قانون التحرّش في لبنان لا يحمي الناجيات... من يملك النفوذ "يتحكّم"

الاثنين 27 يونيو 202203:19 م

في الواحد والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر 2020، صدر قانون تجريم التحرش الجنسي في لبنان أو القانون رقم 205/2020، للمرة الأولى بشكل منفصل ومفصّل، بعد أعوام من المطالبات والصرخات. منذ ذلك اليوم بات بإمكان كل شخص يتعرض لفعل التحرش، التوجه إلى المسار القانوني لأخذ حقه ومحاسبة الفاعل. لكن هل تتم الأمور بهذه السلاسة بالفعل؟

يعرّف القانون اللبناني التحرش الجنسي بأنّه "أيّ سلوك سيّء ومتكرّر، خارج عن المألوف، وغير مرغوب فيه من الضحية، وذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد، أو للخصوصية، أو للمشاعر". كما يشير القانون إلى أنّ التحرّش الجنسي قد يتمّ عبر أقوال، وأفعال، ووسائل إلكترونية ويَعدّ القانون التحرّش الجنسي "كلّ فعل أو مسعى، لو كان غير متكرر، يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي أو العنصري ويهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية".

وبالرغم من أن تعريف التحرش الجنسي وكيفية التعامل معه غير متفق عليهما بشكل كامل وواضح عالمياً، إلا أن الإجماع الأكبر يصبّ في عدّ كل تصرف أو كلام يراه المتلقي مسيئاً ويسبب أذيةً له، تحرّشاً، والحل البديهي في أي بلد هو محاسبة المرتكبين.

يعرّف القانون اللبناني التحرش الجنسي بأنّه "أيّ سلوك سيّء ومتكرّر، خارج عن المألوف، وغير مرغوب فيه من الضحية، وذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية"

هجوم عكسي

في القضية المطروحة حالياً في لبنان، شخص يُعرّف بنفسه على أنه صحافي ومخرج وكاتب مُتهم بارتكاب أفعال تحرّش بحق عدد من الفتيات، 6 منهنّ قدمن شكوى ضده في آذار/ مارس 2021، مع تقديم أدلّة عبارة عن محادثات على تطبيق واتساب أو غير ذلك في مخفر حبيش، لتقوم النيابة العامة في بيروت في أيلول/ سبتمبر 2021 بالادّعاء عليه.

لم يُبتّ في القضية حتى اليوم، بل تفاعلت بطريقة أخرى، إذ قام المتهم برفع دعاوى قضائية على كل من الصحافية لونا صفوان وهي واحدة من المشتكيات، والصحافية مروة صعب التي كانت تتداول القضية على مواقع التواصل الاجتماعي، متهماً إياهما بالقدح والذم والتشهير علماً أن موعد المحاكمة في قضية التحرش هو على بعد أسابيع قليلة، تحديداً في 14 تموز/ يوليو 2022.

محامية المدّعى عليه، زينب زعيتر، بررت رفع دعاوى مقابلة على ضحايا قضية التحرش بالقول: "الإدانة الجزائية بحق جعفر لم تصدر بعد، وعليه لا يحق لأحد التشهير به، خاصةً أن إحداهنّ ليست طرفاً في القضية وتالياً ما نشرته يندرج في خانة القدح والذم بحق موكلي كما أن لونا أطلقت صفة متحرّش على جعفر قبل صدور القرار القضائي بحقه وهو ما يُعدّ اعتداءً عليه وعليّ كمحاميته من خلال تناول اسمي في بعض منشوراتها وهو ما دفعني للادّعاء عليها أيضاً".

وتضيف: "نحن لم ننشر على مواقع التواصل احتراماً للسرية المهنية والمسار القضائي فيما قمن هن بالعكس ولم يحضرن إلى المحاكمة الأخيرة بعد أن طلبهن القاضي للمواجهة ما أدى إلى تأجيلها، فليترك إقرار الحق للقضاء ولو كانت الأدلّة ضد موكلي دامغةً لما أخلى المدعي العام سبيله بعد 4 ساعات من التحقيق".

الناجيات متهمّات

تروي صفوان لرصيف22: "في 8 حزيران/ يونيو الجاري، وصلت إلى لبنان بسبب ظرف عائلي، فوردني اتصال بعد ساعات قليلة باستدعاء مخفر سرايا بعبدا لي على خلفية دعوى مقدمة من ج.ع. جرت الأمور بسلاسة وصدر قرار القاضية بعد يومين بأن أعدّل كل منشور فيه كلمة متحرّش ومتحرّش متسلسل واستبدال هذه العبارات بالمدعى عليه بجرم تحرش".

عوملت مروة كأنها متهمة بجريمة قتل، وهُدّدت بالتوقيف في النظارة إن لم ترضخ لطلب القاضي بإزالة المنشور؛ "يمكننا توقيفك وسوقك مكبلةً إلى النيابة العامة"، فقط لأنها تضامنت مع ناجيات 

تعبّر صفوان عن استغرابها الشديد من تحوّل الناجيات إلى متهمات مثلهن مثل المتّهم بالتحرش في قضايا يحكمها قانون جديد في لبنان وممارسة الرقابة عليهن، وتضيف: "سلاح المتحرّش عادةً تلفيق تهم للناجيات ومحاولة إسكاتهن. المتهم لجأ قبل ذلك إلى نشر أمور جنسية عن بعض الصبايا لتخويفهن ونشر رقم هاتفي الشخصي من أجل التعرض لي".

أمّا في ما خص عدم حضورهن الجلسة كما ادعت محامية المتهم، فتقول صفوان إن "الجلسة تأجلت بطلب من محامي المتهم كي يعيدوا الاطلاع على الملفات التي كان قدّمها المحامي في جلسة في آذار/ مارس الماضي، وتأجلت الجلسة التي عُقدت في نيسان/ أبريل الماضي، بعد 3 أسابيع من الجلسة الأولى للاطلاع على الملفات، ولهذا لم تحصل المواجهة، بالرغم من أننا مستعدات تماماً".

القوي يُهدّد

قصة "المدّعى عليه بأكثر من قضية تحرش"، والفتيات المدّعيات على رأسهن صفوان، كانت قد نالت حيّزاً واسعاً من التداول والاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي، ذلك أن المُتهم شابٌ ناشط اجتماعياً ومعروف بكتاباته منذ أول ساعات انتفاضة 17 تشرين وأيامها، والتي تصوّب على السلطة والمنظومة. لم يكن وجهه معروفاً لمتابعيه لفترة طويلة، فقد عمد إلى النشر في "جريدة الثورة" وعلى موقع فيسبوك من دون الظهور أو البحث عن الشهرة الثورية، إلا أن الشهرة رافقت اسمه لاحقاً بعد الادّعاء عليه.

في 20 حزيران/ يونيو 2022، وبعد تضامن الصحافية مروة صعب مع زميلتها لونا في منشور نشرته على فيسبوك وبدأته بـ"المتحرش المثبت عليه"، طُلبت مروة إلى التحقيق، وهذه المرّة في مكتب جرائم المعلوماتية. تقول لرصيف22: "أروني سكرينشوت عن منشوري تاريخها 16 أو 17 حزيران/ يونيو الجاري، وخلال أربعة أيام فقط تحرك جهاز أمني على عكس الكثير من القضايا المصيرية التي لا تزال عالقةً".

وعلى عكس التحقيق مع صفوان، عوملت مروة كأنها متهمة بجريمة قتل على حد تعبيرها، وهُدّدت بالتوقيف في النظارة إن لم ترضخ لطلب القاضي بإزالة المنشور؛ "يمكننا توقيفك وسوقك مكبلةً إلى النيابة العامة"، وفعلياً في القانون اللبناني لا يمكن ذلك، وتبين لاحقاً أن كلام المحقق معها لا يستند إلى إشارة القاضي رجا حاموش.

من يملك نفوذاً وقدرةً ماليةً ورأسمال اجتماعي يوكّل فرقةً من المحامين ويلجأ إلى قضايا القدح والذم لإضعاف موقف الضحايا، في بعض الحالات يتحوّل القانون من أداة لحماية الضحايا إلى أداة في وجوههم/ن

بعد ثلاث ساعات من التحقيق، صدر قرار القاضي بالسماح بإبقاء منشورات صعب على أن تقوم بتعديل عبارة "المتحرش المثبت عليه" إلى "المدعى عليه بأكثر من 10 قضايا تحرش".

شوائب القانون

تشرح المحامية ديالا شحادة، أن حق التقاضي مكفول في الدستور لأي مواطن يشعر بأنه تعرض لضرر غير مشروع، لكن هناك استثناءات: "هل الشخص بدأ بفعل الذم أو أي فعل آخر جلب له الكلام؟ نعم المتهم هنا (ج.ع) قام بفعل التحرش. إدانة شخص بجرم ما، تصدر عن القضاء اللبناني وحده لكن وفقاً لقانون التحرش وللأدلة التي نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي يتبيّن أنه مدان وما يتبقى فقط هو صدور الحكم القانوني بحقه من دون المماطلة أو الدخول في بيروقراطية القضاء"، منبهةً إلى ضرورة تقديم طلب لإلحاق دعاوى القدح والذم بقضية التحرش الأساسية للتلازم وللنظر فيهما في سياق متصل.

معضلة نفاذ قانون التحرش الجنسي الذي صدر في لبنان ويجري العمل به، تعود إلى الواجهة مع الكثير من التساؤلات: ما هي الآليات الفعلية لهذا القانون؟ ما مدى تأمينه للحماية للضحايا أو الناجين والناجيات؟ وهل يواجه العقلية العشائرية التي تحمي "ابنها" ظالماً أم مظلوماً؟

تقول منظمة هيومن رايتس واتش، في تقرير لها صدر عام 2021، إن قانون التحرش الجنسي في لبنان لا يستوفي المعايير الدولية، لا سيما لجهة عدم مصادقته على "اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن القضاء على العنف والتحرّش" وتطبيقها، كما ينقصه ذكر التدابير الوقائية، وإصلاحات قانون العمل، وسبل الانتصاف المدني.

من جهته، المحامي في المفكرة القانونية كريم نمّور، الذي سبق أن فنّد ثغرات قانون تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه المقرّ عام 2020، يقول لرصيف22: "الإشكالية في لبنان في مختلف القوانين والقضايا وليس قانون التحرش حصراً، هي الفروق الكبيرة بين أطراف النزاع. مثلاً، من يملك نفوذاً وقدرةً ماليةً ورأسمال اجتماعي يوكّل فرقةً من المحامين ويلجأ إلى قضايا القدح والذم لإضعاف موقف الضحايا في القضايا الأساسية، سواء كانت تحرّش أو حقوق عمالية... في بعض الحالات يتحوّل القانون من أداة لحماية الضحايا إلى أداة في وجوههم/ ن".

ويستكمل نمّور شرحه عن الخلل في قانون تجريم التحرش الجنسي تحديداً في بعض النقاط التالية:

- الاقتراح لم يأخذ بعين الاعتبار طبيعة علاقات العمل غير المتساوية في لبنان بحيث يتمتع صاحب العمل بسلطة مهنية ومالية على غيره.

- تهميش التحرّش المعنوي لا سيما في إطار علاقات العمل (جعفر بيتذرع بإنه أحاديثه الجنسية مع بعض الصبايا كانت بحكم إنو السيناريو والنصوص فيها كلام جنسي أصلاً... هاي بس عم بشرحلك إلك).

قانون التحرش الجنسي في لبنان لا يستوفي المعايير الدولية، لا سيما لجهة عدم مصادقته على "اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن القضاء على العنف والتحرّش"

- سواد المنطق العقابي لمعالجة مشكلات التحرّش، من دون إيلاء أي دور للقضاء المدني أو لمجالس العمل التحكيمية أو للوساطة في قضايا حسّاسة مثل هذه. ومن المهم التنويه هنا بأهمية اللجوء إلى وسائل بديلة (وقائية) لحل مثل هذه النزاعات قبل الذهاب مباشرةً إلى القضاء الجزائي، نظراً لأهمية المساحة التي تحتلها وجهة نظر الضحية للفعل المقترف من ناحية أولى (فما قد يشكل تحرّشاً لشخص ما قد لا يشكل تحرّشاً لآخر).

متى يُطبّق؟

ترى الخبيرة بقضايا المساواة عبير شبارو، أن كيفية تطبيق قانون التحرش الجنسي في لبنان لا تزال مبهمةً، سواء ممن يريدون الادعاء أو بالنسبة إلى الموكلين تطبيقه، "هناك ضرورة ملحة لإجراء تدريبات على تطبيق القانون بدءاً من قوى الأمن الداخلي، بحيث يتم استجواب المدّعيات على شخص ما بالتحرش مثلاً من قبل سيدة وليس محقق ذكر وفق المعايير العالمية إلى جانب وجود اختصاصي نفسي. روحية القانون موجودة بالرغم من بعض الثغرات والتعديلات اللازمة، لكن المشكلة في التطبيق".

وطفت مشكلات تطبيق القانون فوق السطح مؤخراً خاصةً في قضية الطالبات اللواتي رفعن دعوى على أستاذهنّ في طرابلس فكانت النتيجة تبرئته وتوجيه كلام ذكوري إليهنّ من دون مراعاة المعايير القانونية.

تلفت شبارو إلى أهمية التوعية حول خصوصية الإنسان، رجلاً كان أم أنثى، ومفهوم التحرش الذي قد يتعرض له وضرورة رفع الصوت في حالات التحرش. "نعم الإفلات من العقاب في بعض الحالات يعزز الجريمة ويدفع بضحايا آخرين للتحرش إلى السكوت والخنوع كما أن العقلية الذكورية لا تزال طاغيةً داخل المنظومة التشريعية نفسها، لكن لا بد من الحديث عن حالات التحرش وتشكيل مساحات دعم للناجين والناجيات".

"لا نخاف، المعركة مع المتهمين بالتحرش طويلة ونحن جاهزون لأي شيء، كما أن الوصمة المجتمعة على من يثبت أنه متحرش ضرورية"، تقول مروة، وهو ما تؤكده لونا: "بالنسبة لي الوصاية الذكورية والمجتمع الأبوي يحاولان دوماً إسكات النساء حتى لو كان الحق معهن بشكل جليّ، وهو ما يعطيني حافزاً أكبر لرفع الصوت دوماً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard