"إذا كنت حزينة، ضعي أحمر الشفاه واهجمي على العالم"

السبت 10 سبتمبر 202201:22 م

أشيائها

 


لا ريب أن كوكو شانيل كانت تعي ما تقول، فقد كانت واحدة من أكثر النساء تأثيراً على عالم النساء نفسه، وهذه سابقة تستحق عندها التحية، لأن غالباً من يقوم بتغيير وجهات نظر النساء بالموضة والمكياج ويصنع التفضيلات الجمالية، هم ذكور، يفاضلون بين خياراتهم لا غير، ويمأسسون تفضيلاتهم الجنسية ويعممونها، وتنقاد النساء تحت تأثير الضغط الإعلامي والتسويقي والرغبة بالحصول على الرضا.

لا ينسب اختراع الروج، أو أحمر الشفاه، إلى شخص معين، وثمة دلائل كثيرة تقول إن نساء بلاد ما بين النهرين والنساء المصريات كن يستخدمن مساحيق لطلاء الشفاه، ومن أشهر من استخدمن ذلك هي كليوباترا، الملكة المصرية، ساحرة الرجال وأيقونة العناية بالنفس (يقال إنها كانت تستحم بحليب الحمير للحفاظ على بشرتها وسحقاً لنساء كارداشيان اللواتي يقبعن تحت كريمات صناعية لا حصر لها)، طلاء شفاه مصنوع من سحق الأحجار الكريمة أو الخنافس المجففة وبعض المستحضرات الأخرى الطبيعية، وكانت تستخدم على هيئة مسحوق توضع بالإصبع على الفم، كما يُنسب للعالم الأندلسي أبي القاسم الزهراوي اختراع أول أحمر شفاه صلب (وهذه لعمري أهمّ مساهمة في تاريخ الحضارة "الليّنة" تُنسب للمسلمين).

مرت فترة في التاريخ الأوروبي كان فيه أحمر الشفاه أمراً يتعلّق بالشيطان، مثله مثل كل الأشياء التي لم تتضمّنها الكتب المقدسة، فأي من القديسات لم تكن تضع أحمر شفاه أو ترتدي الأوشحة الشفافة، أو على الأقل هذا ما أخبرتنا به كتب السير والإصحاحات... مجاز

الثبات والاستمرارية

كانت الفكرة التي أرّقت بال الكيميائيين تتعلّق بدوام اللون على الفم وثباته، فأحمر الشفاه المصنوع من شحوم حيوانية، أو مستحضرات أخرى، كمسحوق الخنافس وزيت الزيتون، غالباً ما يتحوّل لونه بعد مضي الوقت، ويصبح ذا رائحة فاسدة ولون كريه، وبالتالي يفقد الأثر الذي ترغب به النساء، فمن الذي يرغب بتقبيل سمكة فاسدة في فم امرأته؟

مرت فترة في التاريخ الأوروبي كان فيه أحمر الشفاه أمراً يتعلّق بالشيطان، مثله مثل كل الأشياء التي لم تتضمّنها الكتب المقدسة، فأي من القديسات لم تكن تضع أحمر شفاه أو ترتدي الأوشحة الشفافة، أو على الأقل هذا ما أخبرتنا به كتب السير والإصحاحات، (رغم أن الصور الحديثة المتداولة للعذراء مريم تظهرها خارجة للتوّ من مركز تجميل، ولو كان رسم الشخصيات الإسلامية مسموحاً لرأينا أمّهات المؤمنين بمثل جمال هيفاء وهبي وأكثر إثارة) ذلك أن الشيطان كائن خبيث على الدوام، ويرغب باستمرار بجعل النساء أجمل، (القذر، لعنه الله) وهذا ما لم يعجب رجال الدين في كل مكان، فهم يهلعون من وطأة الجمال على أكتافهم الواهنة.

وفقاً لسارة شيفر، مؤلفة كتاب "أحمر الشفاه: قصيدة لأيقونة الجمال"، كان هتلر يكره أحمر الشفاه ومنع النساء في ألمانيا من استخدامه، ولعلماء النفس أطروحات عديدة تتعلّق بالسبب الذي يجعله كارهاً لشيء لطيف كالروج، منها ما يتعلّق بعجزه الجنسي أو بمعاناته من خيانة إحدى الحبيبات الأول، وبالتالي أصبح وضع الروج في تلك الفترة نوعاً من مقاومة النازية ولاحقاً مقاومة السلطة الأبوية، فالبعض يقاوم الطغيان بأن يكون أكثر جمالاً فحسب، وبسبب من غلاء المواد المصنعة له في فترة الحرب العالمية الثانية، بدأت النساء باستخدام الشوندر الأحمر.

الطريف أن آثاراً تقول إن الرجال كانوا قديماً يضعون أحمر الشفاه أيضاً، لكن ما الفائدة؟: "يمكنك أن تضع كثيراً من العطر على الضبع وسيبقى ضبعاً"... مجاز

مع صعود موجة النسوية في السبعينيات وحركات الهيبيز، انزاحت أهميته، مثلما انزاحت أهمية التفضيلات الجنسية الموصومة بالذكورية لصالح الظهور بمظهر أكثر طبيعية، مثل التخلي عن إزالة شعر الساقين والامتناع عن استخدام مزيلات العرق والعطور، ولحسن الحظ لم يستمر هذا النزوع المتطرّف طويلاً أو لم يعمّ، وإلا لكنا نعاني عند الركوب في الحافلات حتى اليوم.

كرمز سياسي

إذن، أحمر الشفاه يتعدّى كونه مجرّد زينة أو رغبة أنثوية بلفت النظر والظهور بمظهر مغرٍ، إنه رمز سياسي أيضاً، رمز تحرر ورمز استعباد معاً، دلالة للمرأة الخارجة من قيد المجتمع المعادي لها وانصياع أيضاً للتفضيلات الذكورية، وبالرغم من أنه خضع، مثله مثل كل ما يتعلّق بجسد المرأة، للعديد من أشكال الوصم الاجتماعي والأخلاقي، من اتهام الفرويديين للمرأة التي تستخدمه بأنها ترغب في إظهار عضوها التناسلي، وأن لمعة الشفتين تحاكي لمعة شفري الفرج المهتاج، إلى القول بأن الفتيات عبره يرغبن بجذب رجال بيض أثرياء، لكنه يبقى أحد أهم عناصر الأنوثة خلوداً وبراءة حتى.

 راقبها وهي تعيد رسم شفتيها، بهذا اللون البدائي الذي يعيد إنتاج التناقض في المعنى والتمثيل، تأمل كيف يجعل الروج السائل شفتيها كابتسامة سائلة على الصورة، كرزة، قطعة تفّاح، كمّثرى لاهبة، (انظر بعينك وارحم بقلبك).

ارتبط أحمر الشفاه بالمطالبات بضمان حق التصويت للنساء، وباعتباره رمزاً أنثوياً محضاً، أخذ موقعه كأحد طرق الاحتجاج على من يودون قمع النساء وإبقائهن في المنزل، تقول سارة: "لا يمكن أن يكون هناك رمز أكثر كمالاً للمطالِبات بحق المرأة في التصويت من أحمر الشفاه، ليس لأنه قوي فحسب. إنه أنثى".

في عام 1912، سارت عشرون ألف امرأة في نيويورك للمطالبة بحق الاقتراع، كن يرتدين اللون الأبيض ويضعن أحمر الشفاه الذي كان في ذلك الوقت مخصّصاً للعاهرات فقط. تخرج إليزابيث إردن، وهي سيدة أعمال أميركية ورائدة في مجال المكياج والموضة، وتقوم بتوزيع أقلام الروج عليهن، ليأخذ هذه الطلاء الملائكي مكانه بجانب الرغبة بامتلاك الصوت المستقل في تاريخ النضالات النسوية، تقول ريبيكا بنهامو، صحفية وكاتبة تقيم في باريس، في كتابها "على الفم: تاريخ صفيق لأحمر الشفاه": "إن الأمر ليس مجرّد خيار تجميلي، إنها دائماً قصة مكانة المرأة في الفضاء العام، على مفترق طرق ثقافية اقتصادية واجتماعية".

الصور الحديثة المتداولة للعذراء مريم تظهرها خارجة للتوّ من مركز تجميل، ولو كان رسم الشخصيات الإسلامية مسموحاً لرأينا أمّهات المؤمنين بمثل جمال هيفاء وهبي وأكثر إثارة، ذلك أن الشيطان كائن خبيث ويرغب باستمرار بجعل النساء أجمل، وهذا ما لا يعجب رجال الدين في كل مكان... مجاز

أنه كشف، اختبار، مقياس مكانة المرأة في مجتمع ما. إذ لُعنت واضعته، واتُهمت بالعهر والرغبة بإثارة الرجال، حوربت وأقصيت من المجالس ونُظر إليها بعنف ورغبة لمجرّد أنها تلوّن قطعتي اللحم اللتين يرغب الرجال بأن تكونا زائدتين فحسب، باللون الذي تحب.

كانت الفتيات في مدينتي ممنوعات من وضعه في المدارس في الثمانينيات، فكنّ يستبدلنه بنوع من الحلوى الحمراء سيئة الصنع (مصّاصات سكّرية في الشتاء ونوع من الآيس كريم المصبوغ في الصيف) لكنها كافية لصبغ شفاههن بالأحمر الثري، وكانت المدرّسات المتزمّتات عبثاً يحاولن منعهن من ذلك، لكن الرغبة بالتجمّل والحضور كانت أقوى دائماً، ودائماً انتصر الجمال على التزمّت.

الشفاه

تمثل الشفاه استطاعة الشخص على تهيئة حضوره في العالم، الانفتاح والتعبير عن النفس، التقبيل والأكل والتحدث، وإبراز الشفاه بهذه الطريقة الوقحة، العاهرة، المرئية، يضع المرأة نفسها في المكان الذي يجب أن تكون فيه: أنا هنا وأرغب بالمزيد من الحضور، رغماً عنك أيها الغبي.

كانت الشفاه للبعض علامة مميزة، رسائل، توقيع على دفتر الحضور، كانت مارلين مونرو تستخدم الروج الفاقع للتأكيد على وجودها، وأخريات كن يستخدمنه خفية، إذا لا يملكن رفاهية الوقاحة.

أذكر فيلماً لنبيلة عبيد شاهدته منذ قرابة العشرين سنة، أظنّه "الراقصة والسياسي"، التتر الابتدائي عبارة عن عرض الأسماء على خلفية فم نبيلة عبيد، المُشبع والكبير، مع أحمر شفاه غني، وهي تقوم بعضّ شفتيها تارة ومصمصتهما تارة أخرى، لا أظن أني رأيت مشهداً أكثر إثارة منه في حياتي، لدرجة أنني كنت أكتفي بمشاهدة التتر، مرة تلو الأخرى، غير عابئ بالرسالة التي يحملها الفيلم.

ولا يمكن أن نذكر الروج وأحمر الشفاه وننسى تلك الشامة الشهيرة فوق الشفة العليا، وسيدة نساء العالمين حينها، سميرة توفيق، وهي تغمز بالعين الغاوية، والدلع الذي يراد له أن يكون بدوياً فكان إلهياً.

أذكر كيف كان والدي ينظر لها تغني "والعين سودة كحيلة والشفّة وردية"، ويتلمّظ بشفاهه وتعلو عينيه تلك النظرة الغائمة التي تعني أنه يكاد يلامس الغيم، وما بين ساقيه يتضخّم حتى يكاد يقفز.

أحمر، فاتح، قرمزي، لامع، بورجندي، توت برّي، علّيق، الوردي، الفوشيا، الروج يتنوّع كالنساء، يختلي بنفسه أمام العالم كالنساء، ويجذبنا من أعيننا، من رموش أعيننا، من حياتنا الفارغة إلى غناه الغني. نترنّح ونحن نتذكر طعمه على شفاهنا المشققة من الرغبة.

الطريف أن آثاراً تقول إن الرجال كانوا قديماً يضعون أحمر الشفاه أيضاً، لكن ما الفائدة؟ "يمكنك أن تضع كثيراً من العطر على الضبع وسيبقى ضبعاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard