مديح الأرداف... إجاص على طاولة العالم

السبت 6 أغسطس 202202:12 م

الحواس العاطلة

 

في فيلم "الاحتقار" 1963، أحد أشهر أفلام المخرج الفرنسي/السويسري جان لوك غودار، بطولة بريجيت باردو، أجمل امرأة في وقتها، بالتأكيد، تسأل زوجها الانتهازي (ميشيل بيكولي) وهي عارية على السرير: "هل تحب أردافي؟"، ليجيب كل من شاهد الفيلم، والملائكة وأشجار الصنوبر في السواحل السورية وحبات الأرز في جمهورية الصين الشعبية أيضاً، والكلمات المبهمة في الكتب المقدسة، الم، المر وكهيعص: "نعم، نعم بالتأكيد"، ثم تجول الكاميرا على أجمل كرتين مخمليتين في العالم وأكثرهما اكتمالاً، الكرتان اللتان سترافقان تاريخ السينما مع التاريخ الشخصي للعديد من الذكور في العالم، وللأبد، استيهاماً ورغبة بالنهش.

أرداف كالقضاء والقدر

لطالما فتنت الأرداف الجنس البشري، إذ تحتوي هذه الكتلة المدورة، التقوسات المصنوعة من فتنة صرف والتكورات البديعة، على سحر غامض لا أحد يدري مبعثه، ولكنها باستمرار كانت مهمة بقدر ما كان العضو الأنثوي مهماً، وربما أكثر عند بعض هواة النوع، لكن كما يقول صديقي منذر مصري: "إنها من الأشياء التي ترهق نفسك بالحصول عليها، وما إن تفعل حتى تحار ما تفعل بها". أي هوس بري يدفعنا نحو الرغبة بامتلاك هاتين القنبلتين الهيدروجينيتين الموضوعتين على جذع شجرة، أي يدين تستطيعان أن تكتما الرغبة بالتلمّس والاحتواء، أي فم لا يحلم بالتقبيل والعضّ؟

السؤال الذي طرحه الشاعر منذر مصري حول جدوى الحصول على مؤخرة ممتلئة يأتي من أنها العضو  الوحيد الذي استثمرته الإثارة الجنسية ولا يحمل "بعداً إنجابياً"، فهي ليست ثدياً يرضع ولا مهبلاً يستقبل بذور الرجال، هي سحر مجاني، سيراميك مصقول، إثارة لا نهائية بدون هدف إلا ذاتها، وتتفلّت بسهولة من "بعدها الوظيفي"، وإن توجب لها أن تُحضر رغبات خفية، فهي الرغبة بالصفع أو العض والنهش، وهي، على عكس الحضور الذي يوشك على التلاشي للذكور، عبر تأليه التناسق والنحف والعضلات المرسومة بدقة بيكار، تحضر بضخامتها، بقوة أثرها، بحضورها الذي يضفي ظلاً على الظل، وكأن المرأة تظهر أكثر فأكثر قوة جنسها وحضوره في العين عبر إبراز القوة الكامنة في ردفيها.

لطالما فتنت الأرداف الجنس البشري، إذ تحتوي هذه الكتلة المدورة، التقوسات المصنوعة من فتنة صرف والتكورات البديعة، على سحر غامض لا أحد يدري مبعثه، ولكنها باستمرار كانت مهمة بقدر ما كان العضو الأنثوي مهماً، وربما أكثر عند بعض هواة النوع.. مجاز

الصفع

في العام 2015، تم فصل طبيب نفسي في مدينة مونتريال لصفعه مريضة على مؤخرتها عدة مرات، بغرض علاجها، وقالت المريضة ذات 19 عاماً، إن الطبيب قام بإجلاسها على ركبتيه ووجهه نحو الأسفل ثم قام بالضرب المتكرر على الردف اليمين ثم اليسار، ثم كلاهما معاً، وأن الطبيب هو من قام بإنزال بنطلون المريضة إلى ركبتيها، ومما شرحه لاحقاً للبوليس أنها طانت طريقته في إجبارها على اتباع تعليماته، بينما كتب الطبيب في مذكراته: "كانت جميلة من الخلف كما هي جميلة من الأمام".

هذه الطريقة بالعقاب كانت لوقت ليس بالبعيد العقوبة المثلى للأبناء غير المطيعين، قبل أن تمنعها بعض الدول الأوروبية، وأساليب التربية الحديثة. وحتى عشر سنين خلت، وربما البارحة، في البلدان العربية، كانت العقوبة الضرب ما تزال منتشرة في المدارس وفي الحياة اليومية للأطفال المشاغبين، وفي التاريخ الإسلامي، يندرج الصفع تحت نفس المفهوم: الخضوع للسلطة الأقوى، وغزو الصافع جنسياً للمصفوع، كما نرى في طبقة "المنصفعة" الذين كتب عنهم التيفاشي في كتاب "نزهة اللباب فيما لا يوجد في كتاب"، فالصفعة دليل أيضاً على حب الصافع للمصفوع وقربه منه لدرجة الحميمية والالتصاق.

مواقع البورونو تمتلك قسماً خاصاً بالصفع، سواء تقديمه أو تلقيه، وقائمة محبي "التربيت" على الأرداف حتى تصبح حمراء وردية تضم العديد من الخيالات التي أوردها فون ساشر مازوش في رواياته، وتذكّرني بها صديقتي كل ليلة.

أصل مغر

تأتي كلمة "fesse" الفرنسية من أصل لاتيني  "fissa" الذي يعني "الشق" الذي بين الردفين، قبل أن تصبح الكلمة لاحقاً تعني الردفين، أما في اللغة العربية فتتعدد المصادر، الكفل والعجيزة والعجز واحد، ورَدَفَ، تأتي من الركوب خلف أحد، وأرداف هي جمع رديف، اللاحق والتالي، وبالتالي تصبح إشارة لما يأتي خلفاً، كما أن الردفين هما الليل والنهار لتتابعهما، وفي هذه إشارة لطيفة لأهمية هاتين الكتلتين الشحميتين، إذ إنهما بأهمية الليل والنهار، ويمكنكم سؤال أي رجل تقريباً للتأكد من ذلك.

جان بول جود، الفنان الذي وُصف بأنه مصور الأرداف الأفضل في العالم، يصرّ على أن الأرداف هي اللمسة الأخيرة التي تجعل الجسد استثنائياً، بينما يغني المطرب الفرنسي ليو فيريه: "أسلوبك هو مؤخرتك، إنه مؤخرتك، إنه مؤخرتك"...مجاز

يقول علم التشريح إن الأرداف تتكون غالباً من أنسجة دهنية وألياف عضلية، لكن نسي أن يضيف أيضاً من السحر ومن رغبة الناظر بالتلمّس والحضن، ويلقي مؤلفا كتاب "الوجه الخفي للأرداف"، الذي صنع عنه فيلم وثائقي أيضاً، كارولين بوشون وآلان بورتشيلد، على عملية التطور والانتصاب على قدمين، وغياب معرفة الذكر باستعداد المرأة للتزاوج، موضوع زيادة الاهتمام بالأرداف، لكن كل هذا لا يجعلنا نعرف سبب الهوس الذي يضعنا في قلبه مصممو الأزياء ودور الأزياء، ولا يفسّر رغبتنا بعضّ تلك الكتل حتى لو كنا نعرف أنها مجرّد رغبات مقموعة سابقة أو بقايا إرث قبلي جنسي.

هناك آلاف الكلمات والقصائد لنقولها عن الأرداف، وكانت عبر التاريخ موضوع تمثيلات لا حصر لها، في جميع الثقافات وعبر الحقب المختلفة، واعتبرت منطقة مثيرة للشهوة لعدة قرون بسبب ارتباطها وقربها من الأعضاء التناسلية، الأمر الذي دفع العالم النفسي سيغموند فرويد لإعطائها حيزاً مهماً في التطور النفسي الجنسي، الذي يحدث برأيه عبر ثلاث مراحل، الفم والشرج والأعضاء التناسلية، لكن ما أدراه؟

ويلقي البعض باللائمة حول هذا الهوس العالمي التاريخي بالمؤخرات، لانتشار الكورسيهات في القرون الوسطى ولاحقاً قماش الجينز الذي جعل التركيز منصباً على القسم السفلي من الجسد، الأوراك والردفين، بعد أن انتهى الهوس الذكوري بالثديين كعنصري جذب واهتمام في الإعلانات التي تدعم النزوع التشييئي للمرأة، وفي التصاميم التي تلقى على جناح الهوس الاستهلاكي البصري، وبالتأكيد تشارك بالأمر صورة "الأرداف السخية" التي يقوم النجوم بنشرها في كل مناسبة، ونستطيع أن نتصفح على سبيل الخيبة أو التساؤل صور أرداف جينيفر لوبيز وكيم كاردشيان، لكن ليس بإمكاننا إلا أن نفرك أيدينا ببعضها ونتحسّر، فلو كانت النساء بلا أرداف لكنا عبثاً نحمل يدين بلا فائدة ولا وظيفة تذكر.

بالتأكيد سنجد الأديان خلف أي مفهوم إشكالي في الجسد البشري، وجسد المرأة تحديداً، فكما حرّمت الأديان الجنس بدون زواج، لدرجة نسف مفهوم المتعة بأكمله، كان الجنس الشرجي أمراً شنيعاً غالباً، رفضه أغلب العلماء والفقهاء وأدرجوا أصحابه في سجلّ الخالدين في الجحيم، وإذا كان الجنس الشرجي ممنوعاً منعاً باتاً بين الذكور، بحسب المرويات الدينية الإسلامية، من العقاب الذي أوقعه سبحانه في قوم النبي لوط، وهو ما يدعى باللواط الأكبر، فإن الجنس الشرجي مع النساء لقي درجة أقل من التعنّت والرفض، بل إن بعض الفقهاء أباحه تماماً بتفسير لغوي لآية من القرآن الكريم، وهو ما يدعى باللواط الأصغر.

جاءَ عمرُ بنُ الخطَّابِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ هلَكْتُ. قالَ: وما الَّذي أَهْلَكَكَ؟ قالَ: حوَّلتُ رَحلي اللَّيلة، فلم يرُدَّ علَيهِ شيئاً، فأوحيَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ هذِهِ الآيةُ: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ؟ يقول: أقبِلْ وأدبِرْ، واتَّقِ الدُّبرَ والحَيضةَ.

طبعاً يختلف العديد من الفقهاء في هذا الحديث ومنهم من ينكره بالكلية، رغم وروده في عدد من المصادر بإسناد قوي وإخراج محكم من الترمذي وأحمد والنسائي في "السنن الكبرى".

غالباً يحال هذا السماح إلى اعتبار المرأة شأناً خاصاً بالمتعة عند الرجال، لا قرار لها في جسدها، ومسألة السماح بإدخال أو إخراج شيء فيه يعود إلى "مالكها" فحسب، لا إلى رأيها به.

يلقي البعض باللائمة حول هذا الهوس العالمي التاريخي بالمؤخرات، لانتشار الكورسيهات في القرون الوسطى ولاحقاً قماش الجينز الذي جعل التركيز منصباً على القسم السفلي من الجسد، الأوراك والردفين، بعد أن انتهى الهوس الذكوري بالثديين كعنصري جذب واهتمام... مجاز

الجانب الخلفي من القمر

تمثل الأرداف الجانب الخفي من البشر، كما يمثل القمر الوجه الآخر للشمس، بالنسبة للنساء هي العنصر الإيروتيكي الأشد جاذبية، الذي تحمله خلفها ويتبع خطاها، وتنبثق عنه معرفتها الأكيدة بجدوى حضورها وأيضاً بجدوى غيابها، التفاتتها وإشاحتها النظر، وبالنسبة للذكور هي ما لا يستطيع الحصول عليه بفعالية أكيدة، ما يهرب منه، ما يتفلت من أنظاره المذهولة، ما تعيده إلى حالته البرية وهوسه بالكتلة المشبعة ورغبته بالاحتضان والنهش. إذ إن غياب "البعد الوظيفي" للمؤخرة يجعل من عاشقها إما شاعراً أو غريب الأطوار، وربما الاثنين معاً، إذ لن يفهم أحد هذا النزوع نحو امتلاك ما لا يمتلك، وإذا امتُلك، لا ينفع في طاعة أو حتى معصية.

إن محاولة تدجين الردفين أمر لا طائل منه، إذ إنها تتفلّت من تلك المحاولة، نستطيع أن نتحكم برؤوسنا، بأطرافنا، نرخيهم على جانبنا، نثبتهم، نعقدهم على رؤوسنا، لكن الأرداف تترجرج، تهرب من قدرتنا على التماس الثبات فيها والفاعلية، تقع في رجرجتها بين زمنين، بين صورتين للعالم الذي يأتي على شكل قطعة جيليه لعوب.

نحتت من الرخام ومن خشب الأبنوس، ورسمت على جدران الكهوف قبل أن يرسم الثدي والقضيب، وصنعت لها الأفلام والوثائقيات، قتل لأجلها الذكور بعضهم البعض، وبقيت عنصرياً أبدياً للفتنة التي تتفلت من عقالها.

يقول عالم النفس ألان هريل إن كل الخيالات المتعلقة بالأرداف هي خيالات تتضمن انتهاكات، وهي تنوس بين الانكشاف والحجب، إذ لا تقع ضمن الممكن الحصول عليه للأبد، بل يجب على الذكر أن يبقى في حيّز الحصول عليها، امتلاكها، ورغم ذلك تتفلّت منه، كزئبق مرح، وجان بول جود، الفنان الذي وُصف بأنه مصور الأرداف الأفضل في العالم (صاحب الصورة الأشهر لمؤخرة كيم كاردشيان)، يصرّ على أن الأرداف هي اللمسة الأخيرة التي تجعل الجسد استثنائياً، بينما يغني المطرب الفرنسي ليو فيريه: "أسلوبك هو مؤخرتك، إنه مؤخرتك، إنه مؤخرتك".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard