حرائق الغابات في تونس... بين شبهات الإجرام وعجز الدولة

الثلاثاء 2 أغسطس 202204:36 م

لم يتحمّل ساسي، وهو فلاح تونسي من منطقة برقو في محافظة سليانة في الشمال الغربي للبلاد، وقع الصدمة بعد أن  أتت النيران على 60 في المئة من أرضه التي تبلغ مساحتها ثلاثة هكتارات، بالإضافة إلى احتراق الواجهة الخارجية لبيته لينهار ويُنْقَل على إثر ذلك إلى مستشفى سليانة.

ساسي، ومثله فلاحون آخرون، وجدوا أجزاءً من أراضيهم مغطّاةً بالرماد بعد أن أتت عليها النيران التي اندلعت في الغابات لتتسع رقعتها وتصل إلى الحقول التي تغطيها أشجار مثمرة من الزيتون وفاكهة حَبِّ الملوك (الكرز) واللّوز. وبدل أن ينتظروا موسم قطف الزيتون، هم اليوم ينتظرون تعويضات الدولة عن خسائرهم.

بنبرة اختلطت فيها القوة والأسى، أفاد معز القطاري لرصيف22، وهو من فلاحي الجهة، بأن الأضرار في منطقة برقو كانت متفاوتةً وفاقت في مجملها 20 هكتاراً مشيراً إلى أن التدخّل لإخماد الحريق الذي اندلع في جبل برقو تأخرّ، محمّلاً السلطات المسؤولية. وبيّن القيراطي أن غياب المسالك في الغابات داخل الجبل، أعاق عملية الإطفاء.

صيفٌ من الحرائق

تعيش تونس منذ أسبوعين على وقع حرائق متفرّقة ألحقت أضراراً جسيمةً بالغابات، واندلعت في مناطق مختلفة من البلاد منها جبل بوقرنين في محافظة بن عروس، وجبل السرج في محافظة القيروان، وجبل برقو في محافظة سليانة.

وأكد المتحدث باسم الحماية المدنية العميد معز تريعة، لإذاعة موزاييك التونسية، تسجيل 118 حريقاً في مختلف ولايات الجمهورية في الفترة الممتدة بين 1 حزيران/ يونيو، و26 تموز/ يوليو 2022، وذلك في ارتفاع على مستوى عدد الحرائق المسجلة في الفترة ذاتها من العام الماضي، والمقدّرة بـ88 حريقاً.

وصاحبت هذه الحرائق انتقادات شعبية حادّة للسلطات التونسية لتأخرّ التعاطي معها ونقص التجهيزات وعدم الاستعداد الجيّد لهذه الموجات من الحرائق التي تتكرّر في الفترة نفسها من كل عام خلال السنوات الماضية.

يقول الخبير البيئي والمهندس حمدي حشّاد، لرصيف22، أن 96 في المئة من الحرائق المندلعة في الغابات ترجع إلى أسباب بشريّة، سواء كانت متعمدةً أو غير متعمدة، في حين تندلع الأربعة في المئة المتبقيّة تلقائيّاً نتيجة عوامل طبيعية من قبيل الصواعق أو هيجان البراكين أو تسرّب الغازات أو الزلازل.

الغابات التونسية غير ممتدّة وهي صغيرة من حيث الحجم لذلك يمكن السيطرة على الحرائق بشكل سريع فيها، وهو ما يثبت فرضية ضعف استعداد السلطات

ويعتقد حشّاد أنه إذا أردنا معرفة المتسبّب في الحرائق، فعلينا أن ننظر إلى المستفيد من هذه الأراضي بعد حرقها أو تضرّرها، مشيراً في هذا الصدد إلى أن "هناك ثلاث مافيات تقف وراء ظاهرة حرائق الغابات في تونس، وهي مافيا العقارات وتركيزها على الغابات الساحلية، ومافيا الخشب (الحطب)، ومافيا التنمية والتهميش وهي عقليات تتغّذى على  قضايا التنمية"، بحسب قوله.

ويؤكّد الخبير البيئي أن التجهيزات موجودة، لكن تم تعطيلها بشكل متعمد نتيجة التواطؤ والفساد داخل مندوبيات الفلاحة، مشيراً إلى أن العشرية السابقة شهدت فساداً رهيباً، وأضاف محدّثنا أن الغابات التونسية غير ممتدّة وهي صغيرة من حيث الحجم مقارنةً بالمغرب مثلاً، أو الولايات المتحدة التي تحتاج بعض غاباتها من 6 إلى 7 ساعات لقطعها بالسيارة، لذلك يمكن السيطرة على الحرائق بشكل سريع فيها، وهو ما يثبت فرضية ضعف استعداد السلطات.

وكشفت وزارة الداخلية التونسية، في وقت سابق، عن تسجيل اندلاع 11 حريقاً في الغابات في ثماني محافظات، هي سليانة وباجة والقيروان وجندوبة والكاف وبنزرت وزغوان ونابل، يومي 25 و26 تموز/ يوليو الماضي، تزامناً مع انطلاق التصويت على الدستور الجديد في البلاد.

طريقة التعاطي مع الحرائق "بدائية"  

من جانبه، أكّد إبراهيم السبتي، وهو فلاح تونسي يملك قطعة أرض في منطقة المشم الواقعة بين معتمدتي الوسلاتية وبرقو، تضرّر عدد من أشجار الخروب والزيتون في أرضه بسبب الحريق الذي اندلع في جبل برقو وانتقل إلى الأراضي المجاورة، مشيراً إلى أنه حصل على مساعدة من جيرانه في إخماد النيران قبل قدوم أعوان الغابات والحماية المدنية، إذ اتصل بجاره الذي يملك جرّاراً عند الساعة الثانية صباحاً لمساعدته في إخماد النيران التي كانت تنتشر بسرعة حسب ما أفاد، عادّاً الأضرار التي لحقت بأرضه غير فادحة إذ ساهمت الأمطار التي هطلت ليلة 28 تموز/ يوليو، بشكل كبير في إخماد النيران لحسن الحظّ.

وصف عبد السلام السمراني، وهو صحافي يتحدّر من المنطقة المتضررة من الحرائق في معتمدية برقو، لرصيف22، طريقة التعاطي مع الحرائق بالبدائية

ووصف عبد السلام السمراني، وهو صحافي يتحدّر من المنطقة المتضررة من الحرائق في معتمدية برقو، لرصيف22، طريقة التعاطي مع الحرائق بالبدائية، بالإضافة إلى تأخّر وصول الطائرات العموديّة مفيداً أن عمل أعوان الغابات اقتصر على مقارعة النيران بأغصان الأشجار، وانتشرت النيران بسرعة لعدم اتخاذ الاحتياطات المعمول بها عادةً على غرار ترك ممّر مساحته 10 أمتار بين أشجار الصنوبر حتى لا تتفرّع النيران، كما ساهم ترك الهشيم  بين الأشجار، أي بقايا الأعشاب والأوراق، في الانتشار السريع للنيران. كما أن الآلات الكاسحة التي يتم اعتمادها في إخماد الحرائق لم يتم إيداعها في الأماكن المعرّضة للحرائق أو على مقربة منها لاستخدامها عند الضرورة، إذ كانت موجودةً على بعد 80 كيلومتراً من مكان الحريق مما أخّر وصولها كما لم تتم صيانتها.

وارتفع المعدل السنوي للحرائق بعد الثورة بشكل رهيب إذ بلغ سنة 2013 حوالي 14 ألف هكتار وسنة 2017 ما يناهز 17 ألف هكتار وفي عام 2021 تجاوز سنة 27 ألف هكتار في حين كان قبل الثورة أقل من ذلك بكثير. فقبل سنة 2011 كان لا يتجاوز أثر الحرائق ما يناهز 3 هكتارات كمعدل سنوي، وهو  ما ما يدعو لفتح تحقيق جدّي في هذا الملف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard