بين المنفى والحنين... موسم الحصاد الفرنسي وعريشة الذاكرة

السبت 27 أغسطس 202210:38 م

يندرج المقال في ملف "تحت العريشة" من إعداد وتحرير زينة قنواتي

في منفاي الأول في تركيا، كان حبي الأول للنباتات. 

كنت قد قصدت محلاً لنباتات الزينة لشراء هدية لصديقي، شدت انتباهي نبتة تفتح فمها، وكأنها تريد أن تكلمني، كان تمازج لونها الأبيض مع البقع الزهرية يرسم ملامح شبه بشرية، شعرت وكأن النبتة تستوقفني عمداً. سألت البائع عنها، فأخبرني أنها زهرة الأوركيد. ودون سؤال عن سعرها، اشتريت واحدة لصديقي، وأهديت واحدة لنفسي، بمناسبة وقوعي في حبها.  

صورة للعريشة التي تتمدد بين حديقة الكاتبة "رقية العبادي" وحديقة جارتها  في فرنسا

منذ ذلك الحين، صارت زهرة الأوركيد صديقة غربتي وصباحاتي اليومية. وعلى الرغم من فشلي في الاعتناء بها أول مرة، وخسارتي لها، لا تزال زهرتي المفضلة. 

لم يمنعني ارتفاع سعر الأوركيد في فرنسا من اقتناء ثلاث نبتات منها بألوان مختلفة. بحثت كثيراً وقرأت عنها، وصرت أعتني بها كطفل صغير. 

"درج الياسمين"

منذ عامين، قبل الحجر الصحي نتيجة فيروس كورونا، انتقلت للعيش في بيت جديد فيه حديقة صغيرة، تتوسطها شجرة كرز، تفرد أغصانها في أرجاء الحديقة كأم تحوط المكان والنباتات في آن واحد. 

بعد انتقالي إلى البيت بفترة وجيزة، اقتلعت بعض النباتات التي نمت وحدها، وزرعت مكانها بعض الورود والخضار الصيفية. كانت هذه تجربتي الثانية مع النباتات، والأولى في مجال البستنة التي أصبحت خلال الحجر  متعتي ومتنفسي الوحيد.  

غرست أولاً شجرة ياسمين، لم تنتظر أكثر من أربعة شهور حتى بسطت أغصانها على الحائط، صنعت لها سلماً وشبكاً من خشب، لتتمدد مرتاحة. بعدها بشهر  أكملت تمددها إلى حائط الجيران. 

 كنتُ كل يوم أراقب تفتح أزهارها، كأنني أراقب طفلاً ينمو، لم أكن يوماً مهووسة بالياسمين، لكن عبقه يذكرني بشيء من رائحة البلاد، بشيء من خطوات ترتسم في ذاكرتي مع كل نفَسٍ تتخلله روائح، لم نعتدها في مكان إلا دمشق. 

كنت أقضي عطلة الصيف في بيت جدتي بدمشق، ونادراً ما كانت جدتي توكل إليّ مهمة سقي نباتاتها، فهي التي ترعاها إلا في بعض الأوقات كمرض أو تغيب عن البيت. كانت تحدثني عن كل نبتة وكيفية الاعتناء بها. ولا أبالغ أن كل نبتة كانت تمثل فرداً من عائلة جدتي. 

كنت أتساءل، كيف يستطيع الإنسان الحديث مع النباتات،
حتى شاءت الصدفة أن أصبح مهووسة بالنباتات، وأدركت أنني ورثت عن جدتي إرثاً لم يرثه أحد غيري في العائلة.

أكثر ما كان يلفتني وقتها، هو علاقتها بتلك النباتات، كانت تغني لكل نبتة أثناء سقيها، وكنت بدوري أنظر إليها بتمعن، كيف تُبعد بعض النباتات عن النافذة خوفاً عليها من شدة الحرّ، وكيف تمسح الأوراق بقطعة قماش مخصصة (للزريعة) لتعيد لها بريقها.

كنت أتساءل، كيف يستطيع الإنسان الحديث مع النباتات دون ملل، وكيف لجدتي أن تتذكر موعد سقي كل نبتة. 

حتى شاءت الصدفة أن أصبح مهووسة بالنباتات، وأدركت أنني ورثت عن جدتي إرثاً لم يرثه أحد غيري في العائلة. وكما للنبات نصيب من حياة كبار السن والأمهات، كذلك لها حيز في حياة اللاجئ أو المنفي. يقول صديق لي مولع بالنباتات، إن ما يعطيه التوازن في بلاد اللجوء هو النباتات، وكلبته، وبعض مأكولات البلد، وهذا تعويض عما نعيشه من فقد.    

صورة من حديقة الكاتبة "رقية العبادي" 

اكتشفت إرثي، حين ذهبت لشراء تربة لزراعة بعض الخضروات، عندما لفتت نظري نبتة "Alocasia Zebrina"، وهي نبتة عملاقة ذات أغصان ضخمة، مخططة كجلد النمر، لكن بتدرجات اللون الأخضر. لم يكن سعر النبتة مناسباً لوضعي المادي، إلا أن ما أثارته من فضول لدي دفعني للعودة لشرائها، والاستغناء عن بعض الحاجيات خلال ذلك الشهر . في تلك النبتة الاستوائية لا ينمو غصن جديد إلا حين يقتل غصناً أخر كبيراً أو قديماً، ليحل محله. بعد قراءتي عنها ومراقبتي لها شعرت أن حياتها تشبه حياتنا بشكل أو بآخر. 

يقول صديق لي مولع بالنباتات، إن ما يعطيه التوازن في بلاد اللجوء هو النباتات، وكلبته، وبعض مأكولات البلد، وهذا تعويض عما نعيشه من فقد. 

في وقت سابق قرأت دراسة نشرت في المجلة الأمريكية للصحة العامة، عن مدى تأثير الأماكن الخضراء والنباتات المنزلية على الصحة النفسية، وتحسين المزاج وتقليلها من مخاطر الأمراض، من خلال تنقيتها للهواء في الأماكن المغلقة. أدركت أحقيتي بإرث جدتي، وصارت النباتات داعماً لمزاجي وصحتي النفسية خلال سنوات لجوئي حتى اليوم. 

طبقت، لاشعورياً، إرث جدتي بحذافيره. وضعت نباتات في كل ركن يصلح لنمو النبات فيه، وضعت رفوفاً جديدة، وصرت أمسح أوراقها بشكل دوري، حتى صار اللون الأخضر على مرأى عيني كيفما التفت. ولإتمام الإرث، كان لا بد من حيز في بيتي لنبتة جدتي المفضلة، "قلب عبد الوهاب" أو "التلفونة" كما يسميها آخرون. وأنا أكتب هذا المقال استرقت النظر  لها، وكأن أغصانها المتدلية طرحة عروس تنسدل وراءها بخفة. 

"تحت العريشة سوا"

تسكن نوريا (35 عاماً) جارتي من طاجكستان مع زوجها وطفليها في البيت الملاصق لبيتنا، يفصل حديقتينا فاصل من الأسلاك الشائكة. 

تحت تلك العريشة، تذوقت نوريا للمرة الأولى الطعام السوري وأحبته. العام الماضي كبرت عريشة نوريا، وصار ظلها مكاناً لها ولعائلتها، وأنا بدوري أرسل إليها (سكبة يالنجي)، كلما قطفت من عريشتها ورقاً لطهوه.

صرنا نتبادل الأحاديث تحت كل مساء صيفي، وأكثر من مرة، عدت بحديثي مع نوريا عن ذكرياتي، عن أحاديث شهدتها عريشة بيتنا في سوريا، وعن حكايا جمعتني مع إخوتي، وكيف صارت العريشة بالنسبة إلي بطاقة ذاكرة، تحوي تفاصيل يومياتنا قبل خروجنا من القرية. 

تحت العريشة التي كبرت، تذوقت جارتي من طاجكستان الطعام السوري وأحبته. وتحت ظلها كنت أرسل إليها (سكبة يالنجي) كلما قطفتُ من عريشتها ورقاً لطهوه.

 قلت لجارتي: " هل تصدقين أن عريشة العنب هي أحد أفراد الأسرة لدى بعض العائلات السورية. في أغلب البيوت التي تكون فيها حديقة كبيرة، يزرع أصحاب البيت شجرة عنب، وحين تكبر  يشيدون لها أعمدة وسقفاً من خشب، كما فعلتم، 

بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض العرائش لا يكفيها بيت واحد، فتمتد إلى البيوت والأسطح المجاورة، وتقطف أوراقها جميع نساء الحارة وربما الحي، وحين تمشين في حي كهذا، سترين نساءً يجلسن تحت العريشة، يجهزن أوراق العنب للطهو أو المونة، وأخريات يعصرن الحصرم".

"مرقوا الحصادين"

صيف عام 2020، عندما خرجنا من الحجر الصحي الأول، كنت أبحث عبر الإنترنت عن أنشطة صيفية في فرنسا.

وجدت كثيرين يذهبون لحصاد العنب أو ما يسمى بالفرنسية (vendange). 

تحمست كثيراً، وساعدني أصدقائي الفرنسيون في الحصول على ذلك العمل الصيفي، في قرية charentay جنوب شرق فرنسا. 

قرر أصحاب المزارع، الحصاد في وقت أبكرَ من المعتاد، بسبب ارتفاع درجات الحرارة في ذلك الصيف. ساعة ونصف في القطار  السريع تفصلني عن مكان الحصاد. حين وصلت كان الحصادون مجتمعين في فناء المنزل، وكان أصحاب المزرعة يعدون العشاء لهم. 

الكاتبة "رقية العبادي" أثناء عملها الصيفي في حصاد العنب في فرنسا 

أعادتني تلك اللحظات بتفاصيلها، إلى أجواء موسم حصاد القمح والقطن في قريتنا في ريف دير الزور، حين كانت أمي تعد الطعام للحصادين. كان حصادنا يستمر  أسبوعين متتاليين، وأحياناً شهراً كاملاً. في ذاكرتي تلك الطقوس هي أجمل ما عشته في العطلة الصيفية. 

على الرغم من امتلاك أبي أرضاً كبيرة يزرعها كل عام وبحاجة إلى الاعتناء بشكل متواصل، كنت أرفض العمل في الأرض لشدة الحر في الصيف.

عادت لي صور النساء في ريف دير الزور، اللواتي يعملن بدرجة حرارة تتجاوز 45 درجة، يستيقظن باكراً، يجهزن الإفطار، وكان على بعضهن تفقد زريبة البقر قبل الذهاب إلى الحصاد. وهو الموسم المهم لجني بعض المال، ودفع الديون المتراكمة

على مدار اثني عشر يوماً في حصاد العنب في القرية الفرنسية، كنت أستيقظ باكراً قبل شروق الشمس، تقلنا سيارة (كميون) إلى الحقول المتراصة، نبدأ عملنا كخلية نحل، مع الانتباه لأصابعنا كي لا يقضمها مقص قطع العنب. كنا نجلس طوال النهار بشكل قرفصاء لنقوم بالقطاف. لم أكن أتخيل أن العمل في الأرض متعب إلى هذا الحد، كنت أراه بادياً على الآخرين، لكنني لم أمارسه قبلاً. 

في تلك اللحظات عادت لي صور  النساء اللواتي يعملن في الحصاد، خصوصاً في الصيف وبدرجة حرارة تتجاوز 45 درجة، نساء يستيقظن باكراً، يجهزن الإفطار لعائلاتهن، وكان على بعضهن تفقد زريبة البقر ووضع الماء والتبن قبل الذهاب إلى الحصاد. كنّ نساء حانيات على الموسم، ينشدن أغاني تحمسهن للاستمرار بالعمل، كان موسم الحصاد بالنسبة إلى بعضهن فرصة لجني بعض المال، ودفع ديون متراكمة لدى محل البقالة، بينما تشتري أخريات قماشاً لحياكة ملابس جديدة.

عند حصاد العنب في القرية الفرنسية، كنا نستيقظ قبل شروق الشمس، تقلنا سيارة (كميون) إلى الحقول المتراصة، نبدأ عملنا مع الانتباه لأصابعنا كي لا يقضمها مقص قطع العنب. نجلس طوال النهار بشكل قرفصاء لنقوم بالقطاف  

أما أنا، فغنيت بهمس (مرقوا الحصادين)، فلا لغة تجمعني بمن حولي لأغني، ما عدا ابتسامات باردة أوزعها رغم الحر الشديد، وحين أنهي الحصاد، سأعود إلى بيتي في باريس، وربما أكافئ نفسي بالذهاب إلى الكوافيرة لقص شعري الذي أحرقته الشمس. 

صورة لحقل العنب في فرنسا حيث عملت الكاتبة "رقية العبادي"

في بلاد اللجوء والاغتراب، نحاول زراعة جذور جديدة لحياة لم نألفها، نسعى لمنح أنفسنا بعض السعادة بزهرة أو بشجرة نعتاد سقيها والاعتناء بها، أو حتى بحزن بتناسب مع ظرفنا ومكاننا. على سبيل المثال، حزن لفني قبل إنهاء هذه المادة بدقائق، عبر هاتف من "نوريا"، أخبرتني فيه أن سارقاً نزل إلى حديقة بيتي، وأثناء هروبه دمر ياسمينتي والدَرَج، وبعضاً من عريشة حديقتها.   

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard