قراءة "الآيات الشيطانية"... من غير فتوى ولا مفتين

الثلاثاء 16 أغسطس 202210:48 ص

يُروى أن مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية الأول كان في سريره في حجرته، مساء يومٍ بارد ومطير، لمّا أضاء ابنه، السيد أحمد خميني، شاشة التلفزيون، فرأى المرشد الصور التي تصف حصار الجموع الباكستانية للمركز الثقافي الأميركي في كراتشي، وسعيها في حرقه، وردّ الشرطة المتظاهرين، وإطلاقها النار، وسقوط سبعة من المتظاهرين. كان هذا في اليوم الـ12 من شباط/ فبراير 1989.

أما السبب في تظاهر مسلمي إسلام آباد ولاهور وفايز آباد وروالبندي ونمورجانوالا وكراتشي، من أنصار "الجمعية الإسلامية" (صاحبها أبو الأعلى المودودي)، فطبع رواية تحمل عنوان "الآيات الشيطانية"، كتبها بالإنكليزية مسلم هندي وبريطاني يسمى سلمان رشدي. وتناقل المهاجرون الهنود والباكستانيون والبنغاليون، وهم كثيرون في "ولاية" لندن، على ما يسمي رشدي العاصمة الإنكليزية، خبر الرواية، وما تصرِّح به على زعم الخبر الشائع من هزءٍ بالمحرمات والمقدّسات، فانتهى الخبر إلى أهلهم في دار الإسلام، فتظاهر أهلهم، وكان ما كان من سقوط قتلى.

في اليوم الـ14 من شباط/ فبراير، أذاع روح الله خميني فتوى تهدر دم المسلم الهندي والبريطاني، صاحب الرواية، وتعد قاتله بجائزة سنيّة تصرف من بيت مال المسلمين (الإيراني). فآذن إعلان الفتوى، وهي من شقين: الأول فقهي أو إيماني، والآخر مالي، بتعقّب سلمان رشدي وهربه، وبفتور العلاقات السياسية بين الجمهورية الإيرانية، الخارجة لتوّها من حربها والعراق، وبين دول المجموعة الأوروبية. وبعد أربعة أشهر إلا عشرة أيام قضى مرشد الثورة الأولى، وترك لخليفته على ولاية الفقيه، السيد علي خامنئي، وعلى رئاسة الدولة، السيد هاشمي رفسنجاني، ذيول فتواه هذه، وهي تكاد تكون صنيعه السياسي الأخير.

الفتوى والقراءة

ولم يكن على صاحب الفتوى، ولا على أنصاره ومَن انتصرت الفتوى لهم ولإيمانهم وانتصفت، أن يقرأ رواية رشدي أو حكاياته. ولا يُسأل الفقيه، القاضي في الحرام والحلال وفي اتّباع الشرع أو تركه وفتنة المؤمنين، إذا قرأ ما يقضي فيه بقضائه ويفتي فيه برأي. فهذا، أي سؤاله، على قياس السؤال عن شهوده الزنى أو السرقة أو قبض الربا، إلخ.

وهذه أمور لا يسأل القاضي عن شهوده إياها، فما حال المفتي، وهو لا يجلس للقضاء، ولا يسمع الشهود ولا يتثبّت من عدلهم... بل هو يرى رأيه في مسألة قد تُعرض عليه افتراضاً وليست من الحوادث الواقعة في شيء: أرأيت إنْ أعتقت عبدي ولم يعلم بعتقي إياه، وكنت عنه غائباً أو حاضراً إذا شهدت الشهود على عتقه، فزنى، أيقام عليه حدّ الحر أم حدّ العبد؟ سأل سحنونُ بن سعيد التنوخي صاحب مالك بن أنس عبد الرحمن بن القاسم العتقي، فأجاب العتقي برأي مالك: قال مالك: يقام عليه حد الحر ولا يلتفت في ذلك إلى معرفة العبد.

وهذه حال فتوى الولي الفقيه: أرأيت إنْ روى راوية خبراً فكذب فيه على الله ورسوله وملائكته وأصحاب الرسول فزعم أن الآية الواحدة والعشرين من سورة (النجم) ليست {ألكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى }بل هي: (تلك الغرانيق العلى) وتتبعها: (إن شفاعتهن ترتضى)، يريد بالغرانيق آلهة قريش التي سمّاها التنزيل في الآية التاسعة عشرة وفي الآية العشرين اللات والعزّى ومَناة "الثالثة الأخرى"، وهذا الراوية ما حكمه؟

وقد يذكر السائل، إذا قيِّض له الوقت وأمهل بخلاف وقت الفتوى المقتضب، أن محمد بن إسحاق (صاحب "سيرة ابن هشام"، وهو في "ضعفاء" البخاري ومتروكيه من المحدثين، وصاحب أول سيرة مدوّنة من السير النبوية) روى عن يزيد بن زياد المدني عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما رأى رسول الله (صلعم) تولي قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله، تمنّى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسرّه، مع حبه قومه وحرصه عليهم، أن يُليِّن له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم، حتى حدَّث بذلك نفسه وتمنّاه وأحبه، فأنزل الله عز وجل {والنّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى}. فلما انتهى إلى قوله {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالعُزَّى* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى}، ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدّث به نفسه، ويتمنى أن يأتي به قومه: (تلك الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن ترتضى).

فلما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدّقون نبيهم في ما جاءهم به عن ربهم ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل، فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة، سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقاً لما جاء به، واتّباعاً لأمره، وسجد مَن في المسجد من المشركين وغيرهم لِما سمعوا من ذكر آلهتهم (...) وبلغت السجدة مَنْ بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله (صلعم)، وقيل أسلمت قريش، فنهض منهم رجال وتخلّف آخرون.

وأتى جبريل رسول الله (صلعم) فقال: يا محمد! ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل وقلت ما لم يُقل لك! فحزن رسول الله (صلعم) عند ذلك حزناً شديداً، وخاف من الله خوفاً كثيراً، فأنزل الله (...) إنه لم يك قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنّى، ولا أحب كما أحب، إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه (صلعم) فنسخ الله ما ألقى الشيطان (...) على لسانه من ذكر آلهتهم أنها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضى (...).

وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله (صلعم) قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شراً إلى ما كانوا عليه وشدةً على مَن أسلم... (عن الطبري: "تاريخ الأمم والملوك"، الجزء الثاني، ذكر الخبر عما كان من أمر النبي (صلعم) عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه... ص226/ 227 من طبعة دار الفكر ببيروت، 1979).

فإذا سُئل صاحب الفتوى مثل هذا السؤال، أتبعه بخبر ابن إسحاق أو لم يتبعه، جاز للفقيه أن يرى رأيه من غير أن يقرأ الرواية قراءة مجتزأة أو تامة. ويقوم الخبر المصوّر للسؤال والشاهد العدل على حقيقة ما يسأل عنه السائل، وقد يكون السائل هنا هو السيد أحمد خميني، وأصحابه من متولّي أمر الإعلام والإرشاد في الحكم الإيراني الخميني.

"شطر من رواية ‘الآيات الشيطانية’ يتناول ‘الإمام’، وهو صاحب ثورة دينية يقيم في دولة غربية وينتظر انقلاب الشعب على الإمبراطورة وإطاحتها ليعود إلى موطنه الأول... وليس الإمام إلا روح الله خميني نفسه، صاحب الفتوى بإباحة قتل الروائي سلمان رشدي"

فالتظاهرات الحاشدة التي خرجت في المدن الباكستانية، ومن بعدها في بعض مدن الهند ثم في قلب العاصمة الإنكليزية فالعاصمة الفرنسية، تساوي عدداً لا يُحصى من الشهود القرّاء. وحال رواية رشدي هي حال عيون الكتب، والأمّهات منها (أي الكتب الكلاسيكية). فهذه، على زعم الرياضي والفيلسوف البريطاني برتراند راسل، هي من تلك الكتب التي لا يحتاج الأديب الفهيم إلى قراءتها ليكون بها عالماً، بل يكفيه أن يسمع ما يتداوله الناس عنها فيصير في حكم قارئها.

استعارات

فاجتمع لأي كان من الناس علمان بالعيون: العلم الشائع والمتداول، والعلم المخزون في الأشرطة والملقى على رفوف محال الأسطوانات والفيديو، وهو في متناول مَن شاء تقريباً. ولم يمتنع سلمان رشدي نفسه من الأخذ عن مثل هذا الضرب من العلم والعلماء. فتضميناته وتورياته التوراتية، كنحو انشقاق البحر لموسى (في الفصل الثامن من الرواية "بحر العرب ينشق") وبابل الزانية ودك أسوار أريحا بالأبواق (في الفصل السابع "الملاك عزرائيل") و"الطوفان" (في الفصل الثامن)، لا يكتم الروائي احتذاءه فيها على فيلم سيسيل ب. دوميل "الوصايا العشر".

ولا تُحصى المواضع من الرواية التي ترد إلى التلفزيون والسينما والأغنية الرائجة والسائرة، وإلى الذوق المتوسط والعام، ناهيك بأخبار "النجوم" من كل الأنواع والأجناس. و"بطلا" الرواية، جبريل فاريشتا وصلاح الدين شامشا (أو سالادان شامشا عوض صلاح الدين شمشاوالا)، نجمان من هؤلاء النجوم، ومثلهما الأصحاب وبعض النساء. كذلك لا يكتم مَن أفتت فتوى خميني بقتله، محاكاته عوالم روائية معاصرة أو قديمة كثيرة، منها عالم كافكا الذي يصدر عنه اسم شامشا (سامسا "بطل" رواية "التحول" التي نُقلت إلى العربية موسومة بـ"المسخ") وانقلابه إلى تيس ماعز على مثال تحول سامسا إلى صرصار.

ويصدر عن رواية "أميركا" لكافكا التيه في أحياء لندن والبحث عن مخرج منها. ويكني الفصل السادس (العودة إلى جاهلية) عن جزء من رواية جايمس جويس، "عوليس"، هو بدوره كناية عن إقامة عوليس في مغارة الساحرة كاليبسو، لكنها كناية تستعير من رواية جان جينيه وصوره، وخاصة تلك التي تدور على فكرة باليه في متاهة من مرايا. وتستعير من سينما لوي مال وفيم فاندرز (باريس- تكساس) وجان لوك غودار (يرجع اسم "ألفافيل" ثلاث مرات) وآلان رينيه (العام الفائت بماريينباد) وآلان روب غرييه (الآبدة)، ومن قصص ديكنز.

أما ألف ليلة وليلة فيملأ طيرانها وفانوسها السحري وبساط الريح وجنّها وجنّياتها، الرواية من بابها إلى محرابها. هذا إلى السيرة المحمّدية والمهابهاراتا والتوراة والأناجيل والأخبار اليونانية وأخبار الصحف. وهذه زعم فيلسوف ألماني كبير أن قراءتها حلّت محل صلاة الصبح منذ الثورة الفرنسية، فاتحة العصر الحديث وتديُّنه بدين السياسة.

ومن بين أخبار الصحف ويومياتها الجديدة تولي "الآيات الشيطانية" مكانة خاصة لضربين من الأخبار: الأول يتناول خطف الطائرات، ومدار شطر من الرواية على انفجار طائرة "بستان" على يد فريق من المسلحين، وهو ذريعة الرواية وفصلها الأول، والثاني يتناول الإمام، أي صاحب ثورة دينية يقيم في دولة غربية وينتظر انقلاب الشعب على الإمبراطورة وإطاحتها ليعود إلى موطنه الأول. والضربان صفتهما الدينية ظاهرة، على ما يصفهما الروائي الهندي الإنكليزي.

"مارغريت ثاتشر كذلك ضاقت برواية الروائي البريطاني، الهندي والمسلم منشأً ومنبتاً، سلمان رشدي وأثقل عليها اضطرارها إلى حماية مواطن بريطاني يصفها بـ"البغي ماغي"... لكنها لم تهدر دماً ولم تفتِ بجواز قتل"

وليس الإمام إلا روح الله خميني نفسه، صاحب الفتوى بإباحة قتل الروائي. فليس علم خميني، أو علم مريديه وأصحابه، بكتاب رشدي، وبعض مادة الكتاب وحكاياته يدور على تناقل الأخبار وشيوعها من طرق لا تُحصى، وبعضها يدور على القتل تخويفاً وإرهاباً- ليس علم خميني بالكتاب من باب العلم الذي يطلبه قارئ يُقبل على قراءة الكتاب مستمتعاً أو مستعلماً.

ولا ريب في أن ما تناقله "قراء" سلمان رشدي، من متظاهرين باكستانيين وهنود وبنغاليين، من حكايات روايته وقصصها، لم يقتصر على خبر ابن إسحاق عن "الحرفين" اللذين ألقاهما الشيطان على لسان مَن يحمل اسم مهوند في الرواية، فصحّت نسبتهما إليه، بل تعدى الخبر هذا إلى الفصل الرابع الموسوم بـ"عائشة"، حيث يروي الراوية الكثير الأوجه "صاحب الأنا الملائكية" خبر الإمام المنفي، وإلى الفصل السادس الموسوم بـ"العودة إلى جاهلية" حيث خبر المبغى، "الحجاب".

الخميني وثاتشر

وتشبه طرق النقل هذه الطريق التي انتهى منها علم "آيات" إلى السيدة مارغريت ثاتشر، رئيسة حكومة جلالتها السابقة. فالسيدة ثاتشر كذلك ضاقت برواية الروائي البريطاني، الهندي والمسلم منشأً ومنبتاً، وأثقل عليها اضطرارها إلى حماية مواطن بريطاني يصفها، في الفصل الخامس ("مدينة ظاهرة لكنها غير مرئية") بـ"البغي ماغي"، وينسب إليها السعي في إنشاء طبقة متوسطة جديدة "من لا شيء"، أي من ناسٍ "من غير ماضٍ ولا تاريخ، على زعم هال فالانس، أحد محادثي شامشا على التلفون وهو في معزله في فندق محمد سفيان بلندن.

وثاتشر وحدها حظيت، في "الآيات الشيطانية"، بالصفة الفاضحة التي حظيت بها، ولم يشاركها فيها شريك. لكنها لم تهدر دماً ولم تفتِ بجواز قتل.

خمرة التاريخ

وخميني أشبه ما يكون بصفته في الكتاب، فهو ملتح ومعمم، ويلبس عباءة واسعة، ويقطّب حاجبيه دوماً، متوعّداً ويقظاً، ويتعقّب أخبار السافاك، المخابرات الإيرانية الشاهنشاهية. ولكنه، إلى ما يُرى منه ومن خلقته ولباسه، "عدو الصور"، وينتظر في منفاه عودة مجيدة إلى مدينة تقوم عند قدم الجبال، ويريد موت عدوّه ولا يرضى بأقل منه. وهو لهذا ينتظر العودة ويدير ظهره لسدوم، حيث قُسر على الإقامة، فلا يخالط أهل سدوم ولا يعرف أهلها. وهو يحسب أن جهله بها أبقاه طاهراً، وأبعده من النجاسة، وأثبته على ما هو عليه، فلم يبدّل ولم يتغيّر أو يتحوّل. فالتحوّل إلى فساد: إلى صرصار في حال سامسا وإلى تيس في حال شامشا. والثورة التي يريدها "الإمام" ليست خروجاً على طاغية بعينه بل هي قيام على التاريخ وعلى خمرته المسكرة التي تسقي الناس التقدم والعلم والحق، فتدور رؤوسهم.

وعندما يكتب رشدي: "هذا كان لم يكن" بعد أن يقدّم بالقول المشهور والشائع: كان يا ما كان في قديم الزمان، لا يغفل عن كثرة طرق التأويل ولا عن وجوه الوقائع نفسها. فهو يبطل البت من روايته وأحكامه.

جبهات الرواية ومسارحها

ولا يبعد أن تكون قراءة "الآيات الشيطانية" بقراءة المرشد الإيراني والإسلامي، وبقراءة مريديه، أنفذ وأجمع من تلك التي تحمل عمل القاص الهندي والإنكليزي على "نقده الدولة والدين والناس". فالأولى، أي القراءة الخمينية، لا تستدرك على ما تقرأ، وتفترض نصاً متصلاً وتاماً، أو يسعى في التتام ويرجوه، فتقيس عليه خروق النص الماثل، وترقعها باسم النص التام والمتصل وتسمي رقعها "نقداً".

والحق أن عمل سلمان رشدي هذا آلة حرب ضخمة على الرواية السياسية والدينية والسلعية للعصر. وهو آلة حرب بالمعنى الذي تفترضه الحرب وتشترطه، وبالمعنى الذي تجري عليه الآلة. فالحرب اشتباك، أي أن بعض النفس يدخل في بعض الغير، خصماً أو عدواً، ويخالطه، وبعض النفس الآخر ينبغي حفظه من نفسه ورعايته منها وإلا انضم إلى الغير، إما ضعفاً أو افتناناً.

وفي كل الأحوال الحرب "وحدة قياس" المتحاربين و"معيارهم"، على قول الجنرال البروسي الذي كتب في الحرب الكتاب العَلَم، وهو ميزانهم، والحكومة التي يحتكمون إليها. والرواية الرشدية تأخذ بقانون الحرب هذا، فتُوسِع المحل للخبر الديني، وللرواية الملحمية، ولا تزدري التناول المسرحي للقص ولتنضيد المشاهد. مثال ذلك قراءة مهوند على سرادق أعيان جاهلية (وليس الجاهلية) الحرفين اللذين مرّ ذكرهما. فالرواية جُملةً "جبهات" ومسارح، ويتنقل الراوي، على الأغلب من طريق جبريل وأحلامه وطيرانه، بينها، فإذا استوت "جبهة" وتماسك "العدو" واستقر السرد ملحمياً، أو روائياً تقليدياً، "طار" رشدي إليها، وأعمل فيها الوجوه الروائية المخالفة من جوار نافر ومباين (كولاج)، ومن مراكمة شطور روائية جاهزة (باروك) يقيم بينها القياس جسوراً من التداعي. ومن خروج من سياقة السرد وتأمل فيه وفي أبطاله يحيل السياقة إلى مختبر منطق ومعانٍ على مثال ما ابتدأه روبيرت موزيل في "الرجل الغفل من الصفات" (في النصف الثاني من العقد الرابع) وسعى ميلان كونديرا في تقليبه على وجوهه وتجريده في "كتاب الضحك والنسيان" ثم في "خفة الكائن المحالة الاحتمال".

ويمهّد رشدي لقصه "الشيطاني" ومزاجه، ما يرجّح أنه يرد إلى واقعة وما يرجّح أنه هذيان وتخييل، باستعادة عاقلة ومطمئنة لماضي "البطل". فينحو السرد نحو الاجتماعيات: اليتم والتجارة والمكانة والتبني وشهوة السلطان والنساء ومحاكاة أهل المرتبة الأعلى والاختلاط... فيكرر مرتين، على لسان فاريشتا، عبارة مشهورة أجراها شيخ الرواية الاجتماعية الفرنسية بلزاك على لسان مَن نصبه مثالاً للطموح والوصول والانتهاز، راستينياك، في "أوجينيه غرانديه": "إلى الحلبة، لندن! أنت وأنا!"، جاعلاً لندن محل باريس.

دون كيخوتي وجبريل

يقع الروائي في الأثناء على بدايات الرواية الأوروبية المحدثة، وهي من صور الأدب وفنونه أعمُّها إلى اليوم، أي على سيرفانتيس و"دون كيخوته". فسيرفانتيس كذلك كان مبدِّل علامات، ومبعِّد ما بين العلامة وبين الحال التي كانت تدل عليها العلامة في "الروايات" (أو الثقافة) البطولية. ولعل تناول رشدي بعض أجزاء من السيرة النبوية، إلى أنموذج منتخب من مرويات شائعة في الأخبار (الحركات الدينية الخلاصية، الإرهاب وخطف الطائرات) وبين المهاجرين الملوّنين إلى أوروبا (التمييز بين الأعراق، مشكلة الهوية، الانقطاع عن الماضي...)، لعل هذا التناول يكني عن إنشاء الرواية الأوروبية الأولى وبنائها على نسبة مزدوجة ومشتبهة إلى الحكايات التي سبقتها.

فعلى نحو ما عمدت الرواية الأوروبية الجديدة إلى محاكاة الحكايات القديمة، واستعارت منها أبطالها وصورها ومثالاتها وكلماتها، لكنها غيّرت موضع استعاراتها هذه من الأحوال التي تقصها، تستعيد "الآيات" بعض رسوم السيرة ورسوم الأخبار السياسية والاجتماعية الكبيرة. فهذان الضربان من الرسوم هما جملة الحكايات "البطولية" التي يروي شطر عريض من المسلمين، اليوم، العالَم والعصرَ من طريقها، وعلى حروفها (على معنى حروف القراءات القرآنية).

وإذا كان لروايةٍ محدثة أن تنشأ بين "المسلمين"، أي بين أظهر مَن يأخذون بجملة الحكايات البطولية ويؤولون العالم والعصر على حروفها، فعليها أن تحاكي، بدورها، هذه الحكايات، وذلك على الوجه المشتبه والملتبس الذي حاكت عليه "دون كيخوته" القصص الملحمي من قبلها.

وقد يكون اختيار جبريل، ملاك الوحي والتنزيل، والممثل السينمائي الذي يؤدي أدوار الآلهة الهندية، ووجه النفس من داخل، والجامع بين السماوات وبين الأرضين، والمتردّد بين الحلم وبين الحقيقة وبين المنام وبين اليقظة، وندّ الصراع والمخاصمة حتى الإعياء، والوجه الآخر لملاك الموت، والمرء "غير المترجم"- قد يكون جبريل، وهذه كلها صفاته في الرواية الرشدية، عنصراً روائياً، على معنى الأسطقس من ماء وهواء ونار وطين، نظير "آميديه دوغول"، أي فارس الحكاية البطولية والملحمية في القصص الأوروبي عشية العصر الحديث.

فهو، أي جبريل فاريشتا والمَلَك جبريل، الوصلة بين الحادثة والحادثة، وهو ميزان الانقلاب من فصل إلى فصل. وما ذلك إلا لأنه جامع المعاني الروائية التي تجلوها رواية رشدي وتتعقّبها حيث تتعقبها: بين القارات والتواريخ والسِّيَر والفنون وأوجه العبارة. فجبريل هذا، المخلوق الروائي، يتيح لصاحبه ما أتاحه الفارس لسيرفانتيس أي التنقل بين أوجه العالم والعصر وظهرانيهما شاهداً عليها، ومباشراً لها ولكثرتها، مستأنفاً حروفها في معانيها وحاملاً معانيها على حروفها.

وقد يكون هذا هو علة صفتين مترابطتين من صفات الرواية: موسوعيتها، على شاكلة موسوعية "دون كيخوته" أو "الحرب والسلم" لتولستوي أو "الرجل الغفل من الصفات" لموزيل، وشطّاريتها، إذا جازت ترجمة "بيكاريسك"، أي الرواية على وجه المسير في الأرض والاجتماع والآلات والتنقل بين البلدان والطبقات والعادات والأشياء، بالشطّارية، نسبة إلى الشُّطّار والعيّارين الذين لم يخلُ منهم القصص البطولي المملوكي. فأوكل إليهم البريد والانتقال السريع (يصدِّر رشدي روايته بشاهد من دانييل ديفو، صاحب "روبنسون كروزويه"، يقول ديفو: "يقيم الشيطان في الرحلة والارتحال من غير مأوى ثابت، وهذا بعض جزائه"، فالشاطر أو العيّار من جنس الشياطين).

وإلى الموسوعية والشطّارية تصف "الآيات" صفة ثالثة هي استشهاد الشواهد على طريقة السينما- مثال ذلك شواهد فيلم غودار "الازدراء" من "الأوذيسة"، وشواهد فيلم وودي ألن "أعد اللعب، سام!" من أفلام همفري بوغارت. والشواهد الأخرى من أفلام إنغمار برغمان... وقد مرَّ من قبل استشهاد رشدي بـ"متحوّل" كافكا و"أوجيني غرانديه" بلزاك و"عوليس" جويس. وليست صورة المسلسل التلفزيوني إلا صدى للتنزيل المنجَّم، أي الوارد أجزاءً وأحزاباً.

ومثل هذا كثير في الرواية نفسها وبين أجزائها، ومعظمه معلن: شواهد من "حرب النجوم"، وأخرى من "ليلى والذئب"، وثالثة من "الرجل الفيل"، ورابعة من "أهل الفضاء"... ويمر الكاتب نفسه في الرواية على نحو ما كان مخرج مثل هيتشكوك يوقّع أشرطته، أو على نحو ما كان مارسيل بروست يقول، في إشارة إلى الراوي، مارسيل. فكأن كل ما ترويه الرواية مسبوق على وجه من الوجوه، وتحجَّر على رسوم معروفة ومتداولة. وتُخرج الرواية الرسوم من تحجّرها بتوسّلها المجاورة بين أجزاء صور متباعدة، وليس بين الصور تامة، وبمراكمة الأجزاء وحملها على أداء المعنى المرة بعد المرة.

فكأن الرواية كلها، بصفحاتها الستمئة، كناية عظيمة واحدة عن حكايات ملائكية لا تُحصى. ولكن الكناية الواحدة ليست كناية جامعة. فـ"الوحدة البديعة"، أو الرواية الملحمية المتصلة التي تجلو تناظر العلامات وتواردها، وانعقادها على معنى ممتلئ، هذه الوحدة مضت وانصرمت. ولا يصح هذا، أي الحكم بانصرام "الوحدة البديعة" في حكايات المهاجرين، ورثة السير النبوية وأخبار الملائكة والجن وقصص الهجرة والأفلام الهندية وألف ليلة وليلة، إلى أخبار الصحف عن خطف الطائرات والحركات الغالية وثوراتها، وحدها.

فالرواية الغربية، والرواية لا تكون إلا غربية على مذهب رشدي، لا تروي ما يصح القياس عليه. فهي كذلك خسرت صورة "السعي" أو "الإسراء" التي تصوّرت بها، أو أوهمت بتصورها بها، في القرن التاسع عشر وقبله بقليل. فالمهاجرون يقعون في مهاجرهم على أمثال روزا دياموند وباميلا شامشا وآللويا كون، عشيقة فاريشتا البريطانية، وأمها وأبيها (الذي رمى بنفسه بعد أربعة عقود من خلاصه من معتقل نازي في حجرة مصعد، على مثال بريمو ليفي الإيطالي صاحب واحدة من أعظم الشهادات عن معسكرات الاعتقال النازية "أيكون هذا إنساناً؟" وعلى سيسوديا، عشيق آللويا وشريكها في الموت، وميمي ماموليان، زميلة شامشا في حواراته الإذاعية ومحاكاته أصوات الأشياء والحيوانات والبشر، وهال فالانس، وغيرهم.

وهؤلاء كلهم، وهم أوروبيون بريطانيون، شطور روائية، وبعيدون من "الكمال"، ومن بديع الصنع، بُعْدَ أقرانهم المهاجرين. فأينما تلفّت القارئ بعيني سلمان رشدي وقع على ما سمّاه الإيطالي المعاصر، جياني فاتّيمو، "حقل أنقاض". فليس من جهةٍ بعدُ يسع القائم فيها، أو الناظر منها، أن يحيط بالكلّيات ويلمّ بها.

*هذا النص هو استعادة لمقال نشره الكاتب في مجلة "الناقد" (العدد 58، نيسان/ أبريل 1993)، في نسخة مختصرة ومعدّلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard