تصدّق الخليفة بعدها... رحلة سلام الترجمان إلى سدّ يأجوج ومأجوج

الخميس 4 أغسطس 202203:10 م

عرفت الحضارة العربية الإسلامية قصص العديد من الرحلات والأسفار العجيبة، والتي وصل فيها الرحالة المسلمون إلى أماكن بعيدة ونائية. كانت رحلة سلام الترجمان في القرن الثالث الهجري إلى سد يأجوج ومأجوج واحدة من تلك الرحلات. وردت تفاصيل تلك الرحلة في الكثير من الكتب وحظيت باهتمام الجغرافيين والمؤرخين عبر القرون. رغم ذلك تحيط الشكوك بتفاصيل تلك الرحلة، إذ يعدّها الكثير من الباحثين ضربًا من ضروب الخيال الأدبي.

مصدر القصة

وردت قصة رحلة سلام الترجمان لسد يأجوج ومأجوج في الكثير من المصادر التاريخية الإسلامية، ومنها على سبيل المثال كل من "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للإدريسي (المتوفى 559هـ)، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي (المتوفى 626هـ)، و"تاريخ الإسلام" لشمس الدين الذهبي المتوفى (748هـ)، و"البداية والنهاية" لابن كثير الدمشقي (المتوفى 774هـ).

رغم شيوع تلك القصة في تلك المصادر المهمة إلا أن جميع المؤرخين قد استقوها من مصدر واحد فقط، ألا وهو كتاب "المسالك والممالك" للجغرافي الفارسي أبي القاسم عُبيد الله بن عبد الله المعروف بابن خرداذبة (المتوفى سنة 280هـ تقريباً). كان ابن خرداذبة مسؤولًا عن البريد والأخبار في الدولة العباسية، وقيل إنه تولى بعض أعمال الوزارة للخليفة الواثق بالله. التفت بعض المؤلفين للتطابق شبه التام بين جميع الروايات التي قيلت بشأن تلك الرحلة، وأن مصدرها جميعاً هو ابن خرداذبة؛ على سبيل المثال ذكر ابن الفقيه (المتوفى 365هـ) في كتابه "المسالك والممالك": "قرأت في كتاب ابن خرداذبة وغيره في قصة هذا السد على نسق واحد، واللفظ والإسناد لابن خرداذبة لأنه كان وزير الخليفة وأقدر على ودائع علوم خزانة أمير المؤمنين مع أنه يقول حدثني سلّام المترجم".

تفاصيل الرحلة

يذكر ابن خرداذبة السبب في تلك الرحلة العجيبة فينقل عن سلام الترجمان أن الخليفة العباسي الواثق بالله "لمّا رأى في منامه كأنّ السّدّ الذي بناه ذو القرنين بيننا وبين يأجوج ومأجوج قد انفتح فطلب رجلًا يخرجه إلى الموضع فيستخبر خبره...". بحسب الرواية فإن "أشناس" وهو أحد القادة الأتراك في جيش الواثق بالله، أشار على الخليفة بأن يكلف سلام الترجمان بتلك المهمة العظيمة، وقال له: "ما هاهنا أحد يصلح إلا سلام الترجمان". ويفسر ابن خرداذبة هذا الاختيار بأن سلاماً كان "يتكلم بثلاثين لساناً"، ولذلك عُرف بلقب "الترجمان".

الخليفة العباسي الواثق بالله "لمّا رأى في منامه كأنّ السّدّ الذي بناه ذو القرنين بيننا وبين يأجوج ومأجوج قد انفتح فطلب رجلًا يخرجه إلى الموضع فيستخبر خبره..."

يحكي ابن خرداذبة أن الواثق استدعى سلاماً، وأمره بأن يخرج ليعاين السد، وضم إليه خمسين شاباً قوياً ومائتي بغل لحمل الطعام والشراب، كما منحه خمسة آلاف دينار، وسلمه عشرة آلاف درهم كدية له في حالة أن توفي في تلك الرحلة الشاقة.

خرج سلام وأصحابه من عاصمة العباسيين في سامراء، وكان الخليفة قد أعطاهم خطاب توصية موجهاً إلى إسحاق بن إسماعيل والي أرمينية. لمّا وصل المسافرون لإسحاق، احتفى بهم وأعطاهم كتاباً مماثلاً لبعض ملوك الخزَر. بدوره قدم الملك الخزري يد العون لسلام وأصحابه، ووجه معهم الأدلاء، فساروا جميعاً لمدة ستة وعشرين يوماً متواصلة في بلاد آسيا الوسطى وشبه جزيرة القرم، حتى وصلوا "إلى أرض سوداء منتنة الرائحة".

تغلب المسافرون على الرائحة بما شموه من خل، وتابعوا سيرهم لمدة عشرة أيام حتى وصلوا لبعض المدن الخربة التي قيل لهم إنها المدن التي عاث فيها يأجوج ومأجوج فساداً فيما انقضى من الأيام الغابرة. يذكر سلام أنهم بعد أن خرجوا من تلك المدن وصلوا إلى "حصون بالقرب من الجبل الذي في شعبة منه السد وفى تلك الحصون قوم يتكلمون بالعربية والفارسية، مسلمون يقرأون القرآن لهم كتاتيب ومساجد، فسألونا من أين أقبلنا فأخبرناهم أنا رسل أمير المؤمنين، فاقبلوا يتعجبون ويقولون أمير المؤمنين! فنقول نعم، فقالوا شيخ هو أم شاب؟ فقلنا: شاب، فعجبوا أيضاً فقالوا: أين يكون؟ فقلنا: بالعراق في مدينة يُقال لها سُرّ من رأى. فقالوا: ما سمعنا بهذا قط!".

وصف سلام تلك الحصون والمدينة العظيمة المجاورة لها، فقال: "بين كل حصن من تلك الحصون إلى الحصن الآخر فرسخ إلى فرسخين أقل وأكثر، ثم صرنا إلى مدينة يُقال لها أيكة، تربيعها عشرة فراسخ ولها أبواب حديد يرسل الأبواب من فوقها، وفيها مزارع وأرحاء داخل المدينة، وهي التي كان ينزلها ذو القرنين بعسكره بينها وبين السد مسيرة ثلاثة أيام، وبينها وبين السد حصون وقرى حتى تصير إلى السد في اليوم الثالث".

وصل الترجمان أخيراً إلى السد المنشود، وقد عمل على وصفه بشكل تفصيلي، فقال بأنه: "فج بين جبلين عرضه مائتا ذراع وهو الطريق الذي يخرجون منه -يقصد يأجوج ومأجوج- فيتفرقون في الأرض... بناه -ذو القرنين- بالحديد والنحاس حتى ساقه إلى وجه الارض ثم رفع عضادتين مما يلي الجبل من جنبتي الفج... وكله بناء بلبن من حديد مغيب في نحاس... وإذا باب حديد بمصراعين معلقين عرض كل مصراع خمسون ذراعاً في ارتفاع خمس وسبعين ذراعاً في ثخن خمس أذرع... لا يدخل من الباب ولا من الجبل ريح كانه خلق خلقة، وعلى الباب قفل طوله سبع أذرع... والقفل لا يحتضنه رجلان... وعلى الغلق مفتاح معلق طوله ذراع ونصف... واستدارة المفتاح أربعة أشبار معلق في سلسلة ملحومة بالباب طولها ثماني أذرع في استدارة أربعة أشبار والحلقة التي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق... ومع الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتي ذراع في مائتي ذراع، وعلى باب هذين الحصنين شجرتان، وبين الحصنين عين عذبة، وفي أحد الحصنين آلة البناء التي بُني بها السد من القدور الحديد والمغارف الحديد... وهناك بقية من اللبن الحديد قد التزق بعضه ببعض من الصدأ...". كما كُتب على الباب "فاذا جاء وعد ربي جعله دكّاء وكان وعد ربي حقاً".

تطرق الترجمان بعدها للحديث عن المسلمين المُكلفين بالحماية وكيفية تأمينهم لهذا السد، فقال:  "...ورئيس تلك الحصون يركب في كل يوم اثنين وخميس، وهم يتوارثون ذلك الباب كما يتوارث الخلفاء الخلافة، يجيء راكباً ومعه ثلاثة رجال، على عنق كل رجل مرزبة، ومع الباب درجة فيصعد على أعلى الدرجة، فيضرب القفل ضربة في أول النهار، فيسمع لهم -أي يأجوج ومأجوج- جلبة مثل كور الزنابير ثم يخمدون، فإذا كان عند الظهر ضربه ضربة أخرى، ويصغي بأذنه إلى الباب فتكون جلبتهم في الثانية أشد من الأولى، ثم يخمدون فإذا كان وقت العصر ضرب ضربة أخرى، فيضجون مثل ذلك ثم يقعد إلى مغيب الشمس ثم ينصرف الغرض في قرع القفل أن يسمع من وراء الباب، فيعلموا أن هناك حفظة، ويعلم هؤلاء أن هؤلئك لم يحدثوا في الباب حدثاً...".

يحكي سلام أن باب السد كان به شق صغير "مثل الخيط الدقيق"، وأنه أخرج سكينه، وكشط جزءاً صغيراً من حديد هذا الشق، ووضعه في منديل ليريه الخليفة الواثق بالله بعد رجوعه.

بعد أن أتم سلام مهمته، وتأكد من عمارة السد على أحسن صورة، أنصرف مع أصحابه إلى خراسان، ثم توجهوا إلى سمرقند، وعبروا نهر بلْخ، ومرّوا بكلٍّ من بخارى وترمذ ونيسابور (أو نيشابور).

حكى الترجمان لابن خرداذبة أنهم فقدوا اثنين وعشرين رجلاً -ما بين مريض وميت- في رحلة الذهاب، بينما توفي أربعة عشر رجلاً في رحلة الرجوع إلى العراق. وفي النهاية وصل المسافرون إلى عاصمة الخلافة بعد طول غياب.

يختتم سلام القصة بقوله: "ووردنا سُرّ من رأى، فدخلت على الواثق، فأخبرته بالقصة، وأريته الحديد الذي كنت حككته من الباب، فحمد الله وأمر بصدقة يتصدق بها، وأعطى الرجال كلَّ رجل ألف دينار، وكان وصولنا إلى السدّ في ستة عشر شهراً، ورجعنا في اثني عشر شهراً وأيام".

الرحلة في ميزان النقد التاريخي

حظيت رحلة سلام الترجمان باهتمام عدد كبير من المستشرقين، ولا سيما الروس الذين حاولوا التعرف على خط سير الرحلة. ذهب المستشرق الهولندي ميخيل دي خويه، والمستشرق الروسي أليكساندر فاسيليف إلى حقيقة وقوع تلك الرحلة. بينما ذهب المستشرق الروسي إغناطيوش كراتشكوفسكي في كتابه "تاريخ الأدب الجغرافي العربي" إلى أن سلاماً قد وصل في رحلته إلى كازاخستان في آسيا الوسطى، وعلق على ما ورد من تفاصيل حول تلك الرحلة بقوله: "لا يمكن اعتبارها رسالة جغرافية، بل مصنف أدبي يحفل بعناصر نقلية من جهة وانطباعات شخصية صيغت في قالب أدبي من جهة أخرى".

ويرى الكثيرون أن سلاماً قد نقل ما سمعه من روايات أسطورية من الشعوب التي قابلها في رحلته، وأنه قد روى تلك الحكايات في ما بعد لابن خرداذبة، بحيث يظهر وكأنه البطل والشاهد الذي شارك بنفسه في معاينة تلك الأحداث.

من جهة أخرى، يرى بعض الباحثين أن الترجمان قد وصل في رحلته إلى سور الصين العظيم، وأن التفاصيل الغريبة الواردة في القصة لا تعدو أن تكون محض إبداع أدبي متخيل؛ على سبيل المثال يذكر الباحث المصري زكي محمد حسن في كتابه "الرحَّالة المسلمون في العصور الوسطى": "إن رحلة سلام الترجمان إلى سور الصين الشمالي قد تكون حقيقة تاريخية، وإن كان سببها الذي يذكره الجغرافيون العرب —كالقزويني وياقوت— على لسان الرحالة نفسه، أشبه بأسطورة خيالية". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard