في العراق... المؤسسات الرسمية تمارس العنف على أساس النوع الاجتماعي

الثلاثاء 24 مايو 202203:00 م

تندرج هذه المقالة ضمن "طيف22"، وهو مشروع مخصص لالقاء الضوء على التنوعات والاختلافات الجنسانية والجندرية والجسدية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يشارك فيه صحفيون وصحفيات، ناشطون وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمون لهم/نّ، ليكون مساحة للتعبير بحرية عن مختلف المواضيع المتعلقة بالتوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، بغرض كسر التابو والحديث بموضوعية عن هذه المسائل الشائكة.

لا يمكن استثناء المؤسسات الرسمية في العراق من العنف الموجه ضد النساء وحصرهنّ في أدوار اجتماعية، حسب قوانين دينية وعشائرية معيّنة.

للأسف هنالك سلطة تمارس ضدهنّ في كل مكان، تتجاوز سلطة العائلة والمجتمع، بحيث يتم التعامل معهنّ على أساس أنهنّ "تابعات" وليس كأفراد مستقلين، شأنهنّ شأن الرجال.

ماذا لو انقلبت الأدوار؟

في حديثها مع رصيف22، كشفت منى كريم (24 عاماً) من بغداد، أن موظف الجوازات طلب منها إحضار تأييد من مسؤول المنطقة التي تسكن فيها لإثبات أنها نفس الشخص في بطاقتها الشخصية، وذلك لكونها لم تكن ترتدي الحجاب عند ذهابها لاستخراج وثيقة سفر: "كما طلب مني تغيير البطاقة الشخصية بصور تطابق هيئتي الحالية بدون الحجاب... على الرغم من أن وجهي هو نفسه في صورة البطاقة والواقع"، وفق تأكيدها.

"ماذا لو انقلبت الأدوار وكانت المرأة تستخدم صوراً مغايرة في الهويات والأوراق الرسمية وارتدت الحجاب في وقت لاحق، هل سيتجرّأ أي موظف على إرغامها على خلع الحجاب ومطالبتها بإرفاق صور بدون الحجاب مع أوراقها من اجل إتمامها، أم أن هذا نوع من أنواع العنف الموجه ضد النساء"؟

بدورها، تساءلت علياء محمد (23 عاماً) وهي مهندسة من جنوب العراق: "ماذا لو انقلبت الأدوار وكانت المرأة تستخدم صوراً مغايرة في الهويات والأوراق الرسمية وارتدت الحجاب في وقت لاحق، هل سيتجرّأ أي موظف على إرغامها على خلع الحجاب ومطالبتها بإرفاق صور بدون الحجاب مع أوراقها من اجل إتمامها، أم أن هذا نوع من أنواع العنف الموجه ضد النساء اللواتي لا تلائم ملابسهنّ أخلاقيات المؤسسات الذكورية في البلاد؟".

في الحقيقة، أصبحت هذه السلوكيات أحد أشكال العقاب للنساء بتهمة التخلي عمّا يعتبره البعض "بوصلة" المجتمع الأخلاقية وهي الحجاب، فيتم التعامل معهنّ على أنهن مشتبه بهنّ، بينما تتعرض أخريات للابتزاز الجنسي والمادي من قبل موظفي الدولة من الذكور، خاصة الأرامل والمطلقات والنازحات، أثناء محاولتهنّ الحصول على الإعانات أو الأجور الشهرية.

ممارسات غير قانونية

سهى أحمد (26 عاماً) من البصرة جنوب العراق، قالت لرصيف22 إنها اضطرت قبل سنوات لارتداء الحجاب بسبب التطرف الديني الذي شهدته مدينتها، لذلك أصدرت بطاقتها الشخصية بالحجاب، وبعدها انتقلت إلى مدينة أخرى حيث خلعت الحجاب، إلا أنها واجهت رفض مدير إحدى المؤسسات الحكومية التوقيع على أوراقها، وطالبها بإرفاق صور ترتدي فيها الحجاب من أجل إتمام الأوراق: "استسلمت في نهاية الأمر وذهبت لشراء حجاب والتقاط صور جديدة لأتمم الأوراق".

وصف الحقوقي محمد جمعة هذه الممارسات التي يقوم بها موظفو دوائر الأحوال المدنية، بغير القانونية لعدم وجود نص قانوني يشترط وجود صور بالحجاب من عدمه، والهدف من هذه الأفعال هو القضاء على الفكر الذي انتشر بين النساء بخلع الحجاب ولتقييد الفتيات الهاربات.

وافترض جمعة خلال حديثه لرصيف22 فيما لو كان هناك هوية شخصية لرجل تحمل صورته بشارب ولحية، وبعدها توجب عليه مراجعة هذه المؤسسات وكان قد حلق شاربه، "هل سيرغمه الموظف على رفض إتمام عمله إلى حين ظهور شاربه من جديد؟

انعدام الثقة والأمان

ساهمت هذه الأنواع من العنف وغيرها المسلطة على النساء في العراق، في تردي أوضاعهنّ الاقتصادية والثقافية، فتخلت بعض السيدات عن حقوقهنّ في إتمام أوراقهنّ الرسمية أو حتى الحصول على المرتب عند محاولتهنّ مراجعة المؤسسات الرسمية، وذلك بسبب التمييز والعنف ضدهنّ وانعدام الثقة، مع عدم وجود قوانين رادعة لحمايتهنّ من الاستغلال والتعنيف، خاصة مع وصمة العار التي تلاحق النساء عند محاولاتهنّ الإبلاغ عن العنف اللفظي أو الجنسي من قبل موظفي الخدمة.

تعليقاً على هذه النقطة، قالت نور العنزي، ناشطة نسوية من البصرة جنوب العراق، لرصيف22، بأن "الكثير من الموظفين في المؤسسات الحكومية يرفضون تقديم خدمة ما، إلا في حال وجود مقابل سواء جنسي أو مادي".

وأضافت العنزي: "كنت على معرفة بامرأةٍ تمرّ بمشكلة في قضيّة طلاقها، حيث قام طليقها بتشويه سمعتها ونشر معلومات مفبركة عنها وعن عائلتها في مواقع التواصل الاجتماعي، وحين لجأت إلى القضاء، تعرضت للابتزاز مرة أخرى من قبل قاضي المحكمة الذي عرض عليها ممارسة الجنس معه مقابل ضمان تطليقها".

ساهمت هذه الأنواع من العنف وغيرها المسلطة على النساء في العراق، في تردي أوضاعهنّ الاقتصادية والثقافية، فتخلت بعض السيدات عن حقوقهنّ في إتمام أوراقهنّ الرسمية أو حتى الحصول على المرتب عند محاولتهنّ مراجعة المؤسسات الرسمية، وذلك بسبب التمييز والعنف ضدهنّ وانعدام الثقة، مع عدم وجود قوانين رادعة لحمايتهنّ من الاستغلال

وعليه، طالبت العنزي، الدولة بضمان الحماية والدعم القانونيين للنساء المُعنَّفات لعدم استغلال المسؤولين لخوف المرأة وعدم ثقتها بتطبيق القانون، حيث تتم محاربتها عن طريق الرفض والمماطلة لأي خدمة من المفترض أن تقدمها لها الدولة عبر مؤسساتها باعتبارها مواطنة تتمتع بكافة الحقوق.

كان لانعدام الأمن وضعف سيطرة الدولة والفساد المستشري في جميع مؤسسات الدولة منذ بداية الغزو الأميركي على العراق أثره على النساء، فخلّفت الحرب آلاف الأرامل اللواتي ما زلن يتعرضن للابتزاز عند محاولتهنّ إتمام متطلبات الحياة لهنّ ولأسرهنّ.

في هذا الصدد، كشف المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، لرصيف22 أن عدد النساء الأرامل بلغ مليون ونصف المليون أرملة، مشيراً إلى أنه "لا يمكن ذكر العدد الإجمالي للأرامل لوجود نساء لم يتم تصديق عقود زواجهنّ في المحاكم العراقية".

هذا وتساهم بعض المنظمات النسوية في العراق، مثل منظمة حقوق المرأة العراقية، مساهمة فاعلة في محاربة العنف القائم على النوع الاجتماعي بكافة الطرق والوسائل، من خلال حملات التوعية وتقديم الخدمات القانونية، إلا ان هذه الجهود ما زالت ضعيفة في ظل انعدام القوانين الفاعلة لحماية المرأة. 

هذا المشروع بالتعاون مع Outright Action International.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard