تشكيل الحكومات في لبنان... هكذا يخلق "النظام الطائفي" الأزمات

الثلاثاء 21 يونيو 202204:29 م

لم تخيّب الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان ظنّ الذين عدّوها أهم انتخابات منذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، فقد خلقت بنتائجها مجلساً نيابياً لا أكثرية فيه لفريق على آخر، دخلت إليه للمرة الأولى كتلة نيابية معارضة لقوى السلطة تسعى إلى فرض التغيير بالواقع السياسي الذي أوصل البلاد إلى الانهيار التاريخي الذي بدأ عام 2019.

بعد الانتخابات النيابية يأتي استحقاق تشكيل الحكومة، وهو الأمر الذي لم يضع الدستور اللبناني قواعده بشكل يمنع تضييع الوقت، بل ترك المجال مفتوحاً فيه أمام رئيس الجمهورية، بدايةً، الذي يطلب حضور الكتل النيابية أمامه لتسمية رئيس حكومة مكلف، وأمام الاسم الذي يختاره النواب لتشكيل الحكومة من دون أي مهلة محددة لذلك.

ولطالما تسبّب هذا الواقع، وتحديداً في السنوات الأخيرة، بأزمات سياسية، بسبب الخلاف حول شكل الحكومة في لبنان، وأيضاً حول صلاحيات رئيس الجمهورية وموقع رئاسة الحكومة، فهل يتكرر الأمر مجدداً، أم أن للكتل النيابية المكونة للمجلس اليوم رأياً آخر؟

ما بعد الطائف

بعد اتفاق الطائف، وإبان مرحلة الوصاية السورية على لبنان، لم يكن تشكيل الحكومات في لبنان يسبّب مشكلةً، إذ كان الأمر الصادر عن السوريين، من عنجر أو قصر المهاجرين، يُتيح ولادة الحكومات بطريقة سلسة، وبمحاصصة كاملة بين القوى السياسية الأساسية آنذاك، بغياب المكون المسيحي الأساسي أي التيار الوطني الحر الذي كان رئيسه ميشال عون في المنفى الفرنسي، والقوات اللبنانية التي كان رئيسها سمير جعجع في السجن.

بعد الانتخابات النيابية يأتي استحقاق تشكيل الحكومة، وهو الأمر الذي لم يضع الدستور اللبناني قواعده بشكل يمنع تضييع الوقت، بل ترك المجال مفتوحاً فيه أمام رئيس الجمهورية

في تلك المرحلة، شهد لبنان أكثر من حكومة لم تحتج ولادتها إلى أكثر من 20 يوماً على الأكثر، فالحكومة الأولى كانت برئاسة سليم الحص، وُلدت خلال 13 يوماً فقط، والحكومة الثانية كانت برئاسة عمر كرامي واحتاجت إلى 5 أيام فقط، ثم حكومة رشيد الصلح عام 1992 واحتاجت إلى 4 أيام فقط، بعدها حكومة رفيق الحريري وشُكلت خلال 8 أيام وتمكنت من الحكم لمدة 6 سنوات حتى العام 1998.

في العام 2005، خرج الجيش السوري من لبنان وأصبحت القوى السياسية المعنيّ الأول بتشكيل الحكومة، وهنا بدأت الأزمات، إذ احتاجت الحكومة الأولى بعد الخروج السوري إلى 50 يوماً لتولد، تلتها حكومة فؤاد السنيورة المؤلفة من 24 وزيراً واستغرق تشكيلها الوقت الأقصر في كل مرحلة ما بعد 2005، وهو 19 يوماً فقط، وبعدها حكومة السنيورة الثانية والتي تلت اتفاق الدوحة بعد الأحداث الدامية في بيروت عام 2008، واستغرق تشكيلها 130 يوماً، ومن بعدها حكومة سعد الحريري عام 2009 والتي احتاج الحريري فيها إلى محاولتين، الأولى استغرقت شهرين ونصف، ثم اعتذر عن التكليف، ثم كُلّف مجدداً، ليشكّل بعد شهرين إضافيين.

في العام 2011، شكّل نجيب ميقاتي "حكومة المواجهة"، وكانت التجربة الأولى لحكومات الفريق الواحد، واستغرق تشكيلها 5 أشهر، أما الحكومة الـ73، والتي كانت برئاسة تمام سلام، فقد احتاجت إلى 11 شهراً لولادتها، وتوالت بعدها الحكومات في عهد الرئيس الحالي ميشال عون، وكل واحدة منها احتاجت إلى أشهر كي تولد، بالرغم من أن عهده شهد حكومات وحدة وطنية وحكومة فريق واحد مثل حكومة حسان دياب، وكلّها فشلت في الاستمرار بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية.

أنواع الحكومات

جرّب اللبنانيون أنواعاً متعددةً من الحكومات، من الحكومة المصغرة مروراً بحكومة الوحدة الوطنية، وصولاً إلى حكومات الأكثرية أو حكومة الفريق الواحد، فعلى سبيل المثال شكّل بشارة الخوري عام 1929، حكومةً من ثلاثة وزراء، وتكررت هذه التجربة أيضاً عام 1952، لكن بعد اتفاق الطائف توسّعت الحكومات في لبنان ليتمثّل فيها عدد أكبر من القوى السياسية.

غالبية الحكومات المشكلة في لبنان كانت تحمل صفة حكومة "الوحدة الوطنية"، أي أنها تضمّ ممثلين عن كل الكتل النيابية في المجلس النيابي، بحسب حجم كل كتلة، لذلك لم تكن هناك معارضة حقيقية لهذه الحكومات داخل المجلس النيابي الذي مهمته مراقبة عمل الحكومة.

هذا لا يعني أن لبنان لم يجرّب حكومة الفريق الواحد، ففي العام 2011 شكل ميقاتي حكومةً ضمّت تحالفاً سياسياً واحداً كان يُعرف باسم تحالف 8 آذار، وكان فريق 14 آذار يومها في دور المعارض، لكن تلك الحكومة لم تتمكن من الحكم والنجاح بالرغم من ذلك، بسبب التوازنات السياسية والطائفية التي تحكم النظام اللبناني، وقد تكرر هذا النوع من الحكومات مؤخراً مع حكومة حسان دياب التي عانت ما عانته حكومة ميقاتي، ولكن بظروف مختلفة.

اليوم يعيش لبنان واقعاً سياسياً جديداً أفرزته انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، والانتخابات النيابية 2022 التي مضى على انتهائها أكثر من شهر، فهل فعلياً التغيير الذي حصل سيؤثر على شكل الحكومة المقبلة؟

مواقف الكتل

تُشير مصادر نيابية للثنائي الشيعي في المجلس النيابي، في حديث إلى رصيف22، إلى أن "النظام اللبناني الحالي الذي يعتمد على الطائفية، يجعل من حكومات الوحدة الوطنية الخيار الأمثل"، مشددةً على أن فكرة حكومة الأكثرية مقابل أقلية معارضة تصلح لنظام سياسي لا طائفي، مبني على تحالف أحزاب سياسية حول الأفكار والمشاريع، لذلك لم تنجح حكومات الفريق الواحد في لبنان لأن هناك توازنات طائفية يجب أن تُحترم.

الأحزاب الطائفية التي حكمت لبنان منذ ما بعد اتفاق الطائف، تكيل دائماً إلى التذرّع بالتوافق وبحصص الطوائف لكي تضمن حصتها في الحكومات المتعاقبة، ولا يبدو أن هناك أي شيء يتغيّر بالرغم من الانهيار الذي تسبب بجزء منه هذا "التوافق الطائفي"

بحسب المصدر، الأكثريات في لبنان "نسبية، فلا أكثرية واضحةً في المجلس النيابي، وبحسب الملف المطروح تُولد الأكثريات، وهذا الأمر تبلور بشكل واضح في المجلس النيابي الحالي، كما أن شروط نجاح أي حكومة في لبنان مهما كان شكلها هو التوافق السياسي ووجود إرادة صادقة للعمل لمصلحة لبنان، وهنا تُخلق الأزمات، فكل فريق يرى لبنان ومصلحته في مكان معين".

بالنسبة إلى القوات اللبنانية، الأمر يختلف بين مرحلة وأخرى، فلكلّ مرحلة وصفتها الحكومية، ولا توجد وصفة حكومية جاهزة وواحدة لكل المراحل والأزمات، وبحسب رئيس جهاز الإعلام والتواصل فيها، شارل جبّور، فإنه من غير المقبول عدّ حكومات الوحدة الوطنية هي الوصفة الناجحة لكل الأوقات.

يقول جبور لرصيف22: "جربنا حكومات الوحدة الوطنية وبقيت الأزمات نفسها لا بل انزلقنا إلى المزيد من الأزمات، وجربنا حكومة الفريق الواحد لتحالف 8 آذار، وبقيت الأمور على ما هي عليه، وجربنا حكومات الاختصاصيين التابعين للقوى السياسية ولم تنجح، فلا إصلاح ولا خروج من الأزمة، لذلك نحن اليوم بحاجة إلى حكومة قادرة على إخراج لبنان من أزمته الاقتصادية، فإما الذهاب نحو حكومة من المستقلين الاختصاصيين الذين لا يعيّنون من قبل القوى السياسية، وتكون الحكومة مالكةً لقرارها السيادي، وإما الذهاب نحو حكومة فريق واحد مكونة من قوى المعارضة في المجلس النيابي".

لم يُشارك الحريري في الانتخابات النيابية، وتوزعت مقاعد المكوّن السنّي في البرلمان على مستقلين ومتحالفين مع قوى حزبية من دون وجود مرجعية واضحة لهؤلاء أو عناوين يجتمعون عليها مع محاولات بعضهم خلق تكتلات، أبرزهم النائب أشرف ريفي، الذي على ما يبدو لن ينضم إلى كتلة القوّات اللبنانية كما كان يُحكى قبل الانتخابات، ويحاول أن يخلق حيثيةً سنّيةً له، وموقفه وموقف النواب المستقلين الذين لا يتحالفون معه لا يزال غير معروف تماماً.

من جهة أخرى، يقول مصدر نيابي في كتلة التيار الوطني الحر، لرصيف22: "نحن منذ بداية الأزمة كانت لنا مواقف واضحة في ما يخص شكل الحكومة، ولا زلنا عند موقفنا الداعي إلى تشكيل حكومة اختصاصيين وسياسيين، إنما الأهم أن تكون مكونةً من أكفّاء، قادرين على تغيير الواقع، وأن تكون برئاسة شخصية إصلاحية".

وفي السياق نفسه، فإن "الحكومة المطلوبة بالنسبة إلى الحزب التقدمي الاشتراكي، هي حكومة تنفذ الإصلاحات المطلوبة والتي أصبحت معروفةً للجميع بدءاً من خطة التعافي عبر التفاوض مع صندوق النقد الدولي وحل أزمة الكهرباء إلى غيرها من الخطوات، أي أن تكون حكومةً ذات مهمة واضحة ومحددة"، كما يقول أمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي، ظافر ناصر.

لم يُشارك الحريري في الانتخابات النيابية، وتوزعت مقاعد المكوّن السنّي في البرلمان على مستقلين ومتحالفين مع قوى حزبية من دون وجود مرجعية واضحة لهؤلاء

يعتقد ناصر في حديث إلى رصيف22، أن "شرط نجاح هذه الحكومة يبدأ من مواصفات رئيسها ليتمكن من قيادة هذه المهمة، وتوفير الغطاء السياسي لها ولعملها"، عادّاً أنه على القوى السياسية أن تتوقف عن سياسة توزيع الحصص والتجاذب الطائفي والمذهبي والإقلاع عن البدع الدستورية كالثلث المعطل أو الوزارات السيادية واحتكارها، أو احتكار أي طرف لأي حقيبة كما يحصل إلى الآن، وتمكين أي شخص لأي مكون انتمى من تولّي أي حقيبة على أساس الكفاءة والجدارة".

قوى التغيير حائرة

لم يتّفق نواب التغيير في المجلس النيابي على مقاربة واحدة للعمل السياسي، بالرغم من ذلك يحاولون عبر اللقاءات والمناقشات الوصول إلى آلية تنسيق تتيح لهم تشكيل كتلة نيابية واحدة، لذلك هم لا يتّفقون بعد حول شكل الحكومة المقبلة، وما إذا كان يجب عليهم المشاركة فيها أم لا، وهناك آراء عدة في هذا السياق.

الرأي الأول بحسب مصادر رصيف22، يقول إنه ينبغي القيام بمحاولة لتغيير طريقة تشكيل الحكومات أولاً ومنع فكرة المحاصصة، والعمل السياسي التوافقي، والرأي الثاني ينادي بضرورة الاكتفاء بلعب دور المعارض وترك السلطة والحكومات للقوى السياسية الأخرى، لأن المشاركة من دون تحقيق التغيير ستعني الفشل.

ويقول النائب في قوى التغيير، إبراهيم منيمنة، لرصيف22، إن "الحكومة الأنسب للمرحلة المقبلة هي الحكومة المصغرة المؤلفة من مستقلين وتملك رؤيةً واضحةً لعملية الإصلاحات المطلوبة"، ويضيف: "الإصلاحات وخطة التعافي والمحادثات مع صندوق النقد الدولي هي أولويات الحكومة بنظرنا بسبب حالة الانهيار التي نعيشها والتي يمكن أن تصبح أسوأ بعد أشهر، لذلك نحن مع حكومة مستقلة، لا حكومة تكنوقراط مقنّعة"، مشدداً على أننا "ضد أي حكومة تحاصص سياسي وطائفي".

في الخلاصة، وفي انتظار ما ستنتجه الاستشارات التي قرّر رئيس الجمهورية أن تكون الخميس المقبل، يتبيّن أن كل فريق سياسي يملك وجهة نظر خاصةً حول شكل الحكومة المقبلة، وظروف نجاح أي حكومة وشروطها، وتالياً فإن الخلاف يبدأ من هنا، بالشكل وقبل الدخول في المضمون، وهذا أحد أسباب الفشل السياسي اللبناني الذي أوصل البلد إلى الانهيار، ولا يبدو أن ما جرى منذ العام 2019 حتى اليوم قد بدّل شيئاً في عقلية القوى الحاكمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard