شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
لبناني يقتحم مصرفاً ويحتجز رهائن ويحصّل جزءاً من حقّه... "ما أُخذ بالقوّة لا يستردّ بغيرها"

لبناني يقتحم مصرفاً ويحتجز رهائن ويحصّل جزءاً من حقّه... "ما أُخذ بالقوّة لا يستردّ بغيرها"

سياسة

الجمعة 12 أغسطس 202211:34 ص

"بدّي مصرياتي... يا قاتل يا مقتول". قال المواطن اللبناني باسم الشيخ حسين كلمته ودقّ ساعة صفره، معلناً بداية معركته مع مصرف "فيديرال بنك" في شارع الحمراء وسط العاصمة اللبنانية بيروت، بهدف استرداد حقه المنهوب.

دخل باسم إلى المصرف ومعه مادة البنزين، وتعددت الروايات عما إذا كان السلاح الذي ظهر بحوزته عائداً له أو لمدير المصرف كما قال أقرباؤه. طالب بسحب وديعته التي تُقدّر بـ210 آلاف دولار، ووديعة شقيقه التي تساوي 500 ألف دولار، وعندما جاء الردّ بالرفض العنيف، احتجز بعض الموظفين والمودعين داخل المصرف، كما هدّد بحرق نفسه بمادة البنزين، إذ وصل به حنقه بحسب أقوال العائلة التي جاءت لدعمه إلى أوجه، خصوصاً أن والده يحتاج إلى علاج بقيمة 50 ألف دولار ولا خيار أمامه سوى استرداد حقّه بيده.

كلّف باسم، رئيس جمعية المودعين اللبنانيين حسن مغنية، بالتفاوض على إعطائه الوديعة كاملةً، وبعد ساعات بقي فيها يصرخ مطالباً بأمواله، استطاعت المفاوضات أن تحصّل له 30 ألف دولار من أصل الوديعة الكاملة، وهو مبلغ كبير لم يكن ليحصل عليه بطريقة أخرى، نتيجة الأزمة التي يمرّ بها لبنان والتي تُشكل المصارف جزءاً منها وسبباً في ضياع أموال المودعين عامة.

ليس الوحيد

طالب باسم بسحب وديعته التي تُقدّر بـ210 آلاف دولار، ووديعة شقيقه التي تساوي 500 ألف دولار، وعندما جاء الردّ بالرفض العنيف، احتجز بعض الموظفين والمودعين

لم تكن حادثة الشيخ حسين الأولى، منذ أن قرّرت المصارف اللبنانية احتجاز أموال المودعين في بداية الأزمة الاقتصادية أواخر عام 2019، وفرض قيود وسقوف على الكمية التي يمكن سحبها أسبوعياً من أصل المبلغ الكامل، ومنع تحويل الأموال إلى الخارج، وأصبحت هي المتحكم الأوّل بكل ليرة أو دولار جناها اللبنانيون خلال سنوات عملهم، وتوالت بعدها الإجراءات التعسفية التي أصدرتها المصارف وجمعيتها للتحكم بالمودع ومدّخرات حياته.

في بداية الأزمة، كانت المواجهة جماعيةً ونابعةً من غضب شعبي كبير إبان انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حين حاول مواطنون اقتحام مصرف لبنان أكثر من مرة، متّهمين حاكمه رياض سلامة بالمسؤولية عن انهيار قيمة الليرة اللبنانية ودعم المصارف على حساب المودعين، واستمرت بعدها الاحتجاجات في الشارع ووصلت إلى حدّ التصادم مع الأجهزة الأمنية.

وفي السياق نفسه، أقدم مواطن على إقفال مدخل فرع مصرف الاعتماد اللبناني في بر الياس-البقاع، بشاحنة نقل طويلة في كانون الأول/ ديسمبر 2019، كما زرع محتجّان عبوةً ناسفةً في فرع مصرف "فرنسا بنك" في صيدا، في نيسان/ أبريل 2020، وحاول محتجون اقتحام فرع مصرف لبنان في طرابلس، ورشقوه بالحجارة وبقنابل المولوتوف في شهر حزيران/ يونيو 2021، احتجاجاً على سياسيات القيود المشدّدة المتّبعة من قبل المصارف.

مع الوقت، بدأت التحركات الجماعية تفقد طابعها وتحوّلت إلى ممارسات فردية، أبرزها ما حصل في شهر كانون الثاني/ يناير عام 2022، حين اقتحم المواطن عبد الله الساعي، مصرف بيروت والبلاد العربية في بلدة جب جنين، واحتجز الموظفين والمودعين وهدّد بتفجيره في حال لم يحصل على أمواله، وبعد نحو ثلاث ساعات، أُعطي المواطن أمواله كاملةً، وهي مبلغ قدره 30 ألف دولار من دون وقوع خسائر.

وفي السنتين الماضيتين، تسبّبت الأزمة بتدهور قطاعات مختلفة، فمستوردو الوقود والقمح والأدوية والمعدات الطبية وغيرها باتوا غير قادرين على تأمين العملة الصعبة لاستيراد المواد، ما أدى إلى نقص في الأدوية وتدهور القطاع الطبي إلى جانب نقص في الخبز والوقود، والذي بدوره ألقى شباكه على كافة القطاعات. ولا يمكن أن ننسى القطاع التعليمي وخسارة البعض حياتهم الدراسية، خصوصاً من كانوا يتابعونها في الخارج بسبب صعوبة تحويل الأموال.

"استرداد الحق"

ترى المحامية دينا أبو زور، وهي من أوائل مؤسسي رابطة المودعين والمشاركة في الدفاع عنهم في القضاء، أن تصرف الحاج حسين وقبله الساعي، "يصب ضمن خانة استيفاء الحق بالذات وهي مادة قانونية ضمن قانون العقوبات، وتالياً أي محاولة من السلطة لزيادة حدة هذا الجرم تبقى محاولةً غير قانونية هدفها تصوير المودعين كمجرمين".

احتجاز باسم لرهائن داخل المصرف الذي يرفض إعطاءه وديعته يصب ضمن خانة استيفاء الحق بالذات، وتالياً أي محاولة من السلطة لزيادة حدة هذا الجرم تبقى محاولةً غير قانونية هدفها تصوير المودعين كمجرمين

تروي أبو زور أنه "في قضية عبد الله الساعي، حاول مصرف لبنان والبلاد العربية تضخيم الموضوع وتصويره على أنه محاولة قتل وتفجير، إلا أننا عملنا على إبقائه ضمن خانته القانونية "استيفاء الحق بالذات"، نتيجة تقاعس السلطة القضائية، والسلطة المصرفية والسلطة السياسية عن أداء دورها اللازم والمبادرة إلى إيجاد الحلول، وتحويل صفة الإجرام نحو المودعين".

وعن تطور قضية الساعي أمام القضاء، تقول إن "القضية لا تزال قائمةً مع إبداء المصرف رغبته في التراجع عن الدعوى، إلا أنها لا تخلو من المماطلة في البت القضائي بسبب الظروف الخارجية المحيطة".

تطور المعركة

عبّر المئات بل الآلاف عن دعمهم لما أقدم عليه الشيخ حسين، إن من خلال الوقوف تضامناً أمام المصارف وإطلاق شعارات معادية للسياسة المصرفية والسلطة بشكل عام، أو من خلال المشاركة في التعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي ضجّت بالخبر منذ الدقائق الأولى لاقتحام المصرف، فالبعض عدّه بطلاً على مستوى الدولة، والبعض قال إنه تجرأ على ما لا يجرؤ عليه معظم المودعين فـ"ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة".

يقول الناشط السياسي وأحد مؤسسي رابطة المودعين نزار غانم، إن المودعين أصبحوا أكثر انتظاماً، فـ"لا يجب على كل التحركات أن تكون في الشارع. العمل النقابي والعمل المهني ضروريان للمواجهة، والمودعون خاضوا معارك طاحنةً أخرى في مختلف النقابات الحرة والمستقلة سياسياً، وتمكنوا من إيصال صوتهم".

يرى غانم أن نسبة انخفاض أعداد المودعين المطالبين، وضعف تحركاتهم في الشارع، يعودان بالأساس إلى العنف الذي يرافق التحركات وقمع القوى الأمنية لها، إلى جانب حالة الملل والسأم التي يعيشونها، فالنزول إلى الشارع والبقاء هناك لساعات طويلة هو "ترف لا يملكه البعض"، كما لا يمكننا أن نقلّل من فعالية "العهر السياسي والعمل السياسي الممنهج لسحق المعارضة وإنقاذ المصارف".

"لا تكافؤ إذاً في المعركة بين المودعين والمصارف"، يضيف غانم، فالمصارف اللبنانية تسيطر على القضاء والإعلام وكافة الأجهزة الديمقراطية في البلاد، والمواطن اليوم محجوز ضمن حالة استبدادية تعسفية لا يستطيع داخلها تحصيل أدني حقوقه.

أدرك اللبنانيون صعوبة أوضاعهم بعد الذي حصل في السنتين الأخيرتين، فالمسارات السياسية والقضائية لا تجدي نفعاً، لذا يتحمّلون بصبر الكارثة الاقتصادية 

أدرك اللبنانيون صعوبة أوضاعهم بعد الذي حصل في السنتين الأخيرتين، فالمسارات السياسية والقضائية لا تجدي نفعاً، لذا يتحمّلون بصبر الكارثة الاقتصادية خوفاً من تبعات العنف الذي احتلّ جزءاً سياسياً من حياتهم وكانت له آثار سلبية.

"الانفجار الاجتماعي قادم بالطبع"، ولا ينفي غانم توقعاته التي يصفها بالـ"حتمية" بعد الضغوط التي يتعرض لها اللبناني، فالعنف سينفجر في وجه السلطة، وهو المشهد المنتظر في غياب العدالة. معركتنا لم تبدأ بعد".

نهج السلطة

"تاريخياً، ونتيجة التحالف السياسي المالي، أُعطيت الأولوية لمصالح المصارف على حساب مصالح المودعين، والتنمية الاقتصادية، والمواطن يدفع ثمن سياسات مالية خطأ، كتثبيت سعر الصرف، بقرار مصرفي"، يقول الأستاذ الجامعي والناشط السياسي علي مراد، لرصيف22.

ويشرح مراد، أن التداخل كبير ومتشعّب بين السياسية والمال، وإذا نظرنا إلى مجالس إدارة المصارف وحدها، نجد فيها 4 رؤساء وزارة وأكثر من 17 وزيراً، إلى جانب العشرات من أقارب السياسيين.

في السنتين الأخيرتين، ومنذ بدء الأزمة، أثّرت هذه التشعبات على معركة المودعين في وجه السلطة، إذ عملت الأخيرة على إفشال أو إبطال مفعول القرارات التي ترعى حقوق المودعين، دائماً بطلب من المصارف. "كل البنية التشريعية تصبّ في حماية المصرف وضمان أرباحه الضخمة"، يعلّق مراد.

الدولة اللبنانية دولة عاجزة؛ عاجزة عن تأمين الحقوق، وعاجزة عن تحقيق العدالة، وعاجزة عن التحكم بقطاعاتها، وعاجزة عن الحصول على ثقة المواطن، ولم تتحمّل مسؤولياتها تجاهه. وبهذا، فقدت تدريجياً حقّها في احتكار العنف وأشكاله، وهنا يتدخّل المواطن ليحقّق عدالته المرجوة وإن بطريقة تُعدّ "في الشكل" مخالفةً للقانون، لكنها تلقى قبولاً لدى أفراد المجتمع المحيط وتصبّ في خانة استرداد الحق الجائر من السلطة السارقة والمتواطئة عليه وعلى لقمة عيشه منذ سنوات، مستردّاً من السلطة حقه في تقرير المصير.

Website by WhiteBeard