مفتونون بالزهور... هوس التوليب في هولندا وذوبان بعطر الورد في دمشق

السبت 27 أغسطس 202210:27 م

يندرج المقال في ملف "تحت العريشة" من إعداد وتحرير زينة قنواتي

تستطيع في هولندا شراء زهرة التوليب الخاصة بك، وإعطاءها الاسم الذي ترغب فيه.

ستصبح عندها  زهرة توليب فريدة لك وحدك. زهرة يتم تهجينها وتطويرها بشكل دوري في مختبرات الشركات المتخصصة.

زبائن زهور التوليب الحصرية هم من الأغنياء بالطبع، ملوك وأمراء وأميرات، رجال أعمال وربما شركات كبرى.

ويحصل بعض الهولنديين على زهرات توليب تحمل أسماءهم بشكل حصري، كنوع من التقدير . مثل زهرة لاعب كرة القدم الهولندي داني بلند، ورائد الفضاء أندريه كويبرس وغيرهما. 

حقول التوليب في هولندا. تصوير الكاتبة "ميس قات"

عندما تحصل على زهرة باسمك، فإنها تُسجل ضمن بروتوكولات رسمية في القائمة الدولية المُصنفة لأسماء زهور التوليب الحصرية.

ستحصل بالتالي على حصرية استخدام بصيلات التوليب الخاصة بك، فلا يحق لأي كان زراعة "توليبتك" من دون إذن منك. حيث يرغب بعض الأغنياء بزراعة بصيلاتهم ضمن حدائقهم الخاصة فقط.

ولكن يمكنك طلب زراعتها والعناية بها من قبل فلاحين هولنديين، يرسلون لك زهورك عندما تتفتح. فيما يستثمر آخرون مجموعتهم الحصرية عبر بيع البصيلات أو الزهرات في الأسواق بالطريقة التي يرونها مناسبة.

تستطيع في هولندا شراء زهرة التوليب الخاصة بك، وإعطاءها الاسم الذي ترغب به.

Tulpenmanie أول فقاعة مالية في العالم 

التوليب ليست زهرة هولندية، يقال إن موطنها الأصلي في شرق آسيا، وإنها وصلت إلى هولندا عبر تركيا. إلا أن الهولنديين تعاملوا مع الزهرة ككائن خاص جداً، لم تكن مجرد زنبقة جميلة يمكن رؤيتها في حديقة منزلية في تركيا أو أمريكا. فعناية البستانيين الهولنديين بهذه الزهرة جعلت ألوانها اكثر ثراء وخصوبة وتركيزاً من تلك الموجودة في أي زهرة أخرى في أوروبا.

سيطرت زهرة التوليب على عقول الهولنديين خلال القرن السادس عشر، وارتبط وجودها في الحدائق المنزلية بمكانة الأشخاص الاجتماعية، وسحرت التجار والمضاربين. فارتفعت أسعار الزهور بشكل جنوني، ووصلت ذروتها عام 1636 في ظاهرة تمت تسميتها "Tulpenmanie" أي "هوس التوليب"،  ووصل سعر بصلة واحدة من أنواع التوليب النادرة إلى ما يقارب سعر منزل في أمستردام. بدأ رجال الأعمال بالمضاربة على أسعار بصيلات التوليب حتى قبل إنتاجها.

ولكن سوق التوليب انهار، مما أدى إلى إفلاس مئات التجار في أول فقاعة مضاربة مالية مسجلة في التاريخ. 

وحتى هذا اليوم غالباً ما يستخدم مصطلح "هوس التوليب" مجازياً للإشارة إلى أي فقاعة اقتصادية كبيرة عندما تنحرف أسعار الأصول  المالية عن القيم الجوهرية.

حقول التوليب في هولندا. تصوير الكاتبة "ميس قات"

يملك الهولنديون اليوم أكبر مزاد للزهور في العالم، أو بورصة الزهور كما يحلو للبعض تسميتها FloraHolland قرب مطار "سخيبول" في أمستردام، حيث يضارب التجار على الزهور قبل قطافها.

في اليوم التالي لذلك، يمكنك مشاهدة أكثر من عشرين مليون زهرة جاهزة للشحن إلى دول مختلفة، لتظهر خلال ساعات في المتاجر الأوروبية والأمريكية.

التوليب ثقافة

ما يزال التوليب رمزاً ثقافياً سحر مئات الرسامين الهولنديين، وتم اعتماده رمزاً للبلاد.

ويمتد موسم التوليب على مدار ثلاثة أشهر من السنة أبريل/نيسان، مايو/ أيار، يونيو/حزيران. وخلال هذه الأشهر تبدو حقول الزهور غرب البلاد ساحرة. 

ارتبط وجود أزهار التوليب في الحدائق المنزلية بمكانة الأشخاص الاجتماعية،  وارتفعت أسعارها بشكل جنوني فوصلت ذروتها عام 1636 في ظاهرة تمت تسميتها "Tulpenmanie" أي "هوس التوليب"

في كل عام يزور هولندا ملايين السياح لخوض رحلة بالسيارة بين مدينتي هارلم ولايدن ومشاهدة زهور التوليب الملونة المزروعة على مد النظر بألوانها المختلفة. يتمشى السياح في الحقول، ويسمح بعض الفلاحين بذلك، فيما ينزعج آخرون ويخافون على زهورهم الغالية من الإتلاف ويغلقون مداخل حقولهم بصناديق خشبية. 

حقول التوليب في هولندا. تصوير الكاتبة "ميس قات"

بمبلغ 100 يورو، تستطيع أن تحجز جولة فوق حقول التوليب لمدة ساعة واحدة بالطائرة العمودية ، كما يمكنك زيارة أكبر معرض للزهور في العالم في منطقة "ليسة". 

ويجب قطف البتلات قبل أن تتفتح إذا أراد الفلاح بيعها كزهور. وفيما لو كان يتاجر ببصيلات التوليب، فيتوجب عليه الانتظار حتى تتفح الزهور ثم حصادها كلها والانتظار عدة أسابيع ريثما تصبح البصيلات جاهزة للاستخراج.

سحر التوليب مئات الرسامين الهولنديين، وتم اعتماده رمزاً للبلاد

 هذه العملية تؤدي لإتلاف ملايين الزهور سنوياً من دون الاستمتاع بها، فهي غير قابلة للبيع بعد تفتحها. وعلى اعتبار أن الهولنديين مشهورون بين الشعوب الأوروبية باستعمال الموارد لأقصى درجة، فقد اخترعوا كرنفال التوليب ليستعملوا الأزهار المتفتحة وغير القابلة للبيع في تزيين عربات كبيرة، وسيارات متعددة، تسير سنوياً ثلاثة أيام في رحلة تبدأ من شاطئ Noordwijk  وتنتهي  في مدينة هارلم. يرتاد هذا المهرجان آلاف السياح من مناطق مختلفة، وخاصة شرق آسيا.

نحن أيضاً مفتونون 

  يتم إتلاف ملايين أزهار التوليب سنوياً من دون الاستمتاع بها، فهي غير قابلة للبيع بعد تفتحها.

أعتقد أننا ربما أكثر افتتاناً بالوردة الجورية الدمشقية من الهولنديين بتوليبهم الملون. لا زلت أغمض عينيّ لأتنفس رائحة الورد كلما صادفت شجيرة ورد في الشوارع الأوروبية، ولكن من دون جدوى.

لا عطور فواحة من الزهور الهولندية، ولا نسيم لعطر الورد القادم من عند جيراني، ولا اختلاط لحاستي الشم والنظر بالطبع. فأشكال الزهور مذهلة ولكنها من دون رائحة، قرأت في مكان ما أن الأمر مرتبط بشكل مباشر بالشمس والجو البارد في هولندا، فوردنا الجوري يعبق برائحة الشمس. 

ورد جوري في شوارع هولندا، تصوير الكاتبة "ميس قات"

نحن أيضا، مفتونون بورودنا الجورية الاستثنائية، أعطيناها اسم "دمشق" فباتت "الوردة الدمشقية" تماماً كما التوليب في هولندا. فالوردة الدمشقية ليست دمشقية الأصل، إنما تم تهجينها من ثلاث ورود مختلفة، الوردة الفرنسية، ووردة المسك ووردة من شرق آسيا. يزرع السوريون الوردة الدمشقية في حدائق منازلهم، أو في المداخل، أو على أبواب بيوتهم. باختصار يزرعونها في كل مكان ممكن.  

أشكال الزهور الهولندية مذهلة ولكنها من دون عطر فواح، ويبدو أن الأمر مرتبط بشكل مباشر بالشمس والجو البارد في هولندا، فوردنا الجوري يعبق برائحة الشمس

يتركون الزهور لتتفتح على "أمهاتها" ويسهرون مع عبقها على ضوء القمر في بداية الصيف، ويقدمون بتلاتها الصغيرة إلى جانب فنجان القهوة الصباحي لأحبابهم. 

الوردة الشامية  

نحن السوريون ننظر إلى ورودنا الجورية الدمشقية.

أعطينا الوردة اسم "دمشق" فباتت "الوردة الدمشقية" رغم أنها ليست دمشقية الأصل، إنما تم تهجينها من ثلاث ورود مختلفة، الوردة الفرنسية، ووردة المسك ووردة من شرق آسيا

نستنشق عطرها، نشربها ساخنة، ونزين بأوراقها أغلى حلوياتنا، ونأكلها أيضاً كأفخر مربى في العالم.

يستخدم أهل الشام أوراق الورد في مشروب صحي ساخن ذي رائحة لطيفة يسمونه "زهورات"، يخلطون الورد الجاف مع زهور أخرى أو يستخدمونه منفرداً منقوعاً بماء ساخن في غالب الأحيان. 

تقوم النساء بجمع الزهور وطبخها لصنع المربى، كما يصنعن منه ماء الورد ذا النكهة الساحرة، والمستعمل في أغلى وصفات الحلويات السورية. 

أشهر قاطفات الورد  في سوريا يعشن في قرية "المراح" بجبال القلمون. بداية كل صيف تنشغل نساء القرية الصغيرة بجمع بتلات الورد الدمشقي بلونه الزهري، ويتم استخدامه لاستخلاص زيت الورد باهظ الثمن.

ورد جوري في هولندا، تصوير الكاتبة "ميس قات"

 يقول صاحب مصنع زيت الورد في القرية في حديث على موقع الجزيرة: "من أجل استخراج كيلوغرام واحد من زيت الورد نحن بحاجة إلى نحو مليوني وردة"، يبلغ سعر الكيلو الواحد من زيت الورد قرابة عشرة آلاف يورو، ويتم استخدامه في صناعات التجميل والعطور وبعض الاستخدامات الصيدلانية والشمع والبخور.

أشهر قاطفات الورد في سوريا يعشن في قرية "المراح" بجبال القلمون. في بداية كل صيف تنشغل نساء القرية الصغيرة بجمع بتلات الورد الدمشقي زهري اللون

أدرجت منظمة اليونسكو الوردة  الجورية الدمشقية وما يتصل بها من ممارسات وطقوس، على قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، في أواخر عام 2019. 

لا نسميها زهرة، فهي على ما يبدو أعلى شأناً من الزهور الأخرى، نسميها "وردة"، وبالإنجليزية Rose، وبالهولندية roos، وبالتركية Gül.

كسوريين كثر، أحمل افتتاني بالورد إلى أوروبا، أزرعه في أصص ضيقة على شرفتي الصغيرة، أراقب البتلات وهي تتفتح كل يوم، وأحاول من جديد أن أغمض عيني لأشم عطر الوردة الدمشقية، ولو كانت موجودة في ذاكرتي فقط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard