبتة (زهر الهوا) التي حملتها الكاتبة ليندا بلال في رحلة القطار

 وما إن دخلنا الحدود الألمانية حتى ازدحمت العربات وامتلأت المقاعد، واضطررت إلى حضن زهر الهوا ثانية. أهمس في أذنها، كهدهدة أم لطفلتها الصغيرة:

"لم يبق إلا القليل... شمس فرنسا أفضل لك". 

تهتز مع تبدل سرعات القطار وتوقفه وحركته في كل محطة.

الركاب ينظرون إليّ بعيون مستغربة محملة بالأسئلة.

آخر تلك العيون لسيدة فرنسية تقارب الستين بملامح برجوازية وشعر فضي لامع. سألتني بكلمات رقيقة عن اسم النبتة التي احتضنها، ولماذا أهتم بها إلى هذا الحد؟

أهمس في أذن زهر الهوا، كهدهدة أم لطفلتها الصغيرة: "لم يبق إلا القليل... شمس فرنسا أفضل لك"

لماذا زهر الهوا؟ 

كبرت في بيت جدي الكبير ككل بيوت الأجداد. لا أخاف من شيء كخوفي من زريعة جدي وجدتي. فهذه (أذن الفيل)، وتلك (دعسة القطة)، وثالثة هي (الضرائر)، ورابعة هي (المحكمة)، أما (زهر الهوا) فتحتل زاوية الحديقة، ناشرة أوراقها الإبرية الدقيقة كشعر لعبتي الشائك. 

قبيل شروق الشمس، يجاور جداي زريعتهما، يشربان القهوة، ويتحدثان في شؤونهما:

"الريحان بدأ موسمه، السجادة أوراقها لا تكبر بشكل كافٍ". لا يثنيهما شيء عن الحديث المباشر مع الورد.

 "أنت تعبانة؟ ألم يعجبك المكان هنا؟"

 يسأل جدي شتلات الورد الجوري الحديثة.

"حاولت كثيراً البحث عن فلّة جديدة في تركيا لكنها دون رائحة. كيف يحيا الإنسان عمراً دون رائحة؟". تقول ردينة التي شهدت نباتاتها رحلة لجوئها

 يلتفت إلى جدتي ليتابع معها نقاش الورد الصباحي، ناقلاً الإجابة: "لا تعجبها حدة الشمس في هذا المكان. هلا ننقلها إلى تلك الزاوية يا سهام؟".

تهز سهام، جدتي، رأسها بابتسامة دافئة وتساعد في نقل الشتلات بعناية إلى حيث أرادا.

لغة سرية

"الزريعة كالأطفال تتكلم على طريقتها. تصفر أوراقها قليلاً لتؤكد أن المكان لا يناسبها. لا تكبر كالعادة لتشير إلى قلة الغذاء في تربتها. تزهر بنضارة وتألق رداً على تحسن ظروفها". يقول نائل الفرخ لرصيف22، وهو يفسر بعضاً من شيفرات الحوار بينه وبين زريعته التي تحتل مساحة واسعة من صالة بيته في فرنسا.

مع مرور الوقت أصابه هوس العناية بالنباتات عموماً، تعرّف على تطبيقات الهاتف الذكي التي تساعد في معرفة نوع وأصل الزرع.

 كلما دخل بيتاً جديداً، وبعد التحية لأهله، يباشر حواره مع الورود فيه:

 "ما اسم هذه الزريعة؟ هل تحتاج إلى الشمس أم الظل؟ أتزهر؟ من أي بلد هي؟".

نبتة (قلب عبد الوهاب) في منزل الكاتبة ليندا بلال

يطرح نائل أسئلته وعندما تعجز معرفة المضيف عن الإجابة، يخرج هاتفه النقال لالتقاط صورة ودراسة النبتة ومصدرها ناقلاً تلك المعرفة إلى صاحب البيت.

تصادف أننا، نائل وأنا، نسكن نفس المدينة الفرنسية قرب الحدود السويسرية، لذا بتنا نقضي أوقاتاً طويلة في تجذير النباتات والورود وتبادلها.

 أعطيته من نبتة (البوتس) التي نعرفها في حلب بـ (قلب عبد الوهاب)، بعد أن اعتذرتُ منها لساعات.

 فهي سبقتني إلى فرنسا محمولة في صندوق كرتوني يضمها وأغصانها الطويلة. بعض تلك الأغصان تكسرت، فجذرتها لتصير قلوباً جديدة من نفس الأم التي بلغت سنواتها السبع.

"ورثتُ الاهتمام بالورود من أبي الذي كان يملك مزرعة في ريف دمشق. الزريعة اليوم تمثل شيئاً من وطن، هي ليست مجرد أزهار أهوى زراعتها، إنما صارت جزءاً من هويتي لا هوايتي". 

 انتشر أبناء (قلب عبد الوهاب) في بيوت الأصدقاء هنا في فرنسا، وفي هولندا وألمانيا وسويسرا. كما نشر نائل أبناء (ياسمين الليل) التي نعرفها باسم (الكلونيا) في بيوت رفاقه، وللمفارقة فقد ماتت في بيته.

يشرح نائل: "ورثتُ الاهتمام بالورود من أبي الذي كان يملك مزرعة كبيرة في ريف دمشق، حيث ولدت وكبرت. الزريعة اليوم تمثل شيئاً من وطن، هي ليست مجرد أزهار أهوى زراعتها، إنما صارت جزءاً من هويتي لا هوايتي".

يتابع نائل حديثه، شارحاً سر العلاقة الغريبة مع الورود وخاصة تلك التي نعرفها ومثلت جزءاً من ذاكرتنا في سوريا.

وأفكر بأنني ربما لهذا أتعلق بـ "زهر الهوا".

انتحار جماعي

صيف عام 1986، استيقظت وعائلتي على انتحار جماعي لورود حديقة البيت الكبير.

يومها مات جدي على درج مدرسة المعري التي يعمل فيها كموجه تربوي في مدينته حلب، فرحلت معه زهوره وزريعته، التي كان يمضي ساعات يتحدث معها.

يشكو لها هم أسرته، يسر بضيق حاله للجوري الأحمر، يترك سِني اللبني الأول بأمانة شجرة الرمان الضخمة لتعطيني سناً جديداً، يفاخر بطول (ورق الصالون) بين أقربائه.

عشق زريعته فغادرت معه، وانتشرت أسطورة جدي ونباتاته المنتحرة بين أفراد العائلة وفي الحي.

أعادت سهام، جدتي، إحياء الحديقة ثانية، مستعينة بشمس حلب وطريقة جدي بالحديث إلى الورود.

 عام 1986، استيقظت على انتحار جماعي لورود حديقة البيت الكبير. يومها مات جدي على درج مدرسة المعري التي يعمل فيها كموجه تربوي في حلب، فرحلت معه زهوره وزريعته

شكت لـ زهر الهوا" موت حبيبها، جدي، شعرتُ يومها بأن زهر الهوا أمسكت ذراعيها وشدت من أزرها.

 لا أعرف سر العلاقة بين الموت والحب، فبعد موت جدتي تصالحت وزهر الهوا، التي أتعبتني في هولندا حيث الرطوبة العالية.

تتظاهر أمامي بالموت، فأبدأ قبل شرب قهوتي الصباحية بإنعاش قلبها، أقرأ عن طرق إعادة الحياة لأوراقها، ولكن دون فائدة. أضعها جانباً فتعيش فجـأة كأنها تعاندني لتثبت أن حياتها نهر من ذاكرة لا تموت.

"أتتوقعين لها حياة مديدة في فرنسا؟"

تسألني السيدة الفرنسية في القطار وهي تشير إلى زهر الهوا.

"أتتوقعين لها حياة مديدة في فرنسا؟"تسألني السيدة الفرنسية في القطار وهي تشير إلى زهر الهوا.

تعيدني كلماتها من حلب، فأتلعثم بالإجابة: "لعلها تبقى معي عمراً كاملاً". 

يأخذنا الحديث إلى تفاصيل مختلفة ويعود في كل مرة إلى الزريعة التي باتت وطناً بديلاً. 

عندما ضاقت الدنيا بما رحبت في بلاد اللجوء، همس في أذني صديق قريب: "إن أردت الانتماء لمكانك الجديد اجمعي زهورك فيه".

 لملمت ما استطعت وما اتسع المكان له، وبدأت كجدي أخبر ورودي بهموم الحياة، وأسايرها في يومياتي.

شمعة مهاجرة

خريف عام 2015، هربت ردينة، الموظفة المتقاعدة، إلى تركيا حاملة معها بعض متاع وما بقي من نباتات ورثتها عن أمها. شهدت نبتتا الفلة والشمعة على رحلة لجوئها، أمضتا معها ساعات تحت الشمس على الحدود السورية - التركية. قاومت الزهرتان الغربة بعد ترك شرفتهما المتخمة بكل أنواع الزهور، وشدتا من أزر ردينة التي ورثت شغف رعاية النباتات عن أمها.

تتظاهر أمامي بالموت، فأبدأ  بإنعاش قلبها، أقرأ عن طرق إعادة الحياة لأوراقها، ولكن دون فائدة. 

تروي ردينة لرصيف22 تفاصيل وداعها لأمها التي أهدتها شتلة الشمعة: "منذ اللحظة الأولى شعرت بمسؤولية الحفاظ على ابنتي الجديدة في أرض لا أعرف فيها أحداً".

 

نبتة (الشمعة) في منزل الكاتبة ليندا بلال

تحلت ردينة بالصبر وهي التي أمضت أيامها، بعد التقاعد، تشرب قهوتها كل صباح مع نباتاتها المتربعة في شرفتها التي تركتها وراءها ورحلت.

تتابع ردينة: "هناك في حلب شهدت الفلة ولادتي لأبنائي الثلاثة، كانت حاضرة معي في الحلوة والمرة، عرفت أسراري وأمنياتي، فكيف أتركها؟". تسأل ردينة التي تشير إلى نبتة الشمعة، وتتابع مختنقة بذكرى أمها: "عملت جاهدة كي يزهر إرثي من أمي، نقلتها في أرجاء البيت باحثة عن ضوء يناسبها. أذكر عيون زهر الشمعة ورائحتها التي كانت تصل باب بيت أمي. سبع سنوات مرت على حياتي وشمعتي في تركيا، وأنا أبحث كل صباح عن زهرتها ليعبق بيتي برائحة أمي من جديد. ما إن وصلت تركيا حتى أزهرت الفلّة زهرتين لامعتين ثم احترقتا فجأة. خسرت الفلّة ولم يبق إلا الشمعة جرداء بأوراقها الخضراء السميكة. حاولت كثيراً البحث عن فلّة جديدة في تركيا لكنها دون رائحة. كيف يحيا الإنسان عمراً دون رائحة؟".

هل نعيش هنا حتى نهاية العُمر؟

أكتشفُ وزهر الهوا بيتنا الجديد في بلاد الغال، فرنسا. أسألها: "ما رأيكِ بزاوية الغرفة الباردة بعيداً عن الشمس الحارقة؟".

أتامل معها جبال الڤوج (Vosges) التي نطل عليها.

 نعتاد معاً مكاننا بود وترقب.

نبدأ حياتنا الجديدة وكل منا تهمس للأخرى بعد رحلتنا الطويلة :"سوف نعيش هنا حتى نهاية العمر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard