شبّاك حبيبي...

السبت 27 أغسطس 202210:24 م

يندرج المقال في ملف "تحت العريشة" من إعداد وتحرير زينة قنواتي

"أول شيء يجب علي فعله هو العودة إلى مقاسي الصحيح ، والشيء الثاني هو إيجاد طريقي إلى تلك الحديقة الجميلة".أليس (أليس في بلاد العجائب)

بدأ الزهر يتفتح في بيتي منذ ثلاثة أعوام فقط، عندما انتقلت إلى بيت اخترته بسبب نافذته.

فبرغم منطقته التي تتوسط المدينة وضجيجها، إلا أن له نافذة تطل على غابة سحرية، يمكن لمن ينظر إليها أكثر من دقيقة أن يسترسل بتصوراته عن عالم آخر لا وجود له، يشبه بواقعيته السحرية عوالم القصص.

"الخيال هو السلاح الوحيد في الحرب ضد الواقع". القط شيشاير (أليس في بلاد العجائب).

نافذتي في فصل الصيف

في غابتي الصغيرة شجرة جوز حانية فوق حديقتين، تعيش فيها السناجب السوداء، والطيور الملونة.

فيها جذع مقطوع لشجرة كرز، والأهم من هذا كله أن لها بعداً عميقاً لا يمكن تفسيره، فبرغم صغر حجمها، تعطي الناظر إحساساً بأنه ابن الغابة، وفي هذه الحالة كنت أنا ابنة هذه الغابة التي صغر حجمها فظنت أن حديقتها الصغيرة غابة هائلة، قررتُ أن أنتمي إليها عندما أطللت من نافذة هذا البيت لأول مرة.

تتبدل ألوان النافذة بحسب ألوان الحديقة، في الشتاء تلبس بياضها وفي الصيف تخضر وفي الخريف تحمر، وفي الربيع تحمل أزهارها.

فتحت لي هذه النافذة أفقاً من التفكُر، وحملت لي أيضاً ذاكرة جديدة. فأتذكر أمامها أبي الذي قطف الجوز الأخضر من الشجرة الكبيرة ونشره على حافتها، وعندما قررتُ أيضاً أن أملأها بالورود. ورود جورية بلا رائحة تُذكر، لكن هذا لم يكن مهماً، فالرائحة مطبوعة في ذاكرتي، أشمها وإن لم تكن موجودة.


الورد الجوري والجوز الأخضر على نافذتي

"إنه نوع رديء من الذاكرة يعمل فقط في الاتجاه المعاكس". ملكة القلوب (أليس في بلاد العجائب).

أتذكر أيضاً صديقتي وهي حامل في أواخر شهرها التاسع، وقد قررت أن تزرع في حديقتي الأزهار والبندورة والنعنع. لم ينمو منها شيء في ذلك الوقت، كنا أكثر اهتماماً بشرب الماء تحت أشعة الشمس العمودية فوقنا في ذلك اليوم، وبتحضير القرفة والزنجبيل الساخنين لصديقتي كي نعجّل من ولادتها.

زرعت برتقالتي الصغيرة على نافذتي، وكانت كل زهرة منها تعبق برائحة طفولتي، برائحة جدتي، وشوارع الشام ورحلات المدرسة، وزهر المراهقة الأولى، وأزهار القبور أيضاً.

واتخذت من طقس زراعة الورد عادة لأعياد الميلاد، ففي عيد ميلادي كل سنة أزرع وردة صغيرة على سور الحديقة. أراقبها من نافذتي التي أطلقت عليها اسماً مقتبساً من أغنية ملحم بركات "شباك حبيبي".

فلتكن إذاً نافذة للحب.

يقول نجيب محفوظ : "هذا هو الحُب. هو كل ما لنا. فيه الكفاية وفوق الكفاية. هو في القرب السرور. وفي البعد العزاء، وفي الحياة حياة فوق الحياة.."

وأنا لم أكُن أريد أكثر من الحُب الذي منحني إياه "شباك حبيبي"، ونوافذ الحياة الصغيرة التي تتفتح عند شرفته.

في تشيكيا، حيث أعيش، يتم حرق معظم الأموات ما لم يطلبوا غير ذلك، لكننا نحن القادمون من بلاد الشمس، غالباً ما نُدفن تحت التراب بعد موتنا، فللتراب الذي يخضر مع إطلالة الربيع طعم الحياة.

غيرت أكثر من عشرين منزلاً في حياتي، ولم تورق يداي إلا عند هذه النافذة، في هذا البيت الوحيد الذي اخترته وحدي، في مدينة قررت أن تصير سكني وسَكينتي، وفوق تربة تشبهني.

فكرتُ يوماً، لو أنني أملك هذه الغابة لطلبت أن يتم دفني فيها.

"ولكن لم يمت أحد هنا. ولاينتسب الإنسان إلى أرض لا موتى له تحت ترابها". غابرييل غارسيا ماركيز (مئة عام من العزلة).

في تشيكيا، حيث أعيش، يتم حرق معظم الأموات ما لم يطلبوا غير ذلك، لكننا نحن القادمون من بلاد الشمس، غالباً ما نُدفن تحت التراب بعد موتنا، فللتراب الذي يخضّر مع إطلالة الربيع طعم الحياة.

أمارس هوايتي في إنبات الزهور والحشائش الصغيرة، وأنتظر ولاداتها الجديدة، وعندما تموت أدفنها في التراب، لتعود بحياة مختلفة وبأرواح أخرى.

زرعت هذا العام بستاناً صغيراً من البندورة الكرزية، يقوم أبي الذي يزورني في أشهر الصيف بالاعتناء بها كبناته. يسقيها، ويعمر لها الأعواد كي تستند.

نافذتي في فصل الشتاء

لا تموت الأرض إذاً، بل تستمر في الولادة غير آبهة بذاك الحدث الجلل الذي يسمى: الموت.

وأعتقد أن هذا هو ما يدفعنا في منافينا الحديثة للعودة إلى جذور الأرض وجذورنا العميقة، رغبة منا بمساومة الموت على حياة متجددة، وعلى تربة ستتفتح بعد أن نرحل.

"هل تعرف ما هي المشكلة في هذا العالم؟ الكل يريد حلاً سحرياً لمشكلتهم والجميع يرفض الإيمان بالسحر". الرجل المجنون (أليس في بلاد العجائب).

خريف تشيكي في منزلي

في فصل الخريف، تتحول الأرصفة والشوارع في مدينة براغ التشيكية إلى أرصفة ذهبية وحمراء وبرتقالية.

يصبح القفز فوق تلال الأوراق المتكسرة التي يجمعها الناس على زوايا الطريق، متعة لم أمنع نفسي من تجربتها.

لاحظت أن الخريف يتلاشى وحده بعد أن تتكسر كل الأوراق المقرمشة في الطريق وتتجمع بين شقوق الأرصفة أكواماً ملونة، لتبدأ بالتسرب مع النسمات الخريفية إلى بيوتنا. فنمتلئ بألوانه، ونستنشق ذراته المطحونة في الهواء، ونبتلعه بانتظار الشتاء البارد الأبيض.

يطول الشتاء في هذه البلاد، لكن غرف الخريف تضيء في دواخلنا بألوانها البرتقالية، لتذكرنا بأن هذا الفصل أيضاً سيسقط. وسنزهر بعده.

"عندما لا تستطيع رؤية النور ، سأجلس معك في الظلام". الرجل المجنون (أليس في بلاد العجائب)

في صيف عام 2020، وهو صيف "الكورونا" - كما نسميه الآن- نسبة للوباء الذي أطاح بأحلامنا وببطاقات الطيران التي حجزناها مسبقاً للقاء أحبتنا، رسمتُ وشماً لزهرة شقائق النعمان على ساقي، وهو الوشم الوحيد الذي أردته دوماً. جعلته ملوناً بالأحمر القاني، تماماً كتلك الوردة الحمراء الطويلة التي كنت أشتريها في دمشق من بائع الزهور. كنت أريد دوماً وردة حمراء طويلة، ولم تكن تعجبني الباقة الكبيرة.

رسمت خلال مراهقتي قصصاً لكل زهرة من شقائق النعمان في الحقول الواسعة، وكانت بالنسبة إلي كلها مصبوغة بدماء من استشهدوا في سورية وفلسطين، ففي معرفتنا المتوارثة وحضاراتنا العميقة، لم نؤمن يوماً بأن الزهر منفصل عن أحاسيسنا، فلطالما كانت الولادة والتفتح والانبثاق مجازاً لنضالاتنا.

ومع الوقت أصبحت تمثل شقائق النعمان بالنسبة إلي أزهار الموت، ولكنها مقترنة بالحياة أيضاً، تلك التي تنبت من جذور أوجاعنا.

يقول محمود درويش في قصيدته "نزَف الحبيب شقائق النعمان":

مع الوقت أصبحت تمثل شقائق النعمان بالنسبة إلي أزهار الموت، ولكنها مقترنة بالحياة أيضاً، الحياة التي تنبت من جذور أوجاعنا.

نَزَفَ الحبيبُ شقائقَ النعمان

وسال الماءُ أَحمرَ

في عروق ربيعنا...

أُولى أغانينا دَمُ الحُبِّ الذي

سفكته آلهةٌ

وآخرُها دَمٌ سَفَكَتْهْ آلهةُ الحديد...

لاحظت أن الكثيرين من الأصدقاء والصديقات قد وشموا أوراقاً، ونباتات وورود على أجسادهم، في رمزية للحياة أو للموت أو الاستمرارية. فأحدهم له عرق زعتر أخضر ينمو من وريده، والأخرى لديها ياسمينة مطبوعة على الكتف. وهنا أتذكر صديقتي، رشا حلوة، التي قطفت ورقة من نبتة الخبيزة التي زرعتها والدتها عند قبر والدها في فلسطين، فأعطتها لصديق قام بتجفيفها ورسمها ومن ثم وشمها على ذراع رشا الأيسر. "بجانب القلب" كما تقول رشا.

قطفت صديقتي، رشا حلوة، ورقة من نبتة الخبيزة التي زرعتها والدتها عند قبر والدها في فلسطين، فأعطتها لصديق قام بتجفيفها ورسمها وثم وشمها على ذراع رشا الأيسر. "بجانب القلب" كما تقول رشا.

عندما أفكر بالموت أتذكر مقولة سمعتها في فيلم من جورجيا يتحدث عن الموت: " لم يَعُد أحد من هناك... لا بد أنه مكان جيد".

فأسلم على كل من رحلوا إلى هناك، وأزرع المزيد من الورود على نافذتي، وأراقب حياتي وكل أجزائها التي تموت فأدفنها في ذاكرتي، لأبدأ حياة جديدة. "البشر لا يولدون دوماً يوم تلدهم أمهاتهم وإنما تجبرهم الحياة على ولادة أنفسهم بأنفسهم ثانية وبمرات عديدة". غابرييل غارسيا ماركيز.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard