"تنطين نفسج تشتغلين متنطين تموتين من الجوع"... عن التحرش بالعراقيات في أماكن العمل

الخميس 18 أغسطس 202203:43 م

حين تقدمت أميرة الجابر (30 عاماً)، من بغداد وتعمل في مجال الإعلام، للعمل في مؤسسة إعلامية أهلية في العاصمة العراقية، تمّ الترحيب بها وتكليفها ببرنامج من إعدادها وتقديمها. عملت أميرة على إنتاج برنامجها، وقبل أن يتم إطلاقه بأيام معدودة، استدعاها مموّل المؤسسة الإعلامية ذات السلطة الدينية المستمَدة من والده.

تقول الجابر لرصيف22: "كان العرض كالتالي: سجادة نعيم ستُفرش أمامي، من بيت وسيارة مقابل أن أكون إحدى محظياته السرّيات، ومن ضمن شروط العرض سيكون لي عمل مستمر في القناة. كان ردي نابعاً من الاعتماد على إمكاناتي في العمل وليس أي شيء آخر، وبالمثل العراقي ‘مو كل طير يتاكل لحمه’".

لاحقاً، رفعت الجابر قضيةً على المتحرش بعد أن تم طردها من العمل ورفض المؤسسة إعطاءها حقوقها المادية، في حين أن الجاني/ المتحرش لم يتم التعرّض له بأي كلمة على ما فعله معها، كما تقول.

يد التحرش طويلة

ما كل الضحايا/ الناجيات في مقدورهن أن يبادروا إلى الحديث علانيةً وفضح المتحرشين. هدى (اسم مستعار، 28 عاماً) من بغداد، تخاف من الوصمة الاجتماعية التي تنتظرها في حال تكلمت باسمها الحقيقي عمّا حصل معها. تروي لرصيف22، ما تعرضت له في عملها كموظفة حكومية في إحدى دوائر الدولة التابعة لوزارة الصحة، وتقول: "منذ أوّل يوم عمل لي، كان مديري (الذي ينتمي إلى حزب في السلطة)، يضايقني باستمرار، على مدى أيام وشهور، وأنا أصده وأطلب منه بكل احترام أن يكفّ عن هذه الأساليب".

كان العرض كالتالي: سجادة نعيم ستُفرش أمامي، من بيت وسيارة مقابل أن أكون إحدى محظياته السرّيات، ومن ضمن شروط العرض سيكون لي عمل مستمر 

تضيف: "في أحد الأيام استدرجني إلى غرفته بعد أن أخبرني بأنه يريد أن يتحدث معي عن عملي، وما أن دخلت حتى أقفل الباب بالمفتاح وكان الوقت قبيل نهاية الدوام بقليل. همس في أذني أنه يريد التحدث معي فجلست على الأريكة التي تتسع لشخصين، وإذ به يجلس بجانبي وعلى الفور أدخل يده تحت قميصي وقام بشدي نحوه متجاهلاً توسلاتي ‘أستاذ استر عليي الله يخيلك’".

لم يتوقف المدير. غرز أسنانه في جسد هدى التي لم تستطع أن تنطق بحرف. تقول: "أفكاري أخفت صوتي، وبدأت أفكر إن صرخت ماذا سيحدث لي؟ وكيف ستكون سيرتي في طوابير الصباح والأخبار العاجلة بين الموظفين؟ وفي مسدس أخي الذي يُشهره في وجهي إن أنا غيّرت كحلتي، فماذا سيفعل إن سمع أن مديري يتحرّش بي ويعتدي عليّ؟".

كانت هدى في يد مديرها كالفريسة والاستسلام طريقها الوحيد. بعد دقائق تركها مديرها لتزرر قميصها وتبدأ من بعدها رحلة المساومات خصوصاً أنه أخبرها بأنه قام بتصوير ما حصل. لكنها لم ترضخ له. تروي هدى: "تشجعت ورفضت لاحقاً كل ما يطلبه وكل محاولاته لاستدراجي، وكان يردّ بتوبيخي وإهانتي إلى أن أتت موظفة جديدة على علاقة به، فهرعت مقدمةً طلب نقلي وبينما كان يوقع عليه، أخبرني بأنني مجرد قمامة تم رميها في سلة نفاياته، وحلت محلي أنثى لن تتمنع وستكون محظيةً ومدللةً".

المتعة مقابل العمل

مينا (اسم مستعار)، تبلغ من العمر 20 عاماً، من بغداد السيدية، أنهت مسيرتها الدراسية وتهيأت للعمل من أجل مساعدة والدتها المريضة والتكفل بمصروف شقيقتها الأصغر منها. في كل مرة تجد فيها عملاً كانت تتم مقايضتها؛ الجنس مقابل الاستمرار أو مقابل الحصول على الوظيفة.

استمر الواقع على هذا الحال حتى أتتها فرصة عمل في معمل خياطة ومحل لبيع ملابس نسائية تديره امرأه خمسينية في حاجة إلى عاملة. راسلت المعمل وكانت صاحبة العمل تملك متجراً لبيع الملابس، تقول: "تم قبولي وبدأت بالعمل، وبعد أيام اتصلت بي تسألني لماذا لم آتي إلى الدوام، فأخبرتها بأن والدتي بصحة سيئة، وبعد قليل رأيتها آتيةً إلى منزلنا ومعها أكياس الطعام، وحين شاهدت حالة منزلنا المتهالك قالت جملتها التي حولت حياتنا: ‘ولا لحظة تبقين بهذا البيت’".

وتضيف: "انتقلنا إلى بيت جديد، وبدأت أموري المادية بالتحسن، وفي يوم من الأيام طلبت مديرتي من والدتي أن أنام بصحبتها ليلةً، ووالدتي وافقت على الفور، وحين وصلت إلى منزلها طلبت مني تغيير ملابسي وأن أرتدي ملابس النوم بحجة أنها بضاعة جديدة، وبينما أنا على المرآة بدأت بلمس صدري ووضع سبابتها على شفتيّ، استغربت قليلاً وبدأت أبتسم مستغربةً التصرف".

أفكاري أخفت صوتي، وبدأت أفكر إن صرخت ماذا سيحدث لي؟ وكيف ستكون سيرتي في طوابير الصباح بين الموظفين؟ وفي مسدس أخي الذي يُشهره في وجهي إن أنا غيّرت كحلتي، فماذا سيفعل إن سمع أن مديري يتحرّش بي ويعتدي عليّ؟

تُكمل مينا سرد ما حصل معها: "همست لي بأنها تعشقني وتنتظر هذه اللحظة وتخطط لها منذ زمن، كان لساني يتلعثم واستغرابي من الموقف شلّ كل حركتي، لأكتشف أنها ترتدي قضيباً ذكرياً فدفعتني نحو السرير وأنا أحاول أن أقاوم لكنها كانت أقوى منّي وحجمها يوازي ضعفي. لقد اغتصبتني وفضّت بكارتي وأنا في السرير أبكي ولا أعرف ما الذي حلّ بي. استيقظت في اليوم التالي وجسمي مخدر من البكاء وقلّة القدرة، وإذ بها تدخل الغرفة مع الفطور ونادتني بزوجتي ثُمّ رمت صيغتها من الذهب عليّ وقالت هذا مهرك".

وعدت صاحبة العمل مينا بمنحها أسهماً في العمل في حال أطاعتها وتكتمت على ما تريده منها. استمرّت مينا في العلاقة مع المرأة لثلاث مرّات وتمكنت خلال هذه الفترة من جمع بعض المال لتهرب لاحقاً مع أمها إلى محافظة أخرى حيث فتحت محلاً صغيراً للخياطة. تقول بلهجتها العراقية: "جسمج مقابل العمل بكل مكان، تنطيين نفسج تشتغلين متنطيين تموتين من الجوع".

وفي التعليم والتربية

ترد للمحاكم العراقية قضايا وشكاوى عدّة عن حالات التحرش لكن غالباً هذه الدعاوى تنتهي بالصلح والتراضي وأحد الأسباب يرجع إلى الصلح العشائري

تتشابه شهادتا كُل من سهى ولمياء، وكلتاهما تعملان في القطاع التعليمي. فسهى تعمل في التربية كمعلمة ابتدائية في الرصافة، ولمياء في جامعة المستنصرية في بغداد، وهما على وشك أن تطرقا باب الأربعين. تقول سهى إن مديرها يستغل كل فرصة ليتحرّش بها ويرفض السماح لها بأن تنتقل إلى مدرسة أخرى. لم تستطع أن تبوح لعائلتها بما تتعرض له، لأن جوابهم سيكون أنها هي السبب في هذا الأمر كونها تُقلّم أظافرها وترتدي ملابس براقةً وأنيقة.

من جهتها، تروي لمياء أنها تعرضت للكثير من التحرش من مسؤولها المباشر في الجامعة إلى حد الاعتداء عليها في أكثر من مرة من دون أن يستطيع أن يُكمل فعلته إلى النهاية، بسبب مقاومتها. تقول: "بحت بالموضوع لشخص مهم في الجامعة طالبةً منه أن يوقف مديرها عن مضايقتها، فكان عذر مديرها أنه يمتلك فطرةً بشريةً وأن سبب ما يقوم به هو قميصي الأحمر والعطر الذي أضعه".

لم تستطع أي منهما أن تتخلص من كمّ التحرّش المستمر الذي تتعرضان له. لكنهما تقاومان ولا تزالا حتى اليوم بالرغم من أنهما مقتنعتان بأنه في العراق لا سبيل لأن تتخلصا من كُل هذه الذكورية المحيطة بهما. سهى قررت بعد إصابتها بالشقيقة والقولون العصبي فضلاً عن الأمراض النفسية، أن تطلب إجازةً من دون راتب مدتها سنة كاملة، وبعد العودة انتقلت إلى مدرسة بعيدة جداً عن مكان إقامتها المنزلية. أمّا لمياء فهي حالياً في إجازة مرضية وتجهل ماذا ستفعل إن عادت إلى العمل مرةً أخرى.

بعض الإعلاميات اللواتي يظهرن على قنوات محلية ليتباهين بنثر الهدايا الفارهة عليهنّ مقابل ليلة حمراء مع مدير القناة أو صاحبها وهن مستمرات في تقديم مادة إعلامية هابطة، هنّ أحد أسباب الترويج للتحرّش الجنسي في مكان العمل

ريا (اسم مستعار)، طالبة جامعية في جامعة الموصل تبلغ من العمر 20 عاماً، طلب منها أستاذها ومدير القسم إقامة علاقة غير شرعية، وبعد الرفض تفاجأت بالفصل لمدة شهر بسبب عدم التزامها بالزي الرسمي، وهذا الفصل تُجرى خلاله الامتحانات النهائية، فقد كانت حركته الانتقامية سيئةً للغاية، وشبح الرسوب أصبح حقيقةً .

أسباب ازدياد التحرش

تقول الباحثة المجتمعية ريا الخفاجي، بناءً على عملها على رصد حالات التحرش الجنسي في أثناء أوقات العمل، إن "بعض الإعلاميات اللواتي يظهرن على قنوات محلية ليتباهين بنثر الهدايا الفارهة عليهنّ مقابل ليلة حمراء مع مدير القناة أو صاحبها وهن مستمرات في تقديم مادة إعلامية هابطة، هنّ أحد أسباب الترويج للتحرّش الجنسي في مكان العمل، الذي يكاد يكون ظاهرةً لا سيما في ظل غياب الرقابة الحكومية".

وتضيف في حديثها إلى رصيف22: "غالبية الشكاوى التي رُفعت على مديرين، سواء في القنوات أو المؤسسات الأخرى، هي شكاوى بلا جدوى، قد يخرج منها المدير من دون عقاب، بل يقع الضرر على الضحية، فأغلب شهادات من استمعت إليهن، ورد فيها أنهن رفعن شكاوى مرفقةً بإثباتات عن التحرش، لكن لم يتم توجيه أي تهمة إلى الجناة بل خرجوا من قضايا التحرش كالشعرة من العجين".

وتشير إلى أن "إفلات المتحرشين من العقاب هو أحد العوامل المهمة التي تلعب دوراً أساسياً في انتشار الظاهرة، والحلول لن تكون إلا عبر قانون رادع للمتحرشين، وقيام ورش تشجع الناجيات على رفع شكاوى في المحاكم العراقية".

هناك عبء على النساء في إثبات التحرش، فلا بد أن تحضر مقطعاً صوتياً أو مصوراً أو محادثات، وهذا في حد ذاته خادش للحياء بالنسبة إلى مجتمعنا العراقي

الإحصائيات والقانون

في عام 2020، قام الصحافي الاستقصائي أسعد زلزلي، بدراسة حول التحرش بالإعلاميات في أثناء العمل، شاركت فيها مئة صحافية وإعلامية مارسن المهنة في مختلف المحافظات العراقية، وكانت النتيجة تعرض ما يقارب 90 في المئة ممن شملهن الاستبيان للتحرش، و67 في المئة لتحرش لفظي و22 في المئة للتحرش الجسدي.

وتقول المحامية زينب محمد لأوي، إن "عقوبة التحرش في القانون العراقي موجودة، إذا تضمّن استخدام القوة أو التهديد، ويحاسب عليه القانون وفق المادة 396 من قانون العقوبات بالسجن 7 سنوات وتشدَّد العقوبة إلى 10 سنوات إذا كان المجني عليه/ ا دون الـ18 سنةً"، لافتةً إلى أنه "في بعض الدول مثل أمريكا، تكون عقوبة مثل هذه الظاهرة المؤبد".

وتضيف: "هناك عبء على النساء في إثبات التحرش، فلا بد أن تحضر مقطعاً صوتياً أو مصوراً أو محادثات، وهذا في حد ذاته خادش للحياء بالنسبة إلى مجتمعنا العراقي"، مشددةً على ضرورة الرقابة على المؤسسات الأهلية.

في المقابل، من الثابت في العراق أن معظم القضايا التي يبتّ فيها القانون تتدخل فيها العشائر ليتم حل القضية بمبلغ مادي تقرره العشيرة الأخرى، ويذكر الموقع الإلكتروني لمجلس القضاء الأعلى، في تقرير أورده في 15 أيلول/سبتمبر عام 2019، عن قاضي محكمة تحقيق الكرخ في بغداد، سيماء نعيم هويم، قولها إن "المحاكم ترِدها قضايا وشكاوى عدّة عن حالات التحرش لكن غالباً هذه الدعاوى تنتهي بالصلح والتراضي وأحد الأسباب يرجع إلى الصلح العشائري وكون المجتمع العراقي مجتمعاً محافظاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard