محاربة المثلية قبل محاربة الفقر في العراق... حسين فاخر متهم بها وبازدراء الأديان

الخميس 28 يوليو 202204:42 م

اتهم المطرب الشعبي حسين فاخر بتشجيع المثلية وازدراء الأديان بسبب مقطع من موال تداولته وسائل التواصل الاجتماعي على مدى الأيام الماضية، يقول فيه فاخر:

عمي منهو ال كال لك  

حب الولد عيب 

محمد ولد

والله يحب محمد

كلمات الموال الذي غناه الفنان الذي ينشط بحفلاته الشعبية بين محافظات النجف وكربلاء والقادسية، كانت كفيلة بإشعال فتيل ضجة شعبية، ما بين مؤيد ومعارض لها، في حادثة ليست الأولى من نوعها، وغالباً لن تكون الأخيرة.

انتشار هذا المقطع، كان بداية القصة، بعد أن رفع مجموعة من المحامين شكوى قضائية على فاخر لدى محكمة تحقيق المشخاب التابعة لمحافظة النجف، والتي أصدرت بدورها مذكرة إلقاء قبض بتهمة الإساءة الى الذات الإلهية، واعتقلت قوة من استخبارات النجف المتهم، ونقلته الى محافظة القادسية.

تداول رواد مواقع التواصل صورة الفنان وهو يرتدي ملابس الاعتقال بانتظار المحاكمة دفع بمجموعة من الناشطين والمنظمات إلى توكيل أكثر من 7 محامين للدفاع عنه.

يعلل المدافعون عن فاخر موقفهم إزاء اعتقاله بأنه لم يتجاوز على الذات الإلهية، بينما بررت السلطات القضائية اعتقاله برفضها للـ"شذوذ" رغم عدم وجود نص قانوني واضح يجرم المثلية في العراق.

من قبله سعدي الحلّي و"العطوانية" 


اتهام فاخر بالمثلية ليس الأول من نوعه في المجتمع العراق، إذ طالت هذه التهم من قبل الفنان "سعدي الحلي" والذي يعتبر واحداً من أعمدة الغناء الشعبي سابقاً، والمتوفي في عام 2005، اتهام الحلي ينبع من كلمات أغنيته "ليلة ويوم"، والتي تبدو كلماتها للسامع بأنها غزل مثلي موجه من رجل إلى رجل، ومنها

ولك عمري انطفى شمعة بأثر شمعة

ذوقني هواك ذوقني هواك

أما "العطواني" فهي ظاهرة إجتماعية تنتشر بشكل لافت في مناطق شرق العاصمة بغداد والتي اعتبرها المعارضون للمثلية من الظواهر التي تشجع عليها، واشتهرت أول الأمر مع المقاطع المرئية للأعراس التي يغطيها المصور زهير العطواني واستمدت اسمها منه.

يعلل المدافعون عن فاخر موقفهم إزاء اعتقاله بأنه لم يتجاوز على الذات الإلهية، بينما بررت السلطات القضائية اعتقاله برفضها للـ"شذوذ" رغم عدم وجود نص قانوني  يجرّم المثلية في العراق

وتتلخص الظاهرة باستخدام الشباب للمكياج وارتداء نمط ملابس غير شائع، وهذا الذوق ببساطة كان الدافع الأول لاتهام الشباب الذين يمارسونها بالمثلية أو ضمهم إلى مجتمع الميم-عين.

"العطوانيون" نفوا هذا الأمر أكثر من مرة واعتبروا أن طريقتهم في الاحتفال هي "مجرد تمرد على العادات والتقاليد الاجتماعية البالية" بحسب لقاءات صحفية سابقة معهم.

بدأ مجتمع الميم-عين في العراق بالتصريح عن نفسه مؤخراً بسبب ظهور المنظمات المدافعة عن حقوقه، كمنظمة عراق كوير والمعنية بحقوق المثلية والمتحولين جنسياً، ومنظمة لافا في كردستان

تعمد المنظمتان إلى النشاط عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال نشر المقالات العلمية والتوعوية حول المثلية وحرية التحول الجنسي.

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش، قد بدأت بالتركيز على هذا المجتمع في العراق من خلال نشر تقرير مفصل عن معاناتهم، إضافة الى تغريدات ومنشورات على مواقعهم في وسائل التواصل الاجتماعي.

لا وجود لنص قانوني يدين المثلية في العراق

تعتبر المثلية من أبرز الخطوط الحمراء في العراق ولكنها في ذات الوقت، تجد طريقها دوماً الى الظهور لتواجه في كل مرة عاصفة التأييد والمعارضة.

والسؤال هنا هل يمكن توصيف أغنية حسين فاخر قانونياً بأنها دعوة للمثلية وازدراء للأديان أم أنها تندرج تحت بند حرية الرأي والتعبير، فنظراً لعدم وجود أي نص قانوني في هذا الشأن تعتمد النيابة والقضاء أو موجهي التهم على قوانين موازية لتبرير هذه الإعتقالات، والتي تنبع في معظم الأحيان الى قانون العقوبات رقم 111 لعام 1969.

ويعاقب هذا القانون وفق مادته الـ"372" بالحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات والغرامة من اعتدى أو تجاوز بإحدى الطرق العلانية على معتقد أو طائفة أو شعائر أو كل ما له حرمة دينية.

كما تلجأ المحاكم الى الإعتماد على نص المادة 215 والتي تعاقب بالحبس والغرامة كل من نشر أو كتب أو ساهم فيما من شأنه الإخلال بالأمن العام أو الإساءة لسمعة البلاد، أو بالإستنداد الى نصوص الفقرات 401 و403 و404، والتي تعاقب بالسجن والغرامة أيضاً، لكل من تجاوز أو ارتكب سلوكيات مخلة بالحياء أو توحي بالفاحشة.

المنظمات الإنسانية والحقوقية تدفع باتجاه تعديل هذه القوانين أو إلغائها لتعارضها مع نصوص الدستور العراقي وتقييدها للحريات العامة.

يسود اعتقاد بأن تشدد الدولة في هذه القضايا هو مجاملة لأحزاب الإسلام السياسي، فخلط تهمة التشجيع على المثلية مع تهمة ازدراء الأديان والإساءة للذات الإلهية كما في حالة حسين فاخر يأتي بسبب التهمة الأولى بالأساس وليس الثانية.

فالكثير من كلمات الأغاني التي أطلقها فنانون في أعمالهم الفنية وتصريحاتهم تحمل ما يمكن اعتباره من نفس المنظور تجاوزات على الذات الإلهية وإخلال بالقيم المجتمعية في آن واحد.

اعتقال المطرب الشعبي حسين فاخر، يأتي بعد أسبوعين من الإعلان عن وجود تحرك نيابي لتشريع قانون حظر المثلية في العراق

وهو تحرك أعلن عنه عضو اللجنة القانونية عارف الحمامي في 8 يوليو/تموز الحالي، في تصريح لوكالة الأنباء العراقية.

يتعرض مجتمع المثليين إضافة للمعركة القانونية ضدهم إلى الكثير من المضايقات والاعتداءات التي تقودها الميليشيات المسلحة وأودت بحياة بعضهم، مثل مقتل "حمودي المطيري" في بغداد على يد جماعة مسلحة اتهمته بالمثلية في تشرين الأول/أكتوبر 2018، إضافة الى مقتل المتحول الجنسي دوسكي أزاد على يد شقيقه في محافظة دهوك شمال البلاد، مطلع العام الجاري.

نبذة تاريخية عن مجتمع الميم-العين في العراق

في كتاب "المثلية في عالم الكتاب المقدس" لمؤلفه عالم اللاهوت الفنلندي مارتي نيسينين، أوضح الكاتب بأن الأمبراطورية الأكدية أتاحت حرية الخيار الجنسي، وأحاطت المثلية بنوع من الإحترام.

كذلك أشار المؤرخ والأستاذ في جامعة روتجرز الأمريكية، ديفيد جرينبيرج في مؤلفه "بناء المثلية الجنسية" إلى أن المجتمع الأشوري كان يقيم الصلوات لمباركة المحبة والمساواة، بين الشركاء المغايرين جنسياً، والمثليين في آن واحد.

وفي الوقت ذاته فإن هناك الكثير من الإشارات التي تؤكد على رفض المجتمع لهذا التوجه الجنسي، وأنه كان ينظر بنظرة سلبية إليها.

يسود اعتقاد بأن تشدد الدولة في هذه القضايا هو مجاملة لأحزاب الإسلام السياسي

أما عالم الاجتماع العراقي البارز علي الوردي، فربط بين العثمانيين واتساع قاعدة المثلية في العراق، ويرى في كتابيه "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"، و"لمحات اجتماعية في تاريخ العراق" أن التراث الإنكشاري واحتكاكه بالعراقيين أدى الى هذا الاتساع، خاصة وأن أفراد الجيش الإنكشاري كانوا يؤخذون منذ طفولتهم ويوضعون في مدارس داخلية معروفة بعدم سلامتها من الناحية الأخلاقية، ويحدد عصر المماليك في العراق ما بين عام 1739 وحتى عام 1831، بقمة إنتشار هذه النزعات المثلية بين العراقيين.

اللافت أن المجتمع العراقي لا يزال ينظر بنوع من الإرتياب والاتهامية إزاء المثلية ويعتبرها نوعاً من نتاجات الإنفتاح على الآخر لا نتاج موروثه القديم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard