"قطّعوا جسدي وصبوا عليه البنزين وأحرقوني"...معاناة مجتمع الميم-عين في العراق

الأربعاء 23 مارس 202202:37 م

يواجه أفراد مجتمع الميم-عين في جميع أنحاء العراق عنفاً روتينياً حقيقياً، يختلف عن العنف اللفظي والنبذ الاجتماعي، إذ تختطف الجماعات المسلحة وتغتصب وتُعذّب وتقتل المثليين/ات ومزدوجي/ات التوجه الجنسي ومتغيّري/ات النوع الاجتماعي دون عقاب، وتعتقلهم الشرطة وتمارس ضدهم كل أشكال العنف في ظل تقاعس حكوميّ لافت، وربما استحسان مضمر بما يجري من عقوبات متوافق عليها بين القوى السياسية المختلفة"، هذا باختصار ما وثّقه تقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش، بالتعاون مع منظمة عراق كوير، بناء على 54 مقابلة مع أفراد من مجتمع الميم-عين العراقيين.

"الكل يريدني نموت"

يوثق التقرير الصادر في 86 صفحة، بعنوان "الكل يريدني نموت:" أعمال القتل والاختطاف والتعذيب والعنف الجنسي ضد مجتمع الميم-عين على يد الجماعات المسلحة في العراق، وحالات العنف والتمييز الذي يواجهها أفراد هذا مجتمع من قبل الجهات الحكومية وغير الحكومية، على أساس تعبيرهم الجندري وتوجههم الجنسي، ويوثق محاولات القتل التي تعرضوا لها على أيدي جماعات مسلحة تابعة لـ"قوات الحشد الشعبي" والتي تخضع اسمياً لسيطرة رئيس الوزراء.

أثبتت هيومن رايتس ووتش في تقريرها حالات اختطاف وقتل خارج نطاق القضاء، عنف جنسي واستهداف على الإنترنت لأفراد من مجتمع الميم-عين على يد الشرطة والجماعات المسلحة. وخلُص التقرير إلى أن الحكومة العراقية، والتي يُفترض أن تكون مسؤولة عن حماية حقوق مجتمع الميم-عين في الحياة والأمن، تقاعست عن محاسبة المسؤولين عن العنف.

في لقاء مع رصيف22، قالت رشا يونس، الباحثة في برنامج حقوق مجتمع الميم-عين في هيومن رايتس ووتش: "على مدى الأشهر الستة الماضية، قابلتُ 54 عراقياً من مجتمع الميم-عين مرّوا بأعمال عنف مروّعة على يد الجماعات المسلّحة والشرطة العراقية. ولاحظت أنّ أفراد مجتمع الميم-عين في العراق يواجهون خطراً أكبر من غيرهم من أفراد مجتمع الميم-عين المتواجدين في باقي الدول العربية، لأنهم يشعرون أنّهم مجبرون على إخفاء هويتهم الجنسية للبقاء على قيد الحياة في العراق".

يواجه أفراد مجتمع الميم-عين في جميع أنحاء العراق عنفاً روتينياً حقيقياً، يختلف عن العنف اللفظي والنبذ الاجتماعي، إذ تختطف الجماعات المسلحة وتغتصب وتُعذّب وتقتل المثليين/ات ومزدوجي/ات التوجه الجنسي ومتغيّري/ات النوع الاجتماعي دون عقاب

أضافت يونس: "يعيش هؤلاء الأفراد خوفاً دائماً من مطاردتهم وقتلهم من قبل الجماعات المسلحة، فضلاً عن الاعتقال والعنف من قبل الشرطة العراقية، ما يجعل حياتهم لا تُطاق".

عنف مسؤولي الأمن وجرم الأعمال المخلة بالحياء

وصف أفراد مجتمع الميم-عين العراقيين الذين تمت مقابلتهم، اعتقالات وعنفاً روتينياً على أيدي مسؤولي الأمن، الذين اعتدوا عليهم لفظياً وجسدياً، واعتقلوهم واحتجزوهم بشكل تعسفي.

وأبلغ أفراد مجتمع الميم-عين عن تعرضهم لانتهاكات خلال الاحتجاز، بما في ذلك الحرمان من الطعام والمياه، أو الحق في التواصل مع محام أو أفراد الأسرة، أو الحصول على الرعاية الطبية، كاشفين إن الشرطة أجبرتهم على توقيع تعهدات تفيد بأنهم لم يتعرضوا للانتهاك.

في هذا الصدد، وجدت كل من هيومن رايتس ووتش ومنظمة "عراق كوير"، أنّ قدرة واستعداد مجتمع الميم-عين للإبلاغ عن الانتهاكات التي يتعرضون لها إلى الشرطة، أو تقديم شكاوى ضد الموظفين، يُعوقها أحكام "الأخلاق" الفضفاضة التعريف في قانون العقوبات العراقي، وغياب أنظمة وتشريعات الشكاوى الموثوقة لحمايتهم من التمييز، وهو ما خلق بيئة يمكن فيها للجهات الحكومية المسلحة، بمن فيهم الشرطة، أن تسيء إلى أفراد مجتمع الميم-عين دون عقاب.

"قطّعوا جسدي وصبوا عليه البنزين وأحرقوني"

كان لافتاً لدى معظم الذين أُجريت مقابلات معهم، أنهم تعرضوا لعنف شديد مرة واحدة على الأقل من قبل قريب ذكر بسبب توجههم الجنسي أو هويتهم وتعبيرهم الجندريَّين.

شمل هذا العنف الحبس في غرفة لفترات طويلة؛ الحرمان من الطعام والماء؛ التعرض للحرق، الضرب، الاغتصاب، الصعق بالكهرباء، الهجوم تحت تهديد السلاح، التعرض لممارسات العلاج التحويلي والعلاج القسري بالهرمونات؛ التعرض للزواج القسري وإجبارهم على العمل لساعات طويلة دون مقابل.

"طلّعو (أخرجوا) شفرة حلاقة ومفك براغي وبدو يقطعوني ببوري حديد (أداة معدنية حادة) على كل جسمي، خاصة منطقة الورك والرجل والأفخاذ. بعدين ذبو (سكبوا) حوالي خمس لترات من البنزين على كل جسمي ووجهي وبقيت احترك (أحترق) من النار"

ومن ضمن الشهادات التي ورد ذكرها في التقرير، تحدثت امرأة عراقية متغيّرة النوع الاجتماعي (ترانس، 31 عاماً) إنها كانت في طريقها إلى المنزل من العمل في فبراير/شباط 2021، عندما أوقفها ستة رجال في سيارة من طراز "هامر" مظللة النوافذ، بجوار مكب للنفايات في بغداد: "طلّعو (أخرجوا) شفرة حلاقة ومفك براغي وبدو يقطعوني ببوري حديد (أداة معدنية حادة) على كل جسمي، خاصة منطقة الورك والرجل والأفخاذ وبدو يشرّحوا جسمي بأداة حادة. بعدين ذبو (سكبوا) حوالي خمس لترات من البنزين على كل جسمي ووجهي وبقيت احترك (أحترق) من النار".

ووصف رجل مثلي (27 عاماً) من بغداد كيف تعرض صديقه للتعذيب على يد أربعة أعضاء من جماعة مسلحة أمامه، في مايو/أيار 2020: " قتلوه بالسلاح بخمس طلقات نارية".

يوثق التقرير اعتداءات ضدّ مجتمع الميم-عين في العراق تتضمن: 8 عمليات اختطاف، 8 محاولات قتل، 4 عمليات قتل خارج القضاء، 27 حالة عنف جنسي، 45 تهديدا بالاغتصاب والقتل و42 استهدافا عبر الانترنت

في ثماني حالات، كانت الانتهاكات على يد الجماعات المسلحة والشرطة، بما فيها الاعتقال التعسفي والتحرش الجنسي، ضد أطفال لا تتجاوز أعمارهم 15 عاماً.

يوثق التقرير اعتداءات ضدّ مجتمع الميم-عين في العراق تتضمن: 8 عمليات اختطاف، 8 محاولات قتل، 4 عمليات قتل خارج القضاء، 27 حالة عنف جنسي، 45 تهديدا بالاغتصاب والقتل و42 استهدافا عبر الانترنت.

وقد تمكن الكثيرون ممن تعرضوا للاعتداءات من تحديد الجماعة المسلحة المعتدية، وكانت الجماعات المتورطة في أخطر الانتهاكات هي: "عصائب أهل الحق"، "حشد العتبات"، "منظمة بدر"، "كتائب حزب الله"، مجموعة "ربع الله" و"سرايا السلام".

تعليقاً على هذه النقطة كشفت رشا يونس أنّ أفراد مجتمع الميم-عين، وبسبب الظروف القاسية التي تواجههم، حاول 30% منهم الانتحار مرة واحدة على الأقل.

الإجراءات المناسبة

المطلوب من السلطات العراقية اليوم، بحسب ما حددت هيومن رايتس ووتش، التحقيق في جميع التقارير المتعلقة بأعمال العنف التي ترتكبها الجماعات المسلحة أو غيرها ضد الأشخاص المستهدفين بسبب توجهاتهم الجنسية أو هوياتهم وتعبيراتهم الجندرية، الفعلية أو المتصورة، محاكمة المسؤولين محاكمة عادلة، معاقبتهم بشكل مناسب وإدانة كل هذا العنف علناً وصراحة.

كما على الحكومة اتخاذ جميع الإجراءات المناسبة لإنهاء التعذيب والاختفاء والقتل وغيرها من الانتهاكات المرتبطة بالتوجه الجنسي والهوية الجندرية، وتعويض الناجين/ات من الانتهاكات الجسيمة وأسر جميع ضحايا القتل على يد الجماعات المسلحة.

وعلى قوات الأمن العراقية الكف عن مضايقة واعتقال أفراد مجتمع الميم-عين على أساس توجههم الجنسي أو تعبيرهم الجندري وحمايتهم من العنف.

لم تبدِ الدولة العراقية أي استعداد لحماية هؤلاء الأشخاص والكثير من الجماعات المسلحة المشتبه بتورطها في الانتهاكات الموثقة في التقرير هي جزء من الدولة وهي تحت سيطرة رئيس الوزراء منذ العام 2016

وبدلاً من كل هذا العنف الممارس، على العراق طرح وتنفيذ تشريعات مناهضة للتمييز على أساس التوجه الجنسي والهوية الجندرية.

وينبغي للدول التي تقدّم المساعدات العسكرية والأمنية والاستخباراتية للعراق، بما فيها الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، ألمانيا وفرنسا، حثّ السلطات العراقية على التحقيق في مزاعم الانتهاكات على يد الجماعات المسلحة والدور الذي تلعبه مساعداتهم في هذه الانتهاكات المزعومة، كما يتعيّن على هذه الدول تعليق المساعدات العسكرية والأمنية والاستخباراتية للوحدات المتورطة في هذه الانتهاكات، وشرح أي تعليق أو إنهاء للمساعدة العسكرية علناً.

في الختام، أشارت رشا يونس إلى أن "الدولة العراقية لم تبدِ أي استعداد لحماية هؤلاء الأشخاص والكثير من الجماعات المسلحة المشتبه بتورطها في الانتهاكات الموثقة في التقرير هي جزء من الدولة وهي تحت سيطرة رئيس الوزراء منذ العام 2016"، مشددة على أن خسارة أفراد مجتمع الميم-عين لحياتهم ستتواصل "إذا لم توقف الحكومة العراقية العنف وتضع حداً لثقافة الإفلات من العقاب المنتشرة في البلاد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard