ماذا يجري في العالم الآخر؟... حين يسافر إليه أبو العلاء المعرّي والقديس براندان

الأحد 24 يوليو 202203:24 م

كنص أدبي يتمحور حول العالم الآخر بغموضه، وألغازه اللانهائية، جاءت "رسالة ‏الغفران" لأبي العلاء المعري، محملة بظلال هذا العالم، بل بأعماقه، فبدت وكأنها قطعة ‏منه. ومن ثم، اشتهرت "رسالة الغفران" التي عُدّت أعظم أثر في النثر العربي، بأنها ‏الرسالة اللغز، وفي قولٍ آخر بـ"الرسالة الخطرة".

هذا الغموض المحكم، الذي تحقق في ‏‏"الغفران" عبر بنائها الفني، وأبعادها الفلسفية والدينية، وكذلك البعد اللغوي، فتح ‏باب التأويلات على مصراعيه، فتعددت القراءات والدراسات النقدية قديماً وحديثاً ‏حول هذا النص الفريد محاولة فكّ شفرات ألغازه، وتذويب غموضه، لكن المهمة كانت ‏ولا تزال عسيرة، فـ"رسالة الغفران"، نصّ عصي على التأويل النهائي، لأنها محملة برموز ‏العالم الأخروي المجهول، وذلك منحها القدرة على الخلود وعلى التحول اللانهائي، ‏فتبرز وتخفي في ذات الوقت الأفكار العميقة. وبالطبع لا يُمكن قراءة "رسالة الغفران" ‏بمعزل عن دراسة كاتبها أبي العلاء المعري أحد أعظم شعراء ومفكري العرب، أو بمعزل ‏عن حياته، التي عاشها – وفقاً لمقولة شائعة- رهين المحبسين: العمى، والبيت. ‏

وكان عميد الأدب العربي طه حسين، والذي يُعرف أيضاً بـ"معري القرن العشرين"، ‏يُقرّ بالصعوبات التي يواجهها الباحثون حين يتصدّون لقراءة "رسالة الغفران"، ورأى ‏أن قارئ الغفران يجب أن يتحلى بـ"دقة الملاحظة، وحذق الفطنة، وبُعد نظر، ونور ‏بصيرة، وعليه أن يدرس روح الكاتب فيحسن درسه ويعرف أغراضه". أما ‏المستشرقون، فقد مضوا بلغز الغفران خطوة أبعد، إذ أقرّ ويليام جيب، بصعوبة ‏الانتهاء إلى آراء قاطعة: "إن قضية الغفران لم تُحلّ بعد. فما الذي كان يعنيه أبي العلاء ‏على وجه الدقة من رسالته؟".‏

أدب الرحلة إلى العالم الآخر ‏

حاولت أستاذة الأدب بجامعة عين شمس، الدكتورة منى طلبة، في كتابها الجديد "أبو ‏العلاء وبراندان"، الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، الإجابة عن ‏سؤال ويليام جيب الصعب، وتأويل نص الغفران، تأويلاً جديداً، عبر النظر إلى ‏‏"رسالة الغفران" بوصفها نموذجاً "لأدب الرحلة إلى العالم الآخر"، ووضعها في مقارنة مع ‏سائر نصوص هذا النوع من الأدب بصفة عامة، ورحلة القديس براندان ("الجنة الأرضية") بصفة ‏خاصة، بوصفها نصاً موازياً لها في الثقافة الغربية.

‏ استعد براندان للرحلة، فقام بإعداد سفينة بمعاونة أربعة عشر راهباً اختارهم لمرافقته ‏في الرحلة. وعند الإقلاع جرى نحو السفينة رهبان ثلاثة آخرون يرجون صحبة الأب ‏في هذه الرحلة المقدسة، فقبِل براندان على مضض، لأنه كان يعلم بسوء المصير الذي ‏ينتظرهم هناك

وعلى مدار ستة فصول، خاضت ‏‏منى طلبة، مغامرةً بحثية ونقدية مدهشة، واستندت إلى كمّ هائل من الدراسات ‏الأجنبية ، حيث خلت الثقافة العربية من الدراسات والأبحاث التي تخص أدب ‏الرحلة إلى العالم الآخر، رغم زخمها بالعديد من النصوص التي تنتمي إلى هذا النوع من ‏الأدب. ‏

وتستند منى طلبة إلى هِرمان بريت، في تعريفه لأدب الرحلة إلى العالم الآخر، ‏حيث يقول: "الكتابة الأخروية في مجموعها تعرض للمجهول عن طريق ‏المعروف، وهي تركب اللاواقع مع الواقع من خلال التماثلات التي تُقدمها بينهما. هكذا ‏يبدو العالم الآخر في هذه الكتابات كعالم أرضي مقلوب ومواز لعالم الحياة الدنيا. إذن ‏لهذا النوع الأدبي علاقة وثيقة بالواقع وبالمجتمع الذي ينشأ فيه، قد يكون تعبيراً عن ‏الأمل في طفرة جماعية جديدة، أو عن إرادة أخلاقية وروحية لازمة لتوحيد المجتمع أو ‏إعادة تنظيمه وفقاً لمبادئ جديدة".


وهكذا، بحسب منى طلبة، يرتبط الأدب ‏الأخروي بالحياة في انتقالها إلى الموت ثم الحياة في ما بعد الموت؛ فالرحلة الأخروية رحلة ‏شديدة الخصوصية والتعقيد تلتحم فيها حياة الفرد بالجماعة وبالعالم منذ البدء حتى ‏اللانهائي، توجهها الرغبة في الاتصال المباشر بالمطلق. وتُقسم الباحثة هذا النوع من ‏الأدب إلى نصوص أسطورية، ودينية، وإنسانية، وهذه النصوص تمتد على مساحة ‏زمنية طويلة تصل إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد.‏

‏ وينتمي نصّا "الغفران"، و"الجنة الأرضية"، إلى النصوص الإنسانية، وهي –كما تقول ‏طلبة- تُنسب إلى مؤلف بعينه، وتستلهم النصوص الأسطورية والدينية، أو النصوص ‏المعاصرة لها، لتقديم وجهة نظر خاصة بالمؤلف. ومن ثم، قامت الباحثة بعرض ‏وافٍ ومكثف لعدد هائل من هذه النصوص، ومنها ما ينتمي إلى الأدب الجنائزي ‏المصري القديم مثل: الدراما المنفية، متون الأهرام، رحلة الشمس، كتاب الموتى، و‏الخروج إلى النهار، وكذلك تناولت ملحمة جلجامش، وبعض الأساطير الفارسية ‏واليونانية، ونصوص الوحي التي تتمثل في النص القرآني وحديث الإسراء والمعراج، ‏كنصين رئيسين يُشكلان مفهوم العالم الآخر في الإسلام، ورؤيا القديس يوحنا، التي ‏تُعد المصدر الرئيسي للعالم الآخر في التراث المسيحي، وسفر النبي دانيال وحزقيال ‏وأخنوخ، التي تشكل العلامات الرئيسة في التصور اليهودي للعالم الآخر.

المقارنة ‏بين رسالة الغفران ورحلة براندان قامت على عدة مقومات، منها ‏أن النصين ينتميان إلى نوع أدبي مشترك وهو أدب الرحلة إلى العالم الآخر

والمقارنة ‏بين رسالة الغفران ورحلة براندان، قامت على عدة مقومات، منها -بحسب الباحثة- ‏أن النصين ينتميان إلى نوع أدبي مشترك وهو أدب الرحلة إلى العالم الآخر، وكذلك ‏ينتميان إلى العصر الوسيط الذي ازدهر فيه هذا النوع من الأدب بصفة خاصة، كما ‏أنهما يشتركان في خصيصة تميزهما عن سائر نصوص الرحلة إلى العالم الآخر، وهي ‏ازدواج الحياة الواقعة بالحياة المتخيلة. ‏

رحلة القديس براندان

سانت براندان، هو رجل دين وبحار أيرلندي عاش في القرن السادس الميلادي. ‏ذاعت شهرته كبحار ومستكشف ماهر، إذ يُعتقد أنه قام بالفعل برحلة بحرية إلى ‏إسكتلندا، وهناك من يعتقدون أنه كان من أوائل المكتشفين للقارة الأمريكية، وهذه ‏الحكايات التي تُنسب إلى براندان، وتجمع بين الواقع والخيال قد سجلت في ملحمة ‏تحكي رحلة القديس برندان البحرية إلى الجنة الموعودة للقديسين. وترجع أقدم نسخة ‏لهذه الملحمة التي تروى عن برندان إلى عام 950. وفي أوائل القرن الثاني عشر ‏الميلادي، أعاد الدون بنديت روايتها وكتابتها، وترجمت إلى مختلف اللغات حتى ‏أصبحت جزءاً رئيساً من الفلكلور الأوروبي.

وتحتوي دراسة منى طلبة، على أول ‏ترجمة عربية لرحلة براندان، واعتمدت في ترجمتها على نسخة المخطوطة التي توجد ‏بالمتحف البريطاني باسم "الرحلات العجيبة للقديس براندان بحثاً عن الجنة الأرضية، ‏ملحمة شعرية من القرن الثاني عشر الميلادي". ‏

وتحكي طلبة أن براندان يرجع نسبه إلى سلالة ملوك أيرلندا، ولكنه زهد في جاه ‏الملك، ونذر نفسه للرهبنه، وترقى في المناصب حتى صار قساً يتكفل برعايته آلاف ‏الرهبان الذين اتخذوا من صلاحه مثلاً وقدوة، وفي يوم من الأيام، شعر براندان ‏برغبته في رؤية الجنة، مقرّ آدم الذي طرد منها لخطيئته، وكذلك رغبته في رؤية المكان ‏المخصص للكفار وللمؤمنين في الآخرة، فعكف على دعاء الله حتى يُحقق له مراده، ثم ‏توجه للاعتراف أمام القس "بارنت" الذي بشره بإمكان الوصول إلى الجزيرة الجنة ‏المخصصة للقديسين وحدهم، فقد وصل هو نفسه إليها، وأخبره أن هذه الجنة تقع ‏بالقرب من جنة الآخرة التي سوف يُناهزونها بعد الموت.


‏ استعد براندان للرحلة، فقام بإعداد سفينة بمعاونة أربعة عشر راهباً اختارهم لمرافقته ‏في الرحلة. وعند الإقلاع جرى نحو السفينة رهبان ثلاثة آخرون يرجون صحبة الأب ‏في هذه الرحلة المقدسة، فقبِل براندان على مضض، لأنه كان يعلم بسوء المصير الذي ‏ينتظرهم هناك.

وكان براندان قد قدر أربعين يوماً لرحلته، لكنها استغرقت سبع ‏سنوات، واجهوا خلالها الكثير من المصاعب، ومرّوا على قصر مهجور من البلّور، ‏وعلى جزيرة النعاج والحوت، وجنة العصافير وجزيرة إيبل، والتقوا فيها بنظائرهم من ‏القديسين والرهبان، بعد ذلك مضوا إلى البحر حتى هاجمتهم الوحوش البحرية، ولكن ‏الرب قد نجاهم، ثم دفعتهم الريح إلى أرض قاحلة هي أرض جهنم، ليشاهدوا عذاب ‏الكافرين والهالكين، وكذلك عذابات يهوذا، حتى مضت السفينة نحو الجزيرة التي ‏يقطنها بولس الزاهد، ليصلوا منها إلى الجنة المرصعة بكافة أنواع الجواهر، ويستمعوا إلى ‏شدو الملائكة، لكنهم عادوا ولم يمكثوا فيها، حيث لم يكن مسموحاً لهم بالإقامة، فعادوا ‏حاملين معهم الجواهر كدليل على وصولهم إلى الجنة.‏

ماالذي تقوله لنا رسالة الغفران؟

عاش أبو العلاء المعري في العصر العباسي، وكتب رسالة الغفران في القرن الحادي ‏عشر الميلادي، وتتكون من رسالة ابن القارح لأبي العلاء، وقصة الغفران، وتتضمن ‏رحلة ابن القارح بين الجنة والنار، وهذا هو القسم التخييلي العجائبي في الرسالة، ‏حيث يلتقي ابن القارح بسكان الجنة والنار من الشعراء والأدباء، ثم تختتم الرسالة ‏بجواب أبي العلاء. وهي نص ملغز، سواء في البناء الفني، أو على مستوى اللغة، ‏ومثير في خياله الجامح، وفلسفته المعجزة. واتبعت منى طلبة المنهج التأويلي في ‏سبيل تقديم قراءة جديدة لرسالة الغفران، حيث رأت أن القراءات السابقة للرسالة، ‏اهتمت بالكشف عن إيمان أو زندقة أبي العلاء، أكثر من التركيز على فهم ما تعنيه ‏رسالة الغفران.

بحسب منى طلبة يرتبط الأدب ‏الأخروي بالحياة في انتقالها إلى الموت ثم الحياة في ما بعد الموت؛ فالرحلة الأخروية رحلة ‏شديدة الخصوصية والتعقيد تلتحم فيها حياة الفرد بالجماعة وبالعالم منذ البدء حتى ‏اللانهائي

ومن خلال هذا المنهج التأويلي، وكذلك مقارنتها بنص "الجنة الأرضية" ‏لبراندان، بدت "رسالة الغفران" لمنى طلبة "نصاً من أروع الآداب العالمية الخاصة ‏بالرحلة إلى العالم الآخر، ونموذجاً لأرقى ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية على ‏المستويين الشكلي والمضموني؛ على مستوى الشكل تميز بناء الغفران بالتعقيد ‏والحداثة إذ تعددت الشخصيات والأصوات والمشاهد. وعلى مستوى المضمون كانت ‏رسالة الغفران النص الوحيد الذي ساوى بين جميع الأديان، كما ساوى بين سكان ‏الجنة والنار، لتبدأ الجنة من منطقة وسطى بين الخطيئة والسُّبل المختلفة لتجاوزها. كما ‏كانت رسالة الغفران النص الأخروي الوحيد الذي قدم نقداً لاذعاً للذات وللثقافة ‏الإسلامية، حيث كان أبو العلاء مدركاً لهذا الوعي الزائف للنص الديني القائم على ‏ثنائية الوعد والوعيد، والتصور الحرفي للجنة والنار، وهذا الوعي الزائف هو ما أراد ‏تحطيمه من خلال رسالة الغفران".‏

رؤى غير تقليدية للعالم الآخر ‏

ورأت طلبة أن براندان قدم النموذج المثالي للقديس، فيما قدم أبو العلاء النموذج ‏الواقعي للأديب من خلال شخصية ابن القارح، الممتلئة بالتناقضات ونقاط الضعف، ‏ومن ثم توصلت إلى أن القديس براندان كان يهدف من رواية حكايته إلى تكوين ‏الأتباع وفرض نفسه كنموذج على البشر، أما أبو العلاء فقد كان يهدف من رواية ‏الرحلة إلى ردّ الفرد إلى ضميره وإعمال العقل، والاجتهاد في الحياة، حتى لا يكون ‏دخوله الجنة مجانياً.

وبشكل عام يُمكن النظر إلى رسالة الغفران كنص مناهض للتصور ‏الإسلامي الراسخ عن العالم الآخر، فأبي العلاء صاغ هذا العالم من خلال رؤيته لواقع ‏المسلمين في عصره، ورؤيته للعالم بتعقيداته، وكذلك طموحه في التغيير. وكان يرى أن ‏هذا العالم الآخر ليس بهذا التطرف السافر بين جنة المسلمين ونار الكفار، كما يُظهره ‏الفقهاء، وطمح عبر مغامرته اللغوية إلى الوصول إلى رؤية مغايرة لهذا العالم.

وتُظهر ‏‏طلبة من خلال المقارنة، بساطة نص "الجنة الأرضية" في مقابل التعقيد ‏والتركيب في نص "رسالة الغفران"، لكنها ترى أن النصين، يُقدمان رؤى غير تقليدية ‏للعالم الآخر؛ فواحدة تجوب البحار، والثانية تغور في أعماق اللغة، والبطل ابن القارح ‏في رسالة الغفران، يعتمد على كونه أديباً، في حين يعتمد براندان في رحلته على مهارته في ‏الإبحار، ليغيرا معاً التصور التقليدي الأيديولوجي لهذا العالم كما تَمثّل في مجتمعيهما. ‏

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard