شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
شفرات سرية ورسائل بماء البصل... كيف أدار سعد زغلول الثورة المصرية من منفاه

شفرات سرية ورسائل بماء البصل... كيف أدار سعد زغلول الثورة المصرية من منفاه

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتاريخ

الثلاثاء 23 أغسطس 202201:54 م


على إثر جهاده الكبير لحصول مصر على استقلالها، وإلهاب حماس المواطنين للثورة ضد المحتل الإنجليزي وإخراجه من القاهرة، عانى الزعيم الوفدي سعد زغلول (توفي في 23 أغسطس/ آب 1927)، إذ عاش فترة من حياته في المنفى، لكن ربما كانت أصعب الأوقات التي مرت عليه، هي الفترة التي قضاها منفياً في جبل طارق، وهي منطقة حكم ذاتي تابعة للتاج البريطاني، تقع في أقصى جنوبي شبه جزيرة إيبيريا على منطقة صخرية متوغلة في مياه البحر الأبيض المتوسط.

قضى زغلول تلك الفترة من منفاه وحيداً تماماً قبل أن تلحق به زوجته السيدة صفية زغلول الملقبة ايضاً بـ"أم المصريين".

لم يستكن سعد زغلول في منفاه، وإنما بدأ التفكير في وضع خطة للتواصل مع الجهاز السري لثورة 1919 في مصر، وفي هذه الأثناء كان مكتب قاضي محكمة بني سويف، ثم مكتب قاضي محكمة الزقازيق، هما عنوانا هذا الجهاز

وحيداً إلى جبل طارق

صباح يوم الجمعة 23 كانون الأول/ديسمبر 1921، ألقت السلطات البريطانية القبض على سعد زغلول ورحّلته إلى السويس (أكبر مدينة مصرية تطل على البحر الأحمر وقتها)، تمهيداً لنفيه إلى سيشيل؛ وفي 29 من الشهر ذاته، تحركت به سفينة حربية رفقة خمسة آخرين من أعضاء الوفد، إلى عدن اليمنية، فوصلوها في 4 كانون الثاني/يناير 1922.

وفي 2 آذار/مارس، غادر سعد زغلول في طريقه إلى سيشيل، ووصل إليها يوم 9 من الشهر ذاته، لكن نتيجة للضغوط المتواصلة في مصر وبريطانيا، جرى نقله إلى جبل طارق، فغادر يوم 17 آب/أغسطس 1922، ليصل إلى جبل طارق يوم 3 أيلول/سبتمبر.

ويشير عماد أبو غازي في مؤلفه "حكايات الثورة والثوار 1919" إلى أن السبب المباشر لنفي سعد ورفاقه، كان الدعوة التي وجهها الأول لاجتماع عام يوم 23 كانون الأول/ديسمبر 1921، وهو نفس اليوم الذي اعتقل فيه. إلا أن اللورد ألنبي، المعتمد البريطاني والحاكم الحقيقي لمصر في ذلك التوقيت، اصدر قراراً إدارياً بمنع الاجتماع، وتوجيه الإنذار لسعد وبعض أعضاء الوفد باعتزال العمل السياسي، والتوجه إلى قراهم للعيش بها تحت الرقابة. وبحسب الوثائق التي نشرها أبو غازي في كتابه، فإن معظم ناشطي ذلك العصر رفض الانصياع للأوامر، فكان رد سلطات الاحتلال نفي الرافضين منهم بعيداً عن الوطن.

أسوأ منفى في حياة سعد زغلول

عندما أبحرت السفينة بسعد زغلول من سيشل، لم يخبروه بالمكان التي يتوجهون به إليه، لكنه سمع خلال الرحلة شائعة أنه ذاهب إلى جبل طارق فاشتد كربه، وفي ذلك يقول - وفقاً لما نقله محمود فؤاد في مؤلفه المعنون بـ"مجموعة خطب سعد باشا زغلول الحديثة": "مكثت حائراً في أمر الجهة التي أنا مسافر إليها، وكلما تصورت أنها جبل طارق اشتد كربي"، خاصة أنه سمع في وقت سابق من بعض إخوانه أنها "صخرة جرداء شديدة الحر، بها حصن، وبجانبها قرية صغيرة لبيع الدجاج والبيض".

"هذه أسوأ مدة مرت بي في السجن، حتى اضطررت إلى رجاء حَرَمِي (زوجتي) أن تلحق بي، وبعد حضورها خف عني الألم"

ولاقي الزعيم الراحل معاناة شديدة في هذه الرحلة، يؤكد: "مكثت 16 يوماً في هذه السفينة أتصور جبل طارق، ولم يحدث لي في حياتي مدة تألمت فيها أكثر من هذه المدة. إنما الشهادة لله، أن الطبيب كان معتنياً بي وكان يزورني كل يوم. وبعد أن وصلنا إلى جبل طارق أُخبرت بأن هناك منزلاً معداً لأنزل فيه كضيف لا كسجين، وحقيقة رأيت استقبالاً جميلاً، وأُخذت إلى منزل فسيح فيه حديقة. هذه أسوأ مدة مرت بي في السجن، حتى اضطررت إلى رجاء حَرَمِي (زوجتي) أن تلحق بي، وبعد حضورها خف عني الألم".

كانت الوحدة والعزلة، بالإضافة إلى المرض، سببًا في طلب سعد زغلول، من زوجته صفية، أن تسافر إليه في منفاه بجبل طارق، وبالفعل لحقت به، ورافقتها في سفرها السيدة فهيمة ثابت، التي كتبت عن هذه الرحلة البالغة السوء في مذكراتها، التي لم تصدر إلا في العام 2019، في ذكرى مرور 100 عام على الثورة الشعبية الأكبر بخلاف 25 يناير، في تاريخ مصر الحديث.

والسيدة فهيمة ثابت كانت من الوطنيات النسويات المصريات المبكرات، ومن أوليات الملتحقات بلجنة الوفد النسائية، وتطوعت لمرافقة صفية زغلول في السفر.

في رفقة "الزعيم"

منذ اليوم الأول لوصولهما إلى جبل طارق، الاثنين أول كانون الثاني/يناير سنة 1923، بدأت فهيمة ثابت في كتابة مذكراتها عن هذه الفترة، ووضعت لها عنوان "الزعيم الخالد وأم المصريين في جبل طارق"، وظلت تسجل يومياتها وملاحظاتها في وعي حاضر بالأهمية التاريخية لرفاق المنفى، وذلك حتى أول نيسان/أبريل من العام ذاته، وفقا لما ذكر أشرف مصطفى توفيق، في مؤلفه "حريم في حياة الزعيم سعد زغلول".

أما الزقازيق، وقبل ذلك بني سويف، فلم تكن في حاجة إلى استعمال هذه الكلمات؛ لأنها كانت تكتب الرسائل بماء البصل الموجود في مكتب القاضي، وكان سعد زغلول يحل هذه الرموز في جبل طارق بتمرير المكواة الساخنة على ورق القاموس أو كتاب النحو

وعن اللقاء الأول بين السيدتين والزعيم بعد وصولهما إلى جبل طارق، كتبت فهيمة في مذكراتها: "قيل لنا إن الباشا ينتظرنا في حجرة مرتفعة داخل المرفأ تشرف على البحر، ثم صعدنا فرأيناه واقفاً في وسط الحجرة، وهو يقول: ‘أهلاً أهلاً، كنت أحب مقابلتكم على الشاطئ لولا أنهم يمنعونني بلطف...’. وكان يبدو عليه آثار التعب والمرض".

وأشارت فهيمة ثابت إلى ما دار بينهم من حديث: "أخبرنا عن رحلته [إلى جبل طارق] في البحر، وأنها كانت الأسوأ في حياته؛ إذ وضعوه في حجرة صغيرة جداً غير مريحة، وأغلقوا عليه الباب والنافذة، ولم يسمحوا له بالرياضة فوق سطح الباخرة ولا بالتكلم مع أحد، ووضعوا حرساً مسلحاً على بابه حتى مرض".

ووصفت صاحبة المذكرات المكان الذي احتجز فيه سعد زغلول: "بعد بضع خطوات من الباب الكبير، تجد ممشىً حلزونياً ينحدر من أعلى إلى أسفل، حتى أن الواقف على باب المعتقل يرى من في المنزل أو داخله كأن أمامه بئراً عميقة، والمنزل مبني في الطرف المنخفض المطل على الوادي الموصل إلى البحر، ومن الجهة الغربية للشارع. ودائماً على يمينك الجبل ويسارك البحر".

اسلمي يا مصر إنني الفدا

وخلال هذه الفترة، رأى الأديب مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937)، في منامه أنه كان يمشي في شوارع القاهرة، وسعد زغلول ينتظره وهو مستبشر فرح، ويطالبه بالنشيد الذي نظمه، وعندما استيقظ خرج إلى مكتبه محاولاً كتابة النشيد، تحقيقاً للرؤية، وصار يكتب:

اسلمي يا مصر إنني الفدا  ذي يدي إن مدت الدنيا يدا

أبداً لن تستكيني أبداً        إنني أرجو مع اليوم غدا

إلى آخر القصيدة التي باتت نشيداً وطنياً وسلاماً جمهورياً رسمياً في وقت لاحق.

وبعد الانتهاء من النشيد، بعث "الرافعي" به إلى سعد زغلول في منفاه بجبل طارق، وكتب معه، وفقاً لما نقل محمود السامراني في كتابه "وحي الحب": "هذا نشيد كتبته على لسانك، فأنت صوت الأمة، وما أردت بإظهار نشيدك إلا أن تظهر في كل فرد من الأمة على قدر استعداده، ويبقى اسمك الجليل مع كل مصري على الدهر ليكوم مصدراً من مصادر إمداده".

وتابع الأديب الراحل: "يقولون إنه نشيد يقربك من الأجيال الآتية، وأنا أقول إنهم من يتقربون به إليك، ويجدون منه الوسيلة لتقبيل اسمك المحبوب؛ إذ لا يستطيعون مثلنا تقبيل يدك، ويجدون في كل زمن من شرح هذا الاسم الكبير أنه الرجل الذي خط قلم الأزل بيده كتاب نهضته الكريمة، واختاره الله للأمة كما اختار الأنبياء إلا أنه نبي الفكر والعزيمة".

اختير نشيد "اسلمي يا مصر إنني الفدا" لاحقاً النشيد القومي للدولة (السلام الجمهوري)، ابتداء من عام 1923 إلى عام 1936.

شفرة ورموز سرية

لم يستكن سعد زغلول في منفاه، وإنما بدأ التفكير في وضع خطة للتواصل مع الجهاز السري لثورة 1919 في مصر، وفي هذه الأثناء كان مكتب قاضي محكمة بني سويف، ثم مكتب قاضي محكمة الزقازيق، هما عنوانا هذا الجهاز، بعد القبض على عبد الرحمن فهمي (أحد قادة الثورة)، في آخر آيار/مايو سنة 1920، واختيار سعد زغلول للدكتور أحمد ماهر خلفاً له في رئاسة الجهاز.

وبحسب مصطفى أمين، في مؤلفه "الكتاب الممنوع أسرار ثورة 1919"، كانت تعليمات سعد زغلول ترسل بالشفرة وبالرموز وباليد من منفاه في قلعة جبل طارق إلى مكتب قاضي محكمة بني سويف، ثم إلى الآخر في محكمة الزقازيق، لافتاً إلى أن "القاضي كان سعيد بك زغلول، ابن شقيقة سعد زغلول، وقد تبناه هو وشقيقته، بعد وفاة والديهما وهما طفلان، وكان سعيد يتلقى تعليمات سعد السرية، ويفك رموزها في غرفة القاضي، ثم ينقلها بخطة، ثم يسلمها بطريقة خاصة إلى الجهاز السري للثورة".

في المقابل، كان أحمد ماهر يبلغ "سعيد" بالمعلومات التي يريد إرسالها إلى سعد زغلول، فيترجمها بالشفرة، ويسلمها للرسول المجهول، فيسافر بها إلى جبل طارق، ويسلمها إلى الزعيم، مخترقاً الحراس والرقابة الشديدة والمخابرات البريطانية التي كانت تحيط بالمكان الذي اعتقل فيه الأخير بالليل والنهار.

بالطبع كانت هناك كلمات متفق عليها بين سعد زغلول، وابن شقيقته سعيد، أثناء نفيه، لكي يستطيع أحدهما فهم الآخر، وتفادي وقوع الرسائل في يد الإنجليز، وهو ما كشفه المؤلف بقوله: "عندما يطلب سعد قاموساً، فإن معنى ذلك أنه يطلب تفاصيل عن أعمال الجهاز السري، تكتب بالحبر السري على صفحات القاموس المطلوب، وكتاباً في النحو معناه أن تكتب تقارير داخل الكتاب عن النشاط السياسي في مصر وعملية نشر الدعوة، والحديث عن (الجو) إشارة إلى الأنباء عن اتجاهات سياسة بريطانيا نحو القضية المصرية، وعندما يطلب الاهتمام بالزراعة، فإنه يطلب معلومات عن المعتقلين السياسيين والمنفيين وحالتهم وروحهم المعنوية".

أما الزقازيق، وقبل ذلك بني سويف، فلم تكن في حاجة إلى استعمال هذه الكلمات؛ لأنها كانت تكتب الرسائل بماء البصل الموجود في مكتب القاضي، وكان سعد زغلول يحل هذه الرموز في جبل طارق بتمرير المكواة الساخنة على ورق القاموس أو كتاب النحو، وفقا لـ"أمين".

مغامرة "الأنصاري" وخداع الإنجليز

ويشير مصطفى أمين إلى أن التفكير في هذه الطريقة الغريبة، بدأ أثناء نقل سعد زغلول من منفاه في جزيرة سيشيل بالمحيط الهندي، إلى منفاه في قلعة جبل طارق، فقد طلب الزعيم إرسال شخص يملي عليه تعليماته السرية من معتقله إلى قيادة الثورة في مصر.

ونقل "أمين" عن مذكرات الأستاذ محمد كامل سليم، السكرتير الخاص لسعد زغلول في ثورة 1919، قوله: "كانت الوحدة والعزلة في جبل طارق أشق على نفسه من جحيم سيشيل، فضلاً عن البعد عن إخوانه المنفيين، حينذاك طرأت عليه فكرة الخلاص من هذه العزلة، واستئناف جهاده".

تلخصت فكرة سعد زغلول في أنه أعاد إلى مصر خادمه المصري الوحيد، الذي صاحبه ومعه رسالة، أخفاها الأخير في حذائه ليوصلها إلى محمد كامل سليم، وأخبره الزعيم في خطابه أنه في حاجة قصوى إلى سكرتير خاص ليملي عليه رسائله وبرقياته، ويعتمد عليه في شؤونه الخاصة والعامة.

عقب إخباره بكم المتاعب التي من الممكن أن يلاقيها، قبل "الأنصاري" هذه المهمة الشاقة، وبعد أسبوع واحد استخرج رخصة الخادم بالجلابية، وكان في طريقه إلى جبل طارق، ومعه رسالة من "سليم" وقيادة الثورة إلى سعد زغلول

ويكشف محمد سليم في مذكراته تفاصيل هذه الرسالة السرية، فيقول: "قال سعد إنه طلب ذلك (أي سكرتير خاص) من الحاكم العام البريطاني في جبل طارق، فرفض، بناء على أمر الحكومة البريطانية.. ورجاني سعد أن أبذل قصارى جهدي، وأتحايل في اختيار سكرتير خاص له، ثم يسافر إلى جبل طارق في شكل خادم، بدل الذي عاد إلى مصر بحجة رغبته في رؤية زوجته وأولاده، وحذرني من أن السلطات البريطانية سوف ترفض حتماً من أختاره للسفر، لو ظنت أنه سكرتير لا خادم، ولذلك يجب الاحتياط للأمر غاية الاحتياط، وإلا فشل المسعى، وتعرضنا جميعاً لانتقام الإنجليز".

ظل "سليم" يبحث بين الشبان المتحمسين لمدة 20 يوماً، عسى أن يجد واحداً منهم يقبل هذه المهمة الخطيرة، وفي هذه الأثناء وصله تلغراف من سعد زغلول يرجوه خلاله أن يرسل له خادماً بأسرع ما يمكن، وهنا يؤكد: "فهمت غرض سعد زغلول.. وأخيرا تحدثت مع مساعدي الأستاذ محمد الأنصاري في هذا الموضوع، فلم يتردد في القبول فوراً".

وعقب إخباره بكم المتاعب التي من الممكن أن يلاقيها، قبل "الأنصاري" هذه المهمة الشاقة، وبعد أسبوع واحد استخرج رخصة الخادم بالجلابية، وكان في طريقه إلى جبل طارق، ومعه رسالة من "سليم" وقيادة الثورة إلى سعد زغلول.

والخميس 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1922، أرسل الأستاذ كامل سليم من القاهرة برقية قال فيها إنه عثر على سفرجي ممتاز يجيد الطهي اسمه الأنصاري، وكان سعد زغلول يعرفه ويعرف أنه من الشبان الوطنيين الممتازين، وأنه عضو في الجهاز السري للثورة، ولم يصدق الزعيم أن هذا ممكن، وكتب في مذكراته في اليوم التالي مباشرة: "ورد من كامل سليم أنه جارٍ اللازم في تسفير الأنصاري إلى هنا، آخر هذا الشهر، فهل يؤذن له؟ أشك في هذا!".

ووضع "زغلول" خطاً تحت جملة: "هل يؤذن؟ أشك في هذا"؛ إذ لم يتصور أن محمد الأنصاري يستطيع خداع السلطة العسكرية البريطانية ويتنكر في زي سفرجي.

والثلاثاء 19 كانون الأول/ديسمبر 1922، كتب سعد زغلول في مذكراته: "حضر الأنصاري أمس"، ويؤكد مصطفى أمين أنه "على إثر وصول الأنصاري تحولت القلعة التي فيها سعد زغلول إلى مركز قيادة يعمل بالليل والنهار"، وظل في خدمته سكرتيراً خاصاً وخادماً أميناً حتى أفرج عن الأخير".

الإفراج عن سعد زغلول لسوء صحته

تحت ضغط الحركة الشعبية في مصر، واستمرار المواجهة ضد الاحتلال، أصدرت الحكومة البريطانية قرارها بالإفراج عن سعد زغلول في 27 آذار/مارس 1923، وتم تنفيذه في 30 من الشهر ذاته، وتوجه الزعيم إلى فرنسا للاستشفاء، بحسب عماد أبو غازي في مؤلفه "حكايات الثورة والثوار 1919".

ويوضح عباس العقا في كتابه المعنون بـ"سعد زغلول زعيم الثورة"، أن الحكومة البريطانية قالت في بلاغها: "إن الطبيب المعالج لزغلول باشا قرر أن (تغيير نظام الحياة والاستحمام بالمياه المعدنية في أوروبا ضروريان لصحة الباشا، ولهذه الأسباب قررت الحكومة بعد استشارة المندوب السامي أن تفرج عنه من جبل طارق)".

ويؤكد "العقاد" أن الأسباب الصحية في الواقع من أقوى الأسباب التي حملت الحكومة البريطانية على قرار الإفراج عن سعد، خاصة أن أحد الأطباء ويدعى "موريسون"، زاره في الثاني والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، فرأى أن الحالة الصحية على جملتها مقلقة للسكر أو الزلال أو الأسيتون، وأخفى الخبر عن الزعيم فلم يطلعه على تقريره المفصل بعد كتابته، متفادياً إزعاجه.

وظل سعد زغلول في فرنسا منذ الإفراج عنه، حتى صرحت الحكومة المصرية في 20 تموز/يوليو عام 1923، بإمكانية عودة جميع المبعدين، وفي 13 أيلول/سبتمبر أبحر الزعيم الوفدي من مرسيليا، فوصل إلى الإسكندرية في 17 من الشهر ذاته، ومنها إلى القاهرة في اليوم التالي.


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard