شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
تنفيذ فتوى الخميني بقتل سلمان رشدي بعد 33 عاماً!

تنفيذ فتوى الخميني بقتل سلمان رشدي بعد 33 عاماً!

رأي نحن والخطاب الديني

السبت 13 أغسطس 202207:34 م

عام 1989، كلفني الشاعر الكبير الراحل حلمي سالم، وكان مراسل القاهرة لمجلة "اليمن الجديد" الثقافية الأدبية التي كانت تصدر في صنعاء، بكتابة تقرير صحافي لمصلحة المجلة عن استقبال الكتاب والمثقفين العرب لفتوى الخميني بقتل الكاتب الهندي المسلم الديانة سلمان رشدي، التي أصدرها يوم 7 رجب 1409 الموافق 13 شباط/ فبراير 1989، ورصد فيها مبلغ ثلاثة ملايين دولار لمَن ينفّذها، وذلك على خلفية نشر رشدي رواية بعنوان "الآيات الشيطانية" The Satanic Verses باللغة الإنكليزية في العام السابق على الفتوى 1988.

أعطاني سالم ملفين كبيرين عن الموضوع من أرشيف جريدة "الأهالي المصرية" التي كان يعمل صحافيّاً فيها، كي أستعين بهما في الكتابة، فقد كنّا لم ندخل عصر الإنترنت بعد، ولم يكن هناك محرك البحث Google، الذي سهَّل مثل هذه الأمور كثيراً.

حين فردت قصاصات الصحف والمجلات المصرية والعربية أمامي، بترتيب نشرها، وجدت مئات الأخبار والتقارير الصحافية، ومئات الأعمدة التي كتبها كُتَّاب الرأي، وكلها، بلا استثناء واحد، تدين رشدي باعتباره مجدِّفاً في أسوأ الأحوال، وطالب شهرة في أيسرها، فالثقافة العربية، حسبما تابعتها لسنوات طوال، ترتاح حين تصنِّف الناس تصنيفاً بسيطاً، تلك البساطة المخلِّة التي نعرفها.

الرواية التي لم يقرأها أحد

لكن ما لفت نظري بقوة أن ثلاثة كُتَّاب فقط ممَّن كتبوا عن الموضوع هم مَن قرأوا الرواية، لأنها كانت منشورة باللغة الإنكليزية كما ذكرت، ولم تكن قد تُرجمت، وكما قلت أيضاً، لم يكن هناك إنترنت لتتوفر عليه الرواية كما في أيامنا هذه، ولذلك لا بد أن يكون القارئ يعرف الإنكليزية، ولا بد أن يحصل على نسخة من إنكلترا، أو غيرها من البلدان الأجنبية، وأن يجد وسيلة لوصولها إليه. وكما نعرف، فإن معظم كُتَّاب الجيل الذي أتحدث عنه لا يعرف اللغة الإنكليزية لأنه تخرج من مدارس عبد الناصر الحكومية، ثم إن المطابع ليس لديها وقت كافٍ، ولن تنتظر -لمتابعة الموضوع- أن يحصل الكتاب على نسخهم ويقرؤونها.

لهذه الأسباب، كانت الأعمدة تمتلئ بعبارات مثل: "كما سمعت"، "كما عرفت"، "كما قرأت"، "كما قيل لي"، إلخ. وأنا لا أتوقف طويلاً أمام كاتب -أو قارئ- يصدر حكماً دون أن يدرس الموضوع ويتأكد من حدوثه، ويعرف ما وراء المكتوب والرسالة المراد إرسالها... وفي حالتنا هذه، كان لا بد أن نربط فتوى الخميني بالوضع السياسي -والديني- في إيران بعد نجاح الثورة ضد الشاه محمد رضا بهلوي الذي لجأ إلى مصر، وبعد أن ركبها الملالي، واستقرت أخيراً في يد آية الله روح الله بن مصطفى بن أحمد الموسوي الخميني، واحد من أهم المراجع الدينية في المذهب الشيعي، وصاحب نظرية "ولاية الفقيه" التي تأخذ بها إيران حتى الآن، وتقضي بأن "الفقيه" ينوب عن "الإمام" في غيبته، فمن المعروف أن الشيعة ينتظرون الإمام الغائب الذي له وحده حق الولاية.

ثورة الكاسيت

الخميني كان فيلسوفاً وكاتباً سياسيّاً كذلك إلى جانب كونه مرجعاً دينيّاً له أتباع حول العالم، فالمراجع معدودون في المذهب الشيعي، ولا يصل أحد إلى مرتبة "آية الله" إلا بعد أن يقدّم رسالة "علميّة"-دينيّة، وللمرجع "شبه دولة" هو رئيسها، أو زعيمها الروحي، له وزراء يسيِّرون الملفات الكبيرة، فهو يتلقى تبرعات مالية وعينية ضخمة من أتباعه، ويقوم بإعادة توجيهها حسب ما يرى هو ومساعدوه، في مساعدة المحتاجين أو في الاستثمارات أو سواهما، كما أن أتباعه يأتمرون بأمره وينفّذون تعليماته ويأخذون عنه فتاواهم وتوجيهاتهم.

"أغلب الظن أن المعتدي على سلمان رشدي لم يقرأ روايته ‘الآيات الشيطانية’، بالضبط كما لم يقرأ قاتل فرج فودة حرفاً له، وكما لم يقرأ الذي طعن نجيب محفوظ حرفاً من روايته الإشكالية "أولاد حارتنا"، فالأخير لم يكن يعرف القراءة والكتابة أصلاً!"

كان آية الله الخميني يعيش في فرنسا وقت حكم الشاه، كمعارض سياسي، وعندما تصاعدت الثورة في إيران كان الخميني يقوم بتسجيل رسائل من منفاه بواسطة أشرطة الكاسيت، وتولى أتباعه تهريبها إلى الداخل، وساعدت هذه الرسائل في تأجيج الوضع الداخلي ضد الشاه، الذي ما إنْ هرب حتى عاد الخميني وأعوانه إلى إيران، وشيئاً فشيئاً آل أمر الحكم لهم.

إيران ساحة حرب أهلية

لكن السنوات الأولى من حكم الملالي لم تكن سهلة، فما أن انتهى رفقاء الثورة من إقصاء الشاه حتى استداروا يأكلون بعضهم بعضاً، وتحولت إيران في تلك السنوات إلى ساحة حرب أهلية، ووقعت المجازر بشكل شبه يومي، واغتيلت شخصيات سياسية ودينية كثيرة، وبالطبع كان لأمريكا يد في ما يحدث، لأنها كانت تناصر الشاه الذي يؤمِّن تدفق البترول الإيراني للغرب بأسعار معقولة، بعدما ساعدت في الخمسينيات في إسقاط ثورة الدكتور محمد مصدق ضد الشاه الأب، بعد أن أعلن تأميم شركات النفط وقتها.

رواية "الآيات الشيطانية" كانت المنقذ لآية الله روح الله الخميني في ذلك المشهد الدموي المرعب، وهذا الاقتتال الإيراني-الإيراني، والانقسام الداخلي الكبير، فقد حدس أن "الغيرة" على الدين ضد مَن يريدون به شرّاً من شأنها أن توحد الناس خلف "القيادة" الغيورة على دينها، حيث إن "الغيرة على الدين" هي اللغة التي يفهمها الناس في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموماً، لهذا أخرج فتواه لقتل كاتب لم يكن يعرفه أحد، بسبب رواية لم يكن سمع بها أحد، ورصد مبلغاً شديد الضخامة للحصول على رأس رجل لم يكن يعرف أن الدنيا ستقوم من حوله ولن تقعد بهذا الشكل.

الآيات الشيطانية وقصة الغرانيق

"الآيات الشيطانية" رواية ليست الأهم بين الإنتاج الأدبي لصاحبها، بالرغم من أنها سبب شهرته الدولية، وهي ترتكز على تفسير الآية (52) من سورة الحج، حيث يقول تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، وفي تفسيرها يقول الطبري: "إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الشيطان كان ألقى على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم ينزله الله عليه، فاشتدَّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتمَّ به، فسلاه الله مما به من ذلك بهذه الآيات".

"رواية ‘الآيات الشيطانية’ كانت المنقذ لآية الله روح الله الخميني في ذلك المشهد الدموي المرعب، وهذا الاقتتال الإيراني-الإيراني، والانقسام الداخلي الكبير، فقد حدس أن ‘الغيرة’ على الدين ضد مَن يريدون به شرّاً من شأنها أن توحد الناس خلف ‘القيادة’"

وأكمل الطبري: "جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا بلغ: "أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى" ألقى عليه الشيطان كلمتين: "تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهنّ لترجى"، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعاً معه، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود. فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لها نصيباً، فنحن معك، قالا فلما أمسى أتاه جبرائيل عليه السلام، فعرض عليه السورة؛ فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افْتَرَيْتُ عَلى الله، وَقُلْتُ عَلى الله ما لَمْ يَقُلْ، فأوحى الله إليه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ}.. إلى قوله: {ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً}، إلخ.

زوبعة غربية

قوبلت فتوى الخميني بقتل رشدي وقتها باستنكار دولي كبير، غربي خاصة، فقد كانت منطقتنا على أبواب موجة عالية من موجات ما أسموها "الصحوة الإسلامية"، واتُّخذت تدابير حماية لسلمان رشدي في بريطانيا، حيث أُخفي بشكل كلي حتى عام 2002، قبل أن يخرج للعلن ويتنقل هنا وهناك ويلقي المحاضرات، وبالطبع راجت كتبه بشكل كبير في كل لغات العالم.

لكن يمكن القول إنه كما اتخذ الخميني الآيات الشيطانية سلاحاً لتثبيت حكمه، فقد اتخذ الغرب فتواه وسيلة لتقويض حكمه، لهذا كتبت تقريري وقتها تحت عنوان "زوبعة إيرانية غربية في فنجان آيات شيطانية".

الأخبار ليست جيدة

الآن بعد 33 عاماً يتم تنفيذ فتوى الخميني، فقد تفاجأ العالم بمسلم أمريكي من أصول إيرانية، هادي مطر البالغ من العمر 24 عاماً، من فيرفيو بولاية نيوجيرسي، يطعن الكاتب الأشهر -أثناء إلقائه محاضرة في مؤسسة Chautauqua في Chautauqua، نيويورك، إذ طعنه بسكين عدة طعنات طالت الكبد، وقطعت بعض الأعصاب، حسب وصف الدكتور مارتن هاسكل، وهو طبيب كان من بين أولئك الذين هرعوا للمساعدة وقت وقوع الحادث، وقد ذكر وكيله أندرو ويلي لصحيفة "نيويورك تايمز" أن "الأخبار ليست جيدة". وأضاف أن رشدي من المحتمل أن يفقد إحدى عينيه، وقطعت الأعصاب في ذراعه، وتعرض كبده للطعن والتلف.

كلام كثير يمكن أن يقال ها هنا عن حرية الاعتقاد، وعن أن الفكر لا يُواجه إلا بالفكر، لكن ما أتابعه على مواقع التواصل الاجتماعي من مناقشات، أن الأغلبية من مواطني دولنا العربية الإسلامية تدين الضحية لأنه "أهان الذات الإلهية" حسبما قرؤوا هنا وهناك، دون أن يطَّلعوا على الرواية موضوع الحادثة، وأغلب الظن أن المعتدي نفسه لم يقرأها، بالضبط كما لم يقرأ قاتل فرج فودة حرفاً له، وكما لم يقرأ الذي طعن نجيب محفوظ حرفاً من روايته الإشكالية "أولاد حارتنا"، فهو لم يكن يعرف القراءة والكتابة أصلاً!


هل يمكن لأفكارٍ تخطّى عمر بعضها الألف سنة، أن تتحكم بمجرى حياتنا اليوم؟ بالطبع لا. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لا يزال الماضي يحكمنا ويمنعنا من التقدّم، ولا يزال فقهاء عصرنا ينسخون من أفكارٍ بعضها فاق عمره الألف سنة، من دون التفكير في العلاقة بين النص الديني والواقع المعيش، وهو ما نسعى يومياً إلى تحدّيه، عبر احتضان الأفكار التجديدية الساعية إلى بناء عقد اجتماعي جديد يحدد دور الدين في الحياة ويحرره من السلطة السياسية. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard