"أطفال غزة رؤوا يوم القيامة"... كيف ستعيش طفلة انتشلت من الأنقاض؟

الثلاثاء 29 يونيو 202106:56 م

انتهى العدوان الأخير على غزة، ولا يزال القطاع الصغير المحاصر يكافح للخروج من تبعات تلك الحرب، التي لم تدمر المباني والشوارع وتغير شكل المدينة فحسب، ولكن أيضاً نفسيات الأطفال طالها الكثير من التشويه والاضطراب النفسي، يشاركهم فيها أهاليهم.

سوزي اشكنتنا فقدت النطق بعد استشهاد والدتها وأشقائها الثلاثة جراء تساقط العمارات واحدة تلو الأخرى، بعد هزة أرضية نتجت عن قصف الشوارع بصواريخ صنفتها وسائل إعلامية عربية بصواريخ الدمار الشامل.

مكثت الطفلة تحت الأنقاض ثماني ساعات قبل انتشالها.

فقدت سوزي والدتها وأشقاءها الثلاثة، ولم يبق سوى والدها، وقد مكثت الطفلة تحت الأنقاض ثماني ساعات قبل انتشالها.

وأوضح والد الطفلة "سوزي"، رياض اشكنتنا، أن ابنته فقدت النطق كلياً، فهي "لا تجيب ولا تعي ما نقوله، ولا تتحدث غير بجملة واحدة وهي: وين ماما؟".

ويضيف: "لم يكن الأمر هيِّنا بالنسبة لسوزي، التي لقيت نفسها على كف جرافة انتشلتها من تحت ركام عمارة، مؤلفة من خمسة طوابق، ارتقى فيها أكثر من 10 مواطنين".

"في المستشفى رأت شقيقها الطفل يحيى وهو مهشم الملامح، ومتوفىً، وكذلك والدتها، بينما وضعوا بجانبها على السرير صديقتها في الطفولة، وهي شقيقتها دانا التي كانت تصرخ بشدة ساعة كاملة، حتى توفيت أمام سوزي"، يقول رياض اشكنتنا لرصيف22.

"ابني فقد عقله"

يعمل حازم سليم في قسم الطوارئ بمستشفى غزة الرئيسي "الشفاء"، حيث يقوم بانتشال الشهداء والجرحى من سيارات الإسعاف المسرعة، التي تأتي للمجمع الطبي، ونقلهم للعناية المكثفة أو لثلاجات الموتى مباشرة، فكانت الصدمة بأنه ختم يومه في أحد أيام الحرب بانتشال أطفاله، الذين فوجئ بهم عندما وجدهم بين يديه.

بلال احترق جسده كاملاً، لم يعد يميز نفسه عندما ينظر إلى المرآة، لا ينام سوى ساعة كل يوم، تعيده الشرطة عدة مرات من جلوسه وحيداً أمام المقابر، يتعامل مع والدته كأن ثأراً قديماً بينهما، ويريد الانتقام

يقول لرصيف22: "كنت أستعد لأخذ راحة في الساعة الأخيرة من عملي في الليلة السابعة من الحرب على غزة، نمت على أحد الأسرة في المشفى، وغفوت 20 دقيقة، وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، جاءت سيارة إسعاف وتعالت الصرخات في المكان، فذهبت مباشرة لنقل الجرحى حسب الطرق المخصصة طبياً بكيفية انتشالهم".

ويتابع: "كان هؤلاء الجرحى هم أطفالي الأربعة وهم ملطخون بالدماء، وأحدهم مشوه الملامح من الحروق التي اشتعلت بجسده، ثم علمت من زملائي بأنهم انتشلوهم بعد قصف منزلي بشكل مباشر في منطقة حي الصبرة وسط مدينة غزة".

ويكمل: "48 ساعة مضت على وجودهم بالعناية المكثفة، حتى حان بتر الساق اليُمنى لطفلتي فرح، كانت قوية القلب، شعرت أن هذه الصدمة لم تؤثر عليها بقدر الصدمة التي تعرضت لها أنا ووالدتها. كانت أعصابي تخوض حروباً أخرى، ابني بلال حُرق وجهه وبطنه وفخذه بشكل كامل، وابنتي الكبرى ذات الـ 14 عاماً تعرضت لكسور جراء سقوط الركام عليها".

ويزيد: "انتهت الحرب، وبدأنا حرباً أخرى بإعادة ابني بلال ذي الـ10 سنوات الذي حُرق بشكل شبه كامل لوضعه النفسي، ولكن البقع الداكنة، والجلد المُجَعّد من الحروق يغطي جسده، أستطيع القول إنه فقد عقله، فهو يتعامل معي ومع والدته كأن هنالك ثأراً قديماً بيننا، يُريد الانتقام بأية طريقة".

ويختم سليم: "ماذا يمكننا أن نقول لطفل عمره 10 سنوات يكاد يجهل نفسه عندما يرى شكله تغير في المرآة، فتغيره اتجاه نفسه غيَّره أيضاً اتجاه والديه وأشقائه وغيرهم. لقد تأثرت درجة التنبيه في دماغه، حسب ما أخبرنا أطباء نفسيون أردنيون، فهو لا ينام إلا ساعة واحدة كل 24 ساعة، بل أحياناً لا يعرف المنزل، تقوم الشرطة بإعادته لنا بعدما يجدونه وحيداً في الشوارع العامة أو قرب المقابر، بل أصبح يحتاج لحفاضات يومياً لأنه يقضي حاجته على نفسه، لا أعرف كم سيستمر هذا الأمر".

يوم القيامة

في منطقة الرمال غرب مدينة غزة، جاء أمر بإخلاء مربع كامل بعد قصف الاحتلال للشوارع الإسفلتية المجاورة، جميع الناس هرعوا بعيداً في منتصف الليل الساعة الواحدة، كل منهم يأخذ فراشه وبطانيته، وبعضهم خرجوا بلا أحذية وبلا ملابس، والنساء يغطين رؤوسهن بمناشف الحمام أو البطانيات، إلا منزل السيد محمد البايض، ظل وحيداً يُصارع الأحداث هو وأطفاله، لماذا؟

كيف يهرب وأحد أبنائه (18 عاماً) يعيش على الإنعاش في غرفة مغلقة بزوايا شقته، ومجهزة بأنابيب الأكسجين، لحادث قديم تعرض له، ما جعله يبقى هو وأطفاله وزوجته في المنزل، لم تمر سوى لحظات، وبدأت الارتجاجات الأرضية وأصوات الانفجارات الصاخبة تصرعهم، "وكأنهم رأوا يوم القيامة".

هذا الخوف سبب لابنه الثاني (16 عاماً) مشاكل نفسية غامضة، فهو لم يعد يأكل، وحصل معه سوء تغذية، وفقر دم، وهبط وزنه من 67 كيلوغراماً إلى 38، وأصبح جلده ملاصقاً لعظامه.

"إنه يوم القيامة"، تقول دكتورة الأمراض النفسية، ألفت المعصوابي، مشبهة الوضع المأسوي الذي اختبره الأطفال في غزة، فأطفال في بلاد أخرى تعرضت للقصف العسكري، يشعرون بالخوف أيضاً، لكن البلاد واسعة، وباب الهجرة مفتوح ليشعر الطفل بالأمان فيما بعد، لكن هنا في غزة، هو ينتظر موتاً محتماً، فالطفل إن ذهب لمراكز الإيواء وجدها قد قُصفت، وشاهد أشلاء لأطفال آخرين في المكان.

وتوضح الدكتورة المعصوابي أن الدور السيىء للغالبية العظمى لأولياء الأمور والأهالي في قطاع غزة عامل مسبب في تغيير طباع الطفل، فعندما تقول الأم "الليلة هيقصفونا"، وعندما يقول الأب "والله لنموت كلنا"، وعندما يقوم أحدهما بعرض صورة على الموبايل لطفل قد استشهد أو بُتر أحد أطراف جسده، ويُخيفون الطفل، ويقولون له: "إذا بتطلع برا راح يصير فيك مثل هذا الولد"، فإن جدار الحماية والملجأ الأول للطفل، وهما الوالدان قد انعدم بنظره.

"لماذا هذا التجاهل؟"

الأضرار النفسية التي لحقت بأطفال غزة قد أشعلت الرأي العام في فلسطين بشكل عام، ولهذا قام العديد من الأطباء النفسيين في الشق الآخر من الوطن (محافظات الضفة الغربية) وكذلك معظم فلسطينيي أراضي 1948، بالإعلان عن التطوع لمساندة أبناء شعبهم في غزة، بعقد جلسات نفسية إلكترونية خاصة، والوصول لأكبر قدر منهم، وقام مجموعات أخرى من الأطباء بإطلاق حملات إلكترونية، ووسوم تُطالب الأطباء النفسيين في الوطن العربي بالدخول معهم في هذا المضمار.

وكانت المختصة النفسية أمل التميمي، من مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية المحتلة، من أوائل المتطوعات بهذا العمل، ليسير العديد من الأطباء في الضفة الغربية والمملكة الأردنية وجمهورية مصر العربية بهذه الحملة التطوعية.

وتوضح أمل التميمي لرصيف22: "كثيراً ما نسمع عن إصابات مستوطنين صهاينة بالهلع نتيجة صواريخ غزة، وترى الطواقم الطبية تتعامل معهم كأن المصاب أصبح رجلاً آلياً أو أصابه الشلل من الصدمة".

عندما تقول الأم "الليلة هيقصفونا"، وعندما يقول الأب "والله لنموت كلنا"، وعندما يقوم أحدهما بعرض صورة على الموبايل لطفل قد استشهد أو شُوه فإن جدار الحماية والملجأ الأول للطفل، وهما الوالدان قد انعدم

وتقول: "ولكن في غزة، أمره متروك للسماء، فهي مدينة لا تتوافر فيها أدنى مقومات الصحة النفسية، فلم نسمع خبراً عن إصابة مواطن بغزة بالهلع، فلماذا هذا التجاهل؟ فقررنا كأطباء في الضفة الغربية أن نكون الجيش الطبي والنفسي لغزة، وقمنا بتشكيل غرف ومحاضرات إلكترونية مخصصة لكل حالة من الحالات النفسية، وأطلقنا مواقع لتسجيل المتضررين نفسياً لتسهيل الوصول لهم".

وتختم التميمي: "كان هدفنا الأول هو توعية الأهالي وأولياء الأمور قبل البدء بمعالجة الأطفال، لجهلهم كيفية التعامل مع الأطفال في الحروب، كانوا سبباً بما حل بهم من أعراض نفسية، ولصعوبة التواصل مع الأطفال والأهالي عبر الفضاء الإلكتروني لافتقار غزة لقوة الإنترنت دون الجيلين الثالث والثاني منها، ولانعدام توافر الكهرباء أيضاً بعدما علمنا أن ساعات الوصل فيها ثلاث ساعات مقابل 20 ساعة قطع. ها نحن نحاول التواصل مع مؤسسات وقاعات خاصة وممولة ومزودة بالطاقة الكهربائية البديلة والإنترنت لاستقبال الأطفال فيها كجزء من المساهمات التطوعية".

اختبر العديد من الأطفال في مناطق الحروب بالعالم العربي مشاهد القتل والحرق والدمار، وسيكون لها تأثيرات كبيرة على مستقبلهم، خاصة في قطاع غزة، إذ انعدم وجود مهرب للنجاة والفرار، ولعل أقل التأثيرات السلبية هو الإحساس بالخوف، وغياب الأمان، الذي قد يلازم عددا غير قليل منهم مدى الحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard