"أصفهان نصف الدنيا"... رحلة ظاهرها المتعة وباطنها الموت

الثلاثاء 31 ديسمبر 201902:02 م

فعل "جهانكير هدايَت" خيرًا، عندما لم ييأس، ولم تُحبِطه محاولات دور النشر لإثنائه عن طبع رحلة عمّه الأديب الإيراني الراحل صادق هدايت، بحجة أنها صغيرة الحجم، ونشكر الإلهام الذي ألقى إليه بفكرةِ وضع ثلاثة نصوص أخرى (الموت، وسامبينغه، والمهووسة) إلى جانب الرحلة. فمن ناحية، حقق للناشرين مرادَهم وزادت عدد صفحات الكتاب، ومن ناحية أخرى، وقع في أيدينا نصّ متكامل رغم اختلاف مضامينه، أُطلِق عليه "أصفهان نصف الدنيا".

يستهلّ المترجم الإيراني أحمد حيدري، الكتابَ بتعريف بديع لمؤلِفِه صادق هدايت، وكواليس رحلته، دون الوقوع في فخّ كشف مضمون الرّحلة ذاتها، وهو أمر تداركه بذكاء، كونه على علم بصغر حجم النص الذي بين يديه؛ لكنّ ذلك لم يُثنِه عن إدخال القارئ في أجواء أصفهان، قبل الولوج إليها عبر كلمات هدايت، فيصفها حيدري قائلًا: "أصفهان، تلك المدينة الساحرة التي تنام بين جبال الحقيقة والخيال. أصفهان، المدينة التي شغلت عقول الكثيرين وأقلامهم برنّات اسمها وبتعدّد معانيها... مدينة جمعت منذ القِدَم مِللًا وشعوبًا مختلفة ليساهموا في بنائها".

رحلة هدايت... صغيرة الحجم كبيرة الإبداع

غرام صادق هدايت بأصفهان، جاءه عن طريق ما وصَلَ إليه من صور، وما سمعه من وصف، أو قرأه عنها من كلمات جلعتها في مُخيلته "مثل حكايات ألف ليلة وليلة، بمساجدها وقصورها، ومناراتها وخزفها، وفنّ الخط والرسم فيها"، فنقل إلينا بين دفتي كتابه الصغير فيضًا من ذلك الغرام الذي يتخلله الكثير من الشجن، وبعض التحسر على أزمنةٍ مضت.

هربًا من روتين يكرهه صادق هدايت منذ أن كان في الابتدائية، وعذابه من تشابه الأيام التي أصبحت مثل تقويم نجم الدولة (عبد الغفار نجم الدولةــ فلكي ورياضي، وكاتب التقويم الإيراني)، عزَم النية على السفر إلى أصفهان، مغتنمًا أربعة أيام عطلة من البنك الذي كان يعمل به في عشرينيات القرن الماضي. تلك الإجازة الصغيرة جعلت من وصفه للمدينة سريعًا، لكنه لا يخلو من القيمة الأدبية، والحِسّ القصصي في وصف ما يراه، وشعوره نحوه.

غرام صادق هدايت بأصفهان، جاءه عن طريق ما وصَلَ إليه من صور، وما سمعه من وصف، أو قرأه عنها من كلمات جلعتها في مُخيلته "مثل حكايات ألف ليلة وليلة، بمساجدها وقصورها، ومناراتها وخزفها، وفنّ الخط والرسم فيها"

سريعًا دخل هدايت في سرد رحلته، معرجًا على نقطة الانطلاق التي شاركه فيها أربعة من أصدقائه الذين لم يكونوا "إلا وجعًا للرأس"، بحسب وصفه، ووصل العدد إلى ستة أشخاص، عندما زاد عليه السائق ومساعده.

لم يدَع هدايت نقطةَ الانطلاق تمرّ دون وصف أدبي بالغ الدقّة، شديد الإيجاز، حين أبرز قسمات مرافقيه، ووجهتهم التي يصبون إليها في أصفهان، قائلًا: "جلسنا أنا وأحد معارفي، وهو ذاهب لرؤية أقربائه، ويهودي مجدور الوجه، وله أنف مثل غراب البحر، وهو ذاهب إلى (بوشِهْر)، ليأتي بمال تجارته، وجلس في المقدمة السائق ومساعده، وسيد زراشتي برقبته الغليظة وشاربه المفتول".

فور انطلاق السيارة، استحالت عينا صادق هداية إلى كاميرا تلتقط ما يراه، فيقول: "على جانبي الطريق صفّان من أعمدة التلغراف، صفّ من الأعمدة الحديدية، والآخر من الخشب (...) بانت كَهريزَك بأشجارها المرتبة، ومداخن معامل السكر (...) الجبال الداكنة بلونها الفولاذي تختلط بلون صفحة السماء. وعند سفح الجبل امتدّ شريط أخضر من الفستق، وثمة أخدود يجري فيه الماء ويتلألأ".

لو لم تكن أصفهان في الدنيا، لم يخلق الباري دنيا

قبل أن يشرع هدايت في سرد ما تتمتع به أصفهان من آثار جاذبة للسياح، وميادين تمتاز بحُسن العمارة، استغلّ فريحته الأدبية في وضع استهلالة لذلك، فقال: "الجوّ في ليل أصفهان مستقرّ، وتسمع زقزقة العصافير صباحًا". ثمّ عاد إلى عينيه لتصوير أوّل ما أراد إخبار القارئ به، وهو قصر "جِهِلْسُتون". ولم يغفل في ذلك سرد وقائع تاريخية، تحمل وجهة نظره المدهشة، فيقول مثلًا عن اللوحات والنقوش الغرامية التي يضمّها القصر: "قد تكون الروح الأصفهانية استلهمت من هذه الموضوعات الغرامية والصور على الجِهِلْستون؛ لأن أكثر الناس في يوم الجمعة يخرجون إلى هذه الأماكن، ولكن هذه اللوحات مليئة بالروح. وبعد مرور ثلاثمائة سنة مازالت هذه الصور تنقل لنا ما تريد قوله، وتجتذبنا إلى أحلام عسلية مفعمة بالعشق".

بعد مرور ثلاثمائة سنة مازالت هذه الصور تنقل لنا ما تريد قوله، وتجتذبنا إلى أحلام عسلية مفعمة بالعشق

ثم يشرع هدايت في شرحٍ دقيق لمعالم أخرى في أصفهان، مثل ميدان شاه ومسجده، والمدرسة الهارونية، ومسجد السلطان سَنجَر، وإمام زاده إسماعيل، ودار البطيخ، وجُلفا، وكلّ واحد من هذه الأماكن يصوره هدايت بكلماته بطريقة أدبية توصلكم إلى الدرجة التي يُخيّل إليكم فيها أنكم ترونه.

"الموت" أكثر كلمات هدايت تكرارًا!

استخلص المترجم أحمد حيدري علاقة هدايت بالموت بكمات موجزة في مقدمته، قائلًا: "كثيرًا ما ارتبط اسم هدايت بالموت والانتحار، وهذه بوّابة رسمها صادق في رحلته بأسلوبه الأدبي الجذاب. ثمّ تأتي أسطورة (سامبينغه) بعد الموت لتكون مدخلاً إلى الهند، وفترة إقامته هناك، لطباعة (البومة العمياء) بطريقة بدائية بعد منعه من نشرها في إيران".

لفظ الموت لم يأتِ في كتاب "أصفهان نصف الدنيا" كنصّ لمقالٍ وضعه هدايت فقط، ولكنه كان كجرس إنذار يقرع في كلّ صفحة من صفحات الكتاب، حتى في الأجزاء التي كان فيها الكاتب يمزح، ويسخر من رفاق رحلته؛ ففي مستهلّ الرحلة يصف حمارًا جريحًا، بأنه "ترك رأسه الكبير يترنح، وكأنه يدعو الموت إليه"، ويقول عن أشجار تراكم عليها الغبار، إنها "محكوم عليها بالموت، مثل إنسان حُكِم عليه بالموت ويستعجل موته".

تكرّر لفظ الموت في "أصفهان نصف الدنيا" ما يقرب من ثلاثين مرّة، ذكرها هو نفسه في نَصّ رحلته، وفي مقاله المعنون بها، واحدة وعشرين مرّة بالتمام.

ذلك الموت الذي لم يفارق لسان هدايت في كتابه، جرّبه مرة في باريس، عندما حاول الانتحار في نهر "مان"، وصادف أن كان هناك قارب عابر فانتشله من الماء. وكرّر الفعل ذاته في عمارة "بشامبي يونه"، بالمنطقة الثانية عشرة في باريس، ونجح هذه المرّة للأسف عندما خنق نفسَه بالغاز في 19 من أبريل لعام 1951، مُحققاً بذلك ما كان يُبشر به في ختام مقاله: "أنت تفتح نافذة الأمل لمن فقدوا الأمل. أنت تأخذ بأيدي المسافرين المتعبين وتكرمهم. أنت الجدير بالثناء. أنت تملك حياة خالدة"!

عن الكاتب صادق هدايت

صادق هدايت، من مواليد 17 فبراير لعام 1903 بطهران. دخل المدرسة العملية الابتدائية بطهران عام 1909، ثمّ درس في ثانوية دار الفنون عام 1911.

أنهى تعليمه عام 1922، وغادر إلى بلجيكا مع بعثة دراسية، وأتبعها بسفر إلى باريس بعدها بثلاثة أعوام، عندما لم يرق له الطقس هناك. ثمّ عاد إلى طهران عام 1927، وعمل في بنك إيران الوطني، وفي العام ذاته، شكّل مع أصدقائه (بُزُرك علوي، ومسعود فَرزاد، ومجتبى مينُوي) مجموعة "ربعة" التي كان لها دور في إدخال الحداثة على النصوص الأدبية الفارسية.

ــــــــــــــــــــــ

الكتاب: أصفهان نصف الدنيا

المؤلف: صادق هدايت

ترجمة وتحقيق: أحمد حيدري

الناشر: مسارات للنشر والتوزيع

الصفحات: 116 صفحة

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard