أمي كانت تركب دراجة نارية... هل نجرؤ على تخيّل أهالينا في شبابهم؟

الأربعاء 3 أغسطس 202202:23 م

مع صدور تطبيق الصور الذي أتاح الفرصة لكل من يريد رؤية نسخة من نفسه في مرحلة الشيخوخة، تبادلت ومعارفي لأسابيع تلك الصور لمشاركة حالة التأمل والصدمة وأحياناً الضحك والمزاح.
أتذكر الملاحظة التي تداولتها النساء بشأن ملء وجوههن بالتجاعيد والتهدل إلا أن هذا لا يمس شعورهن بالشيب، أتذكر أيضاً أن أحدأً وجد تطبيقاً يفعل العكس بصور المشاهير وكان منهم عادل إمام، حيث أدخلت صورته كما هي الآن أي في مرحلة متقدمة من العمر لكن النتيجة هي صورة بعيدة كل البعد عن عادل إمام كما عرفناه وهو شاب.
تخيّل الزمن وفعله بنا في المستقبل أو الماضي هما مغامرة تستدعي تشوهات عدة وشيئاً من الوهم، أقوم بإضافة ما يروق لي في محاولة تخيل من أحب ممن تقدم بهم العمر. لكن في بعض الحالات تتعطل لوغاريتمات الخيال في رأسي وأقف في مكاني أمام شخص لا أستطيع تصوره في ماضيه ولو حتى من باب الدعابة.

تخيّل الزمن وفعله بنا في المستقبل أو الماضي هما مغامرة تستدعي تشوهات عدة وشيئاً من الوهم.

أمي بطلة الاستعصاء على التخيل، قليلة الكلام والحنين إلى الماضي، ولعل هذا أحد أهم الأسباب التي تجعلني أحاول بطرق عدة أن أحييها وهي شابة في خيالي.

قل للزمان ارجع يا زمان

أحوم حول مقال أورسيلا لوغوين عن التقدم في العمر، أدوّن ما اعتبره شعاراً رناناً أستطيع أن أكرره لنفسي، وأحاول أن أتصور نفسي نسخة أخرى من حكمة ومعرفة أورسيلا بالحياة حين تقول:
"أعرف السبب الذي يؤرقني أكثر من غيره عندما أنظر في  المرآة وأرى السيدة العجوز التي ليس لها خصر، ما أخشاه ليس جمالي الذي فقدته، لم أحظَ بقدر كافٍ منه أصلاً، بل ما أخشاه هو أن لا تشبهني تلك السيدة. أن تكون على غير ما ظننت نفسي".
أمي هي بطلة الاستعصاء على التخيل، قليلة الكلام والحنين إلى الماضي، لعل هذا هو السبب الذي يجعلني أحاول  أن أحييها وهي شابة في خيالي

أتساءل عما إذا كانت أمي تظن أن تحولاتها في الحياة مرئية ومفهومة لي، أحياناً تتحدث معي بالألغاز لأنها على يقين أنني أعلم ما تريد، وتُصدم في كل مرة أعلن فيها أنني تائهة ولا أفهم ما ترمي إليه بالتحديد وأنني أريد منها إجابة شفهية مباشرة، فتصاب بخيبة أمل.
أحب أن أتطلع في صور والديّ وبقية العائلة من ذلك الجيل، أمتلك ذاك النهم لتصور الماضي، كانت زميلتي أيام دراستي الجامعية في فصل العمارة الإسلامية تقول وهي تتأمل آثار القاهرة الفاطمية أننا ننظر إلى الماضي بعد أن انطفأت أضواءه فنراه من عدسة شبه مظلمة. أحاول أن أضيء الصور، أصب فيها قدراً لا بأس به من الخيال، ولكن تلك الحيلة لا تنفع في تصور أمي، أمي عاشت سنتين في الإسكندرية في مساكن الطالبات وهي تدرس بكالوريوس الفنون الجميلة في ستينيات القرن الماضي، لكن صراعها مع والدها الذي اعترض على عيشها بمفردها بعيداً عن بيت العائلة أعادها إلى القاهرة لتتخصص في قسم الفنون التطبيقية وتصبح بعدها مصممة أقمشة ومهندسة لمراقبة الجودة في قطاع الغزل والنسيج.

ما لا تقوله الصور القديمة 

في الثمانينيات كانت أمي تصطحبني وأنا في عمر الثامنة في جولات طويلة للتمعن في الأقمشة في أسواق المدينة المختلفة، نعود للسوق يوماً بعد يوم لنبحث عن لوحات لفنانين جدد أسعار أعمالهم في متناول يدها لتجمل جدران المنزل، وهو طقس حرصت عليه لسنوات إلى أن نفد جهدها الذي كانت تبذله في تلك المساحة من الحياة.
أنظر إلى صورها، إلى شعرها الكثيف وبساطة إيماءاتها في سنين الجامعة وأتصور كيف كانت تلك الملامح تُغضب جدي، هي كما وصفتها خالتي الأصغر: "إمرأة جميلة لا تكترث". 
سألت أمي كيف تتصور شخصها البديل لو كانت اتخذت خيارات مختلفة في الحياة؟ ضحكت  وقالت "قوية ومفترية" أي عكس الانكسار والتبعية، وأظن أن هذا مربط الفرس.
أداعبها أحياناً وأسألها عن عدم تمسكها بدراستها في الإسكندرية واستسلامها لغضب جدي الذي أعادها للقاهرة، فتقول إن الحياة كانت معقدة ومليئة بالصعوبات لفتاة في البكالوريوس وتعلن: "ظاهريا كنا أكثر تناسباً مع ادعاءات الحرية." ثم تحكي لي كيف كانت تقف أمام جدي لتحمي أمها من عنفه فيمنعها من الخروج ويغصبها على الزواج.
تمتنع عن قول المزيد فأتخيلها وهي تحضر حقيبتها وتودع زميلاتها في الاسكندرية وتتأمل البحر وتجد ما يكفي في نفسها للعودة.
ننظر في الصور أنا وخالتي الأصغر فتضحك وتعلن:
"أتعلمين أن أمك كانت تركب دراجة نارية أثناء سنين الدراسة الجامعية؟" أمي على دراجة نارية؟ لطالما حدثتني بشكل مقتضب أنها كانت تحلم أن تركب سيارة مكشوفة وتطلق لشعرها العنان في الهواء.

هل كانت الدراجة النارية مصدر ذلك الحلم؟ لا أستطيع أن أتخيلها بذلك الشكل نظراً للصور وللسيدة التي عرفتها طول حياتي. أحاول أن أسترجع كل ما أعرف وكل ما هو غامض عن شبابها لكي أكوّن رأياً بها، فهي ترفض البوح وتصر أن تظل لغزاً دافئاً ومليئاً بالحب.

كولاج زمني

بعث لي علي ياسر عاطف، الباحث الأنثروبولوجي المتخصص في الأرشفة قصيدة شعر لجوليت سينغ أستاذة اللغة الإنجليزية ودراسات المرأة والجندر والجنسانية في جامعة ريتشموند بعنوان "ما من أرشيف له أن يعيد إحياءك\يرممك" No Archive Will Restore You
كانت زميلتي في فصل العمارة الإسلامية تقول وهي تتأمل آثار القاهرة الفاطمية أننا ننظر إلى الماضي بعد أن انطفأت أضواءه فنراه من عدسة شبه مظلمة

أتأمل القصيدة والعنوان ومحاولاتي الدائمة في الربط والتخيل وفهم ما أريد من إعادة إحياء ما لم أشهده، أنا عرفت أمي كما وجدتها، قد يفصح سؤالي عن رغبتي في رؤية نفسي فيها أو العكس. ماذا علمتني دون أن تنتبه، الأجزاء التي راقت لي فاحتفظت بها ورويتها من طاقتي كي تنمو وتصعد للنور؟
أعود للتنزه في دوائر الزمن وأهجر خطوطه المستقيمة فهي "حاضرة ماضيها" كما يقول لي ميشيل-رولف ترويو في كتابه "إسكات الماضي" وهي من تمارس السلطة الحقيقية في سرد تاريخها الشخصي، فأسكن للكولاج الزمني وأرضى به كخياري الأفضل في تصور الروابط والمنطق الذي أرتضيه حين أتكلم عن أفراد عائلتي، ولكنه لا يغني أبداً عن رغبتي الدائمة في سماع ما هو أكثر من العناوين عن حكايات الماضي، أظنه الحنين للحظة المناسبة، أياً كانت تعني هذه الكلمات المحيرة.  

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard