شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
قضية المطران الحاج في "زواريب السياسة"... الطوائف اللبنانية فوق القضاء

قضية المطران الحاج في "زواريب السياسة"... الطوائف اللبنانية فوق القضاء

سياسة

الجمعة 22 يوليو 202204:38 م

استيقظ اللبنانيون، صبيحة الإثنين الماضي، على خبر توقيف مطران حیفا والأراضي المقدسة والنائب البطریركي في القدس وعمّان، موسى الحاج، على معبر الناقورة، بعد عودته من زيارة أبرشيته في الأراضي المقدسة، والتحقيق معه لمدة ثماني ساعات من قبل جهاز الأمن العام، بناءً على إشارة قضائية. خبر شغل المسؤولين اللبنانيين الذين لم يتمكنوا بعد من تشكيل حكومة، ولا إقرار خطة تعافٍ اقتصادي لوقف الانهيار، فيما انقسم اللبنانيون، سريعاً، عامودياً أمام هذا الملف.

ماذا حصل؟

ليست المرة الأولى التي يدخل فيها المطران الحاج إلى إسرائيل، ويعود منها إلى لبنان، وهو ما يشكل استثناءً لا يمكن لأي مواطن لبناني أن يقوم به بسبب العداوة القائمة بين لبنان وإسرائيل، وهي بحسب المعلومات، لم تكن المرة الأولى أيضاً التي يُثير فيها المطران الحاج شكوك الأمن العام أو القضاء، فهذه المسألة التي انتشرت مؤخراً في الإعلام ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى أشهر سابقة.

طلب مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالإنابة،  من الأمن العام توقيف الحاج، وتفتيشه والتحقيق معه، بسبب ما يُشتبه بأنه "مخالفة لقانون التعامل مع العدو الإسرائيلي".

في التفاصيل، طلب القضاء اللبناني عبر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالإنابة، القاضي فادي عقيقي، من الأمن العام توقيف الحاج، وتفتيشه والتحقيق معه، بسبب ما يُشتبه بأنه "مخالفة لقانون التعامل مع العدو الإسرائيلي". ففي 23 حزيران/ يونيو من العام 1955، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون مقاطعة إسرائيل الذي يحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد، شخصياً أو بالواسطة، اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها، وذلك متى كان موضوع الاتفاق صفقات تجاريةً أو عمليات ماليةً أو أي تعامل آخر أياً كانت طبيعته، وفقاً لنص المادة الأولى من القانون المذكور.

كما حظر القانون أيضاً دخول البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية بأنواعها كافة إلى لبنان وتبادلها أو الاتّجار بها، وكذلك السندات المالية وغيرها من القيم المنقولة الإسرائيلية، وعرض هذه البضائع والسلع والمنتجات أو بيعها أو شرائها أو حيازتها والقيام بأي صفقة في شأنها ولو على سبيل التبرّع أو المقايضة.

خلال تفتيش المطران وُجدت معه أموال، قُدّرت بحسب القاضي عقيقي، بـ460 ألف دولار أمريكي، وأدوية تم حجزها، فيما عدّ المطران الحاج أنها مساعدات إنسانية من موارنة إسرائيل إلى أهاليهم في لبنان.

بعد تدخلات كثيرة، دينية وسياسية وقضائية، أُطلق سراح المطران الحاج، بعد توقيفه لساعات قليلة، وتمت مصادرة ما كان معه، وعندها تحولت القضية، من قانونية قضائية بحت إلى دينية سياسية بامتياز.

الموقف القضائي

تؤكد مصادر قضائية، لرصيف22، أن مصادرة ما كان في حوزة المطران الحاج، إجراء قانوني كامل، إذ لا يُعدّ القانون معنياً بكل ما يُقال عن أسباب إنسانية أو دوافع خيّرة، فالقضاء معنيّ بتطبيق القانون فقط لا غير، مشيرةً إلى أن القانون في هذه الحالة واضح للغاية، وهو يحظر دخول البضائع الإسرائيلية، كاشفةً أن من بين المضبوطات منتجات عليها عبارات عبرية.

تضيف المصادر: "الأموال التي كان ينقلها المطران ليست أموالاً كنسيّةً كما يقول، بل هي أموال مصدرها عائلات العملاء اللبنانيين الذين هربوا إلى إسرائيل عام 2000، وهؤلاء يُسمّيهم البعض مبعدين، والبعض الآخر عملاء، وهنا أيضاً لا توجد استنسابية لدى القضاء، فالقانون يجرّم هذا العمل أيضاً، وفي حال أرادوا عدّه أمراً طبيعياً فبإمكانهم إما تعديل القانون أو إقرار استثناءات فيه تُعطى لرجال الدين، تماماً كما تُعطى لهم استثناءات الدخول إلى الأراضي المحتلة".

يقول القضاء إن الأموال التي كان ينقلها المطران ليست أموالاً كنسيّةً كما يدعي، بل هي أموال مصدرها عائلات العملاء اللبنانيين الذين هربوا إلى إسرائيل عام 2000، إلا أن القضية أخذت بعداً طائفياً سياسياً ومعالجتها بدأت من خارج المسار القانوني على ما جرت العادة في لبنان

وتُقدم قيادة الجيش اللبناني على إعطاء استثناءات لرجال الدين المسيحيين المرتبطين بعمل ديني في فلسطين المحتلة للقيام بما يُسمى "زيارات مقدسة"، وهو استثناء قديم يسمح لرجال الدين اللبنانيين بزيارة إسرائيل لتفقد أحوال الرعية، والعودة إلى لبنان، ومن خلاله قام البطريرك بشارة الراعي بزيارة الأراضي المحتلة في أيار/ مايو عام 2014، حيث أقام قداساً في كنيسة مار بطرس في طبريا، حضره اللبنانيون الذين فرّوا إلى إسرائيل، الأمر الذي أثار يومها عاصفةً من الاعتراضات في لبنان.

وكان قاضي التحقيق العسكري الأول في لبنان، فادي صوان، قد أصدر في شهر أيار/ مايو الماضي، قراراً ظنياً يمنع المحاكمة عن المطران الحاج بتهمة التعامل مع عملاء إسرائيل، والسبب، حسب المصادر، "عدم اختصاص وصلاحية القضاء العسكري في ملاحقة الحاج سنداً إلى المادة 1060 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الصادرة عن الفاتيكان عام 1990، حيث يُعطى حق محاكمة الأساقفة الملاحقين بقضايا جزائية لبابا الفاتيكان فقط".

يومها تبيّن في التحقيقات التي كان يجريها القاضي صوان، مع متعامل مع العدو الإسرائيلي، أن المطران الحاج نقل إليه أموالاً من داخل فلسطين المحتلة، لكن التحقيقات معه توقفت عند صدور قرار منع المحاكمة.

ويتناقض هذا القرار مع الإجراءات التي يقوم بها القضاء العسكري اليوم، بحسب ما تقول مصادر كنسية في لبنان، مشيرةً عبر رصيف22، إلى أن تحركات عقيقي طابعها قضائي لكن جوهرها سياسي لمواجهة بكركي.

موقف الكنيسة المتشدد

ترى المصادر الكنسية أن "مواجهةً سياسيةً بثوب قانوني اندلعت في وجه بكركي من قبل أذرع إيران في المنطقة، على خلفية المعركة الرئاسية التي يخوضها البطريرك الراعي في وجه مرشحي المحاور، ودعوته إلى حياد لبنان"، مشيرةً إلى أن هذه الحرب على بكركي ستواجَه بقوة وصلابة، وما قضية المطران الحاج سوى صفحة من صفحات المواجهة.

تُقدم قيادة الجيش اللبناني على إعطاء استثناءات لرجال الدين المسيحيين المرتبطين بعمل ديني في فلسطين المحتلة للقيام بما يُسمى "زيارات مقدسة"

"لا يحقّ للقضاء اللبناني محاكمة أي مطران"، تؤكد المصادر، وتضيف أنه في حال أخطأ، فهناك مرجعية في الفاتيكان هي الصالحة لمحاسبته، و"اتهام الكنيسة بالتعامل مع العدو هو اتهام فارغ مردود على أصحابه".

رفعت بكركي، وهي مرجعية الطائفة المارونية في لبنان، صوتها عالياً، إذ عدّ الاتحاد الماروني العالمي، أن رئیس المحكمة العسكریة قد أخلّ بقواعد التعامل والأصول وتعدى صلاحیاته في توجیه إھانة واضحة إلى كل الموارنة في العالم"، مشيراً إلى أن القاضي "على ما یبدو، ینفذ تعلیمات الحرس الثوري الإیراني وإفرازاته ویتعمد إذلال اللبنانیین الأحرار وقمع حریة التعبیر عن الرأي".

واجتمع المجمع الدائم لسينودس أساقفة الكنيسة المارونيّة، في الصرح البطريركي في الديمان، أمس الخميس، بدعوة من البطريرك الراعي، ليعبّر عن دعمه المطلق للحاج الذي كان "يحمل معه مساعدات طبيةً وماليّةً إلى المحتاجين والمرضى في لبنان من كل الطوائف، من محسنين لبنانيين وفلسطينيين، لأن دولتهم لم تُحسن في السنوات الأخيرة إدارة البلاد لتؤمّن لشعبها حاجاته الأساسية".

وفي بيان صادر بعد الاجتماع، ذكّر المجمع بدور الكنيسة في تأسيس لبنان، مستنكراً "ما اقتُرف عن سابق تصوّر وتصميم، وفي توقيت لافت ومشبوه، ولغايات كيديّة معروفة، بحق المطران الحاج"، وطالب بوقف "هذه المسرحية الأمنية والقضائيّة والسياسية، وإعادة كل المساعدات التي احتُجزت لتصل الأمانات إلى أصحابها الذين ينتظرونها، وإغلاق هذه القضيّة فوراً"، كما طالب بإحالة القاضي عقيقي إلى التفتيش القضائي وتنحيته.

انقسام إسلامي-مسيحي

أثارت قضية المطران عاصفةً من المواجهات الكلامية وصلت إلى حدّ انقسام المجتمع اللبناني بين مؤيد للمطران ومعارض له.

وبدت المواجهة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنها فصل من فصول الحرب الأهلية الطائفية التي وقعت في لبنان منذ العام 1975 وحتى العام 1990، فانقسمت الآراء بين من عدّوا فعل المطران "عمل خير" لمساعدة لبنانيين يعانون من الانهيار الاقتصادي، ومن عدّوه نوعاً من العمالة، كون المطران يشكل صلة وصل بين العملاء في "إسرائيل" وأهاليهم في لبنان، ويخالف القانون اللبناني.

يُعيدنا هذا الحوار الى الانقسام في لبنان حول "فكرة العملاء"، فلطالما كانت تسميته محل خلاف بين القوى المسيحية التي تعدّهم "مبعدين" هربوا قسراً إلى إسرائيل إبان تحرير جنوب لبنان عام 2000، ويجب العمل على إعادتهم إلى لبنان ومحاكمة من يثبت تورطه بجرائم خلال زمن الاحتلال محاكمةً عادلةً، مع الإعفاء عن عائلاتهم، وبين من يعدّهم، وخصوصاً من المسلمين، عملاءً خانوا الوطن ولا يجب العمل على إعادتهم إلى لبنان بعد مضي أكثر من 22 عاماً على وجودهم في إسرائيل، لأنهم أصبحوا إسرائيليين وبعضهم يخدم في جيش الاحتلال.

تجدر الإشارة هنا إلى أن اتفاق التفاهم بين التيار الوطني الحر، أحد أكبر التيارات المسيحية في لبنان، وحزب الله، قد تطرق إلى هذه المسألة في البند السادس الذي ينص: "انطلاقاً من قناعتنا بأن وجود أي لبناني على أرضه هو أفضل من رؤيته على أرض العدو، فإن حل مشكلة اللبنانيين الموجودين لدى إسرائيل تتطلّب عملاً حثيثاً من أجل عودتهم إلى وطنهم آخذين بعين الاعتبار كل الظروف السياسية والأمنية والمعيشية المحيطة بالموضوع؛ لذلك نوجّه نداءً إليهم بالعودة السريعة إلى وطنهم استرشاداً بنداء سماحة السيد حسن نصر الله بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، واستلهاماً بكلمة العماد ميشال عون في أول جلسة لمجلس النواب".

المواجهة السياسية

انتقلت بكركي من الدفاع عن قاضي التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت، طارق البيطار، داعيةً إلى استقلاليته ورافضةً مطالب تنحيته من قبل فريق سياسي لبناني، إلى المطالبة بتنحية القاضي فادي عقيقي، ومحاسبته واتهامه بالتسييس، وتوالت الردود السياسية من القوى المسيحية الأساسية لدعم بكركي.

لحقت غالبية الأحزاب المسيحية ببكركي، فأصدرت بيانات انتقدت فيه ما قام به القاضي عقيقي مطالبة بتنحيته و"رد اعتبار المطران الحاج"

وما لم تتمكن السياسة من جمعه، تمكنت الطائفة منه، فكانت مواقف الأحزاب السياسية المسيحية كلها في مكان واحد، إذ رأى رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، أن "المطلوب من رئيس مجلس القضاء الأعلى ومدعي عام التمييز وضع حد لتصرفات القاضي عقيقي وصرف النظر عن استدعاء المطران الحاج والاستماع إليه".

وأدان "التيار الوطني الحر"، التعرّض للمطران الحاج، مطالباً بالمبادرة فوراً إلى "تصحيح الخطأ الجسيم الذي ارتُكب بحقه"، وأوضح في بيان أن "مهام المطران الحاج الرعوية لا تنفصل عن أهداف الكنيسة الحاضنة لكل أبنائها، ولا تحتمل لا تأويلاً ولا مصادرةً. فكيف إذا كان جلّ مراده مساعدة لبنانيين أفقرهم زعماء تآمروا عليهم، وسرقوا أموالهم، وسلبوا مستقبلهم، ويغطّيهم قضاة متخاذلون ومسؤولون متواطئون ومتورطون حتى النخاع؟".

كذلك وصف الرئيس السابق للجمهورية أمين الجميل، توقيف المطران الحاج، واستدعائه إلى التحقيق أمام المحكمة العسكرية، بأنه "طعنة موصوفة سددها فكر بائد سياسي-قضائي-أمني، ضد ما يمثله سيادة راعي أبرشية الأراضي المقدسة من قيمة ودور، من خلال رعايته أحوال الموارنة، وأيضاً سائر الطوائف المسيحية والمسلمة في القدس والأراضي الفلسطينية".

في المقابل، لم يصدر عن حزب الله أي موقف تجاه القضية، ووفق مصادره فإنه يترك للقضاء معالجة هذه المسألة، عادّاً أن هذه الحادثة أظهرت أن الحرص على القضاء يكون بحسب القضية المثارة أمامه فقط.

كما كان لرئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، موقف قال فيه: "أياً كانت الملابسات وراء توقيف المطران الحاج، إلا أنه من المفيد التنبيه إلى أن المعالجة الهادئة أفضل من هذا الضجيج، وأن احترام المؤسسات في هذا الظرف الصعب فوق كل اعتبار". وأضاف: "من ناحية أخرى، نرفض الاستغلال الإسرائيلي لمقام رجال الدين في محاولة تهريب الأموال لمآرب سياسية".

معالجة فوق القضاء

يبدو أن المعالجة القضائية لهذه المسألة لن تدوم طويلاً، فالتدخلات السياسية طغت على بقية الأمور، لمنع انجرار القضية إلى معركة طائفية، فبعد الضجة الكثيرة المثارة حولها، عقد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، اجتماعاً مع وزير العدل القاضي هنري خوري، ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، والنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، تم خلاله البحث في آلية معالجة الحادثة وتدارك تداعياتها، وتدخل وزير العدل طالباً "إفادته فوراً وخطياً بالتطورات التي حصلت في الأيام الماضية، في ما يتعلق بالتحقيق مع المطران موسى الحاج، لإجراء المقتضى".

كذلك زار المطران الحاج رئيس الجمهورية ميشال عون، اليوم الجمعة، لوضعه في تفاصيل ما حصل، وتتحرك بكركي على الأصعدة كافة لتحقيق ما تعدّه "ردّ اعتبار الحاج"، حيث المطالب واضحة بالاعتذار من الحاج وإعادة ما تم ضبطه، وتنحية القاضي فادي عقيقي ومساءلته. فهل تتصاعد حدة الخلافات الدينية والسياسية وتتضخم الخطوط الحمر التي يرسمها كل فريق بحسب مصالحه، وتسقط القوانين اللبنانية؟

Website by WhiteBeard