"اسألوني" و"أبناؤنا المنحرفون"... أمينة السعيد وذكريات ناشطات ثورة 19

الخميس 20 مايو 202105:00 م

حكاية جميلة، ورحلة مميزة ومؤثرة لفتاة صعيدية خاضت في مغامرة مثيرة عكس اتجاه الريح، لتنجح في فتح الطريق لعشرات الآلاف من الفتيات بعدها، في القتال من أجل حقهن في التعليم وفي النجاح.

لم يكن نجاح السيدة أمينة السعيد عادياً، فقد نجحت الفتاة القادمة من أسيوط بأن تحلق مع رياح الحرية التي أطلقتها ثورة 1919 في نفوس المصريين، لتشق طريقها في التعليم، ومن ثم في بلاط صاحبة الجلالة، لتصبح علامة مسجلة في تاريخ الصحافة العربية، وفي مسيرة النضال النسوي من أجل الحرية، وتفتح صفحات مجيدة، ومضيئة باسم "سيدة الصحافة العربية" يستعيدها رصيف22 في الذكرى الـ 111 لميلادها.

أولى فتيات الجامعة

ولدت أمينة السعيد في مثل هذا اليوم 20 أيار/مايو عام 1910 بمدينة أسيوط في الصعيد، وعاشت طفولتها وسط مجتمع أسيوط المغلق، في الوقت الذي كان نضال الحركة النسوية المصرية قد بدأ مع السيدة هدى شعراوي.

 وجدت نفسها في بداية حياتها تطير على أجنحة الحرية رغم انغلاق المجتمع المصري، كانت صدمتها كبيرة في نهايات العمر، هذه المرة في مواجهة المد الأصولي الإسلامي

جاءت ثورة 1919 لتفتح الطريق للأفكار التنويرية في اختراق المجتمع المصري، وطرح تأثيرات فاعلة في حياة المصريين، بعد نجاح أفكار تلك الثورة في الدخول لكل بيت.

كان والدها الدكتور أحمد السعيد، الذي يعمل في مجال الطب، صاحب رأي حر، وكان يأمل أن يكون طريق أبنائه إلى التعليم أسهل من طريقه هو، فساعد ذلك في دعم رغبة أمينة السعيد في مواصلة مشوار تعليمها، وعندما بلغت الرابعة عشرة من عمرها، انضمت إلى الاتحاد النسائي، الذي كان منصة هامة للدفاع عن الحريات وحقوق المرأة، لذلك عندما جاء عام 1931، كانت أمينة السعيد ضمن أول دفعة من الفتيات تلتحق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً).

الطريق الصعب

لم يكن طريق الفتاة المصرية للحصول على الحق في التعليم سهلاً في تلك المرحلة، لذلك فإن مغامرة أمينة السعيد، الفتاة القادمة من أسيوط (400 كم جنوب القاهرة) لم تكن سهلة، ولم تنجح أغلب الفتيات المصريات في هذا الجيل، في أن يحصلن على حقهن في التعليم، ولكن بعضهن نجحن في ذلك بعد أن فتحت أمينة السعيد، ورفيقاتها الطريق بجرأتهن.

يتذكر الروائي المصري نعيم صبري في حديثه لرصيف22 ذكرياته مع والدته، التي تنتمي لنفس الجيل (ولدت عام 1912) وقتالها من أجل التعليم، بعد دخول أول دفعة فتيات للجامعة المصرية، قائلاً: "كافحت أمي لتتعلم تعليماً عالياً، ولتعمل متى كانت قادرة على العطاء، كانت أمي مع عائلتها فى الخرطوم بالسودان لظروف عمل والدها، ولم يكن هناك تعليم ثانوي، فأصرت على الالتحاق بمدرسة السنية الثانوية للبنات بالقاهرة في القسم الداخلي، وكانت تسافر بمفردها فى بداية العام الدراسي لتلتحق بالدراسة".

ويضيف: "استقلت والدتي الباخرة حتى وادي حلفا، ثم القطار للقاهرة، وهي صبية، وكانت تعود بمفردها أيضاً كل إجازة صيف لتقضيها مع أسرتها، عادت إلى الأسرة بعد حصولها على شهادة البكالوريا المناظرة للثانوية العامة، وكان أبوها لا يعمل وقتها، فاضطرت للعمل لتتحمل مسؤولية الأسرة، وعندما تم إنشاء معهد الخدمة الاجتماعية، وهي تعمل موظفة بمصلحة التليفونات، التحقت به انتساباً وهي تعمل".

ويكمل: "حصلت على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية، وترقت للعمل بوزارة الشؤون الاجتماعية، كما عملت بالعمل الأهلي إلى جانب عملها الأصلي في جمعية الهلال الأحمر المصري، وشاركت في محاربة وباء الكوليرا في الصعيد رغم زواجها وإنجابها، وقد تركت أسرتها لتقيم فترة طويلة بالصعيد مع سيدات الهلال الأحمر المصري لمواجهة الوباء، واستمرت في مسيرتها مع العمل الأصلي والتطوعي حتى سن المعاش".

طريق النور

لم تكن والدة الروائي نعيم صبري فقط، هي التي سارت على درب أمينة السعيد، بل كان هناك الكثير منهن، وكانت قوة أمينة السعيد وإصرارها ونجاحاتها المتتالية وقوداً يدفعهن لمحاولة إزاحة الجدار، وكسر الحواجز المحيطة بحرية المرأة، وحقها في التعليم والعمل.

أصبحت أمينة السعيد أول فتاة مصرية تعمل في الصحافة، وذلك في بدايات الثلاثينيات من القرن الماضي، بعد أن بدأت عملها مبكراً كمتدربة، وهي ما زالت في مرحلة الدراسة الجامعية. نجحت أمينة السعيد في التشبع بروح صعود الشخصية المصرية ما بعد ثورة 19، وعندما واتتها فكرة التمثيل وهي طالبة، فعلتها بلا تردد رغم رفض والدتها، وشاركت في مسرحية "المرأة الحديدية" لتوفيق الحكيم، وغيرها.

نضجت أمينة السعيد سريعاً في رحاب "كلية الأداب"، التي كان عميد الأدب العربي طه حسين على رأس أساتذتها، كما نجحت في تكوين خبرة سريعة بالعمل الصحافي أهلتها لصعود سريع، بعد أن تنقلت بين العديد من المجلات خلال فترة الجامعة، منها "الأمل، كوكب الشرق، آخر ساعة، والمصور".

بعد تخرجها عام 1935 التحقت في دار الهلال، حيث مجلتا "المصور" و"الهلال"، أعرق المجلات العربية، لتبدأ مسيرتها المظفرة في الصعود لقمة الصحافة المصرية والعربية، وكان دفاعها عن المساواة بين الرجل والمرأة هو الخط الأساسي لكتاباتها المواكبة للتغيرات، والتطلعات آنذاك.


رائدة صحافة المرأة

تخصصت أمينة لسنوات في صحافة المرأة حتى اعتبرت رائدة صحافة المرأة العربية، إلا أن خبراتها في الكتابة السياسية والاجتماعية خطفت الأنظار، اشتهرت بباب "اسألوني"، الذي فتح لها نجاحه الطريق لتحقيق المزيد من النجاحات في ساحة الإذاعة وغيرها، والغريب أن الفتاة التي وجدت نفسها في بداية حياتها تطير على أجنحة الحرية رغم انغلاق المجتمع المصري، كانت صدمتها كبيرة في نهايات العمر، عندما وجدت نفسها مضطرة لحملات جديدة من أجل المرأة المصرية، ولكنها هذه المرة في مواجهة المد الأصولي الإسلامي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والذي تواكب مع عودة الكثير من العاملين المصريين في الخليج إلى مصر.

أبلة نظيرة نقولا وبهية عثمان لعبتا دوراً هاماً في تطوير المطبخ المصري، وإقبال حجازي ودولت الصدر لعبتا دوراً بارزاً في تأسيس ثقافة الاقتصاد المنزلي للمرأة العصرية، أما أمينة السعيد فقد لعبت الدور ذاته في تأسيس صحافة نسائية

كل تلك التحديات لم تعرقل "المرأة الحديدية" عن دورها وتطلعاتها فواصلت طريقها لحصد المزيد من النجاحات، فأصبحت أول سيدة تترأس تحرير مجلة "حواء" التابعة لدار الهلال، حتى ارتبط اسم المجلة باسمها، خاصة بعد نجاحات "حواء" الكبيرة في عهدها، إذ كان معدل توزيعها نحو 175 ألف نسخة، وبقيت المجلة حتى الآن محتفظة بقدر واسع من الشعبية على خلفية نجاحات السعيد التاريخية، خاصة أن السيدة الموهوبة نجحت في تقديم صياغة جديدة لصحيفة المرأة، تهتم بالقضايا الجادة والحيوية، توازياً مع المواد التي تقدم نصائح الجمال ووصفات الطهو المعتادة في مجلات المرأة لعقود.

لذلك أصبحت أول امرأة مصرية وعربية تقود مؤسسة صحافية في التاريخ، وذلك عندما تولت رئاسة مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال الصحافية العريقة، بالإضافة لحصدها الكثير من الجوائز والتكريمات وعلى رأسها وسام الجمهورية من الطبقة الأولى.


سيدة الاختلاف

يقول السينمائي المصري حسام علوان لرصيف22: "هذا الجيل نشأ في أجواء تأسيسية بعد ثورة 1919 ودستور 1923، وتأثر بأفكار لها علاقة بفكرة الإحياء المصرية، وبالتالي كانت على النساء المتعلمات مسؤوليات كبيرة في تأسيس ثقافة نسائية، توائم المرأة المصرية وانشغالاتها، فأبلة نظيرة نقولا وبهية عثمان لعبتا دوراً هاماً في تطوير المطبخ المصري، وإقبال حجازي ودولت الصدر لعبتا دوراً بارزاً في تأسيس ثقافة الاقتصاد المنزلي للمرأة العصرية، أما أمينة السعيد فقد لعبت الدور ذاته في تأسيس صحافة نسائية تواكب تطلعات المرأة المصرية في مستقبل مختلف".

بهذا القدر من الاختلاف ومنذ تخرجها من قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب في الثلاثينيات، أصبحت مقالات أمينة السعيد مصدراً لإلهام الكثير من بنات جيلها، ولذلك حققت كتبها نجاحات جماهيرية، ومن أبرز إصداراتها: "وجوه في الظلام"، "مشاهدات في الهند"، "من وحي العزلة"، "الهدف الكبير"، "آخر الطريق"، "أبناؤنا المنحرفون"، بالإضافة لرواية "حواء ذات الوجوه الثلاثة"، و "الجامحة"، كما ترجمت كتاب "معجزة الحب" لباري كوفمان، وهو يناقش مرض التوحد، لتخفيف المعاناة عن المصابين به وعائلاتهم، ثم ترجمت كتاب "نساء صغيرات" للويزا ماي ألكوت في مجلدين، وهو الكتاب الذي ينقل معايشة لمعاناة النساء في ظروف الحرب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard