الإجهاض في المغرب... أرقام مخيفة والتجريم يفاقم الوضع

الجمعة 22 يوليو 202212:49 م
Read in English:

Alarming abortion numbers as Morocco criminalization aggravates the situation

النساء اللواتي يقمن بالإجهاض، لا يقمن به لأنه نزوة أو رغبة في قتل الجنين. إنه قرار صعب، وهو ما عبّرت عنه السيدة حفيظة التي لجأت إليه مكرهةً لما تخلى عنها رفيقها وتراجع عن فكرة الزواج بها، ولم تجد بداً منه لحماية صورتها في المجتمع لأنها لا ترغب في أن تكون أمّاً عزبةً، وتجني على طفل عبر الإتيان به إلى الدنيا وأبوه لا يرغب فيه.

قالت حفيظة، التي التقيناها في جمعية لدعم النساء، بكثير من الألم في تصريح لرصيف22، "الإجهاض كان آخر حل لجأت إليه، لأنه لو علمت أسرتي بحملي لقتلوني. لهذا دبّرت مبلغ 4،000 درهم، وتوجهت إلى عيادة نصحتني بها إحدى الصديقات، فتخلصت من حملي الذي كان سيجلب لي العار، ولو أنني كنت متشوقةً إلى أن أصبح أمّاً. لم أفكر في إمكانية تعرضي للموت، بقدر ما فكّرت في ما ستقوله أسرتي عني، وفي ما سيقوله المجتمع. ما كنت أرغب فيه كان آخر شيء يمكن أن أفكر فيه في مجتمع لا يرحم".

الشابة مها، التي تعرضت للاغتصاب من أحد أقاربها في البادية، بدورها التقاها رصيف22، برفقة والدتها داخل الجمعية التي جاءت تتوسل إليها من أجل إيجاد حل لمشكلة ابنتها التي لا يمكن لها أن تواصل هذا الحمل الذي جلب لها ولأسرتها العار. فما كان من الجمعية إلا أن تبنّت تلك القضية، ودفعت أسرة الشابة إلى رفع دعوى قضائية على المغتصب، الذي في أسوأ الحالات سيُسجن لبضع سنوات، من دون أدنى مراعاة للحالة النفسية لتلك الشابة التي ستصير أمّاً بالغصب.

"الإجهاض كان آخر حل لجأت إليه، لأنه لو علمت أسرتي بحملي لقتلوني. لهذا دبّرت مبلغ 4،000 درهم، وتوجهت إلى عيادة نصحتني بها إحدى الصديقات"

مع قرار المحكمة العليا الأمريكية إلغاء الحكم التاريخي الذي يحمي حق النساء في الإجهاض، في ما يُعرف بقضية "Roe v. Wade"، التي رُفعت عام 1973، وعدّته حقاً دستورياً يقتضي العمل به في كل الولايات، تتزايد المخاوف من طرف الفاعلات في حماية حقوق النساء المغربية، كما أكدت لنا أكثر من ناشطة نسوية وعاملة اجتماعية.

القرار الأمريكي انتكاسة كبرى وتراجع كبير عن المكتسب الذي سبق أن حققته الجمعيات والمنظمات النسائية المدافعة عن حق المرأة في التصرف بجسدها وصحتها، ليس في الولايات المتحدة لكن عبر العالم. وهو ما دفع بالعديد من الهيئات في مختلف البلدان، ومن ضمنها المغرب، إلى إصدار بيانات منددة بهذا القرار "التعسفي"، الذي يعيد وضعية النساء إلى أزمنة خلت، ويضع وصايةً قانونيةً على جسد النساء، ويرى فيهن مجرد "وعاء للإنجاب".

خوف مشروع...

في هذا الإطار، أصدرت فيدرالية رابطة حقوق النساء في المغرب، بياناً نددت فيه بهذا القرار، ورأت فيه "تهديداً واضحاً للحقوق الإنسانية للنساء، وتراجعاً خطيراً عن المكتسبات الحقوقية التي حققتها الحركة النسائية عبر تاريخ من النضال، وانتكاسة حقوقية".

تضامنت الفيدرالية، وهي إحدى أكبر المنظمات النسائية المغربية، التي تعمل من أجل القضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء، مع النساء الأمريكيات، وطالبت المحكمة العليا الأمريكية بالتراجع عنه، وحماية الحقوق الإنسانية للنساء، لما له من نتائج خطيرة على صحة النساء وحيواتهن.

لكن معركتها الرئيسة هي المغرب. هكذا طالبت الحكومة المغربية "برفع التجريم عن جميع حالات الإجهاض الطبي، والذي تباشره النساء بإرادتهنّ الحرة بما يضمن كرامتهن وحقهن في قرارهن وخيارهن واستعدادهن للحمل والأمومة من عدمه، وفي استحضار وتناغم مع التزامات المغرب الدولية وتجسيداً للمبادئ المقررة دستورياً".

عنف قانوني مركّب

الحقوقية سميرة موحيا، رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء في المغرب، قالت في تصريح لرصيف22، إن قرار المحكمة العليا الأمريكية القاضي بإلغاء الحكم التاريخي الذي يحمي حق النساء في الإجهاض، يُعدّ "تهديداً كبيراً للحقوق الأساسية للنساء، وتراجعاً خطيراً عن المكتسبات الحقوقية التي حققتها الحركات النسائية العالمية عبر تاريخ طويل من النضال".

أوضحت المتحدثة أن هذا القرار سيكون له بكل تأكيد تأثير سلبي على دول أخرى، إذ يمكن أن تتراجع عن قراراتها أيضاً، مشيرةً إلى أن هناك تراجعاً كبيراً على المستوى الدولي في حقوق الإنسان، وخاصةً حقوق النساء، إذ لم تعد المساواة أولويةً لدى العديد من البلدان، وقرار أمريكا هذا أعادنا إلى قرون خلت، وسيكون له تأثير على حياة النساء والفتيات في حق تملكهن لأجسادهن، وسيخلّف الكثير من المشكلات الصحية والنفسية، وسيعمل على تشجيع الإجهاض السري وما يخلفه من مخاطر على حياة النساء.

أوضحت سميرة موحيا أن هذا القرار سيكون له بكل تأكيد تأثير سلبي على دول أخرى، إذ يمكن أن تتراجع عن قراراتها أيضاً، مشيرةً إلى أن هناك تراجعاً كبيراً على المستوى الدولي في حقوق الإنسان، وخاصةً حقوق النساء

وأكدت موحيا، أنه لا مناص من معالجة قضية الإجهاض الطبي وإدراجها في إطار إحقاق الحقوق الإنسانية للنساء ومحاربة كافة أشكال العنف والتمييز، والحيف المسلّط عليهن، بما في ذلك عنف وإكراه وإجبار المقتضيات القانونية أحياناً بما ينتهك كرامتهن وحقوقهن، وقرارهن وخيارهن واستعدادهن للحمل والأمومة أو عدمه.

عن المغرب، ذكرت رئيسة الفيدرالية أن تجريم الإجهاض من خلال القانون الجنائي الحالي، يشكّل "عنفاً قانونياً مركباً وقاسياً يمس كرامة النساء، ووصايةً قانونيةً على أجساد النساء، ويحرّم النساء من الحق في التقرير في مصير أجسادهن وحيواتهن، ما دمن يرين مجرد وعاء للإنجاب، ويتم التنكر لحقهن في الصحة النفسية والجسدية، وفي اختيارهن واستعدادهن أم لا للحمل والأمومة وتربية طفل غير مرغوب فيه، وليست لديه أي حماية قانونية، وليس له الحق في الهوية والتمدرس والنسب والإرث والرعاية والتنشئة والكرامة الإنسانية، وليس لديه الحق في الشغل والصحة".

800 حالة إجهاض سرّي  

وقالت إنه بالرغم من هذه الترسانة القانونية التي تجرّم الإجهاض في المغرب، فإن هناك ما يربو على 800 حالة إجهاض سرّي يومياً، وهو ما ترى فيه انتهاكاً لكرامة النساء، ووصمة عار في سجلات التشريعات القانونية المغربية وحتى الدولية، فدولة مثل أمريكا التي سبق وسمحت به تتراجع عنه، فهي كما لو أنها ترغب في حل مشكلة نسب الشيخوخة التي بدأت تظهر لديها بمنع الإجهاض، وهو ما سيجعل نسب الإجهاض السرّي ترتفع، وتعرّض حياة النساء للخطر، إذ وبسبب هذا النوع من الإجهاض، تفقد النساء حيواتهن، ففي المغرب مثلاً، حسب رئيسة الفيدرالية دائماً، تموت بسبب الإجهاض السرّي امرأة كل يوم، بالرغم من أن تلك العمليات يقوم بها مهنيو الصحة، من أطباء وممرضين ومولدات محترفات، فما بالك بالإجهاض التقليدي الذي يتم بالطرق الشعبية عبر تناول العديد من الأعشاب والسموم أو الشعوذة، والتي تلجأ إليها النساء اللواتي يعشن في وضع هش؟

أما الدكتور شفيق الشرايبي، رئيس "الجمعية المغربية لمناهضة الإجهاض السري"، والذي يدافع عن حق النساء في الإجهاض الطبي الآمن والقانوني، فرأى في إلغاء المحكمة العليا الأمريكية لحق النساء في الإجهاض، تناقضاً كبيراً من قبل بلد يسمح بالإعدام وحمل السلاح، وانتكاسةً حقوقيةً ستكون لها انعكاسات على بقية البلدان عبر العالم، ومن ضمنها المغرب الذي ما زال يتحفّظ على هذا الموضوع، إذ تم سحب مشروع القانون الخاص به والقاضي بإعادة النظر في الحالات التي يجب فيها السماح بالإجهاض، والتي سبق تحديدها في السابق في أربع حالات فقط تكون فيها الصحة البدنية للمرأة مهددةً، من دون أي مراعاة لصحتها العقلية والنفسية والاجتماعية، إذ أبيح الإجهاض فقط "عندما يشكل الحمل خطراً على حياة الأم أو على صحتها، وفي حالات الحمل الناتج عن اغتصاب أو زنا المحارم، والتشوّهات الخلقية الخطيرة والأمراض الصعبة التي قد يُصاب بها الجنين".

الدكتور شفيق الشرايبي، رأى في إلغاء المحكمة العليا الأمريكية لحق النساء في الإجهاض، تناقضاً كبيراً من قبل بلد يسمح بالإعدام وحمل السلاح، وانتكاسةً حقوقيةً

وقال الدكتور الشرايبي، الذي سبق أن تعرض للكثير من المضايقات بسبب تصريحات له في الصحافة الدولية عن هذا الموضوع الذي ما زال يُعدّ من التابوهات في المغرب، إن تلك الحالات المسموح لها بالإجهاض في المغرب لا تشكل سوى 10 في المئة من مجموع الحالات التي يتم اللجوء فيها إلى الإجهاض، في حين تظل 90 في المئة منها مغيّبةً، مع العلم أنه يجب السماح بالإجهاض في حالة وجود خطر على صحة المرأة الجسدية والعقلية والنفسية والاجتماعية، وهو المفهوم الشامل الذي تحدده منظمة الصحة العالمية لمفهوم الصحة.

أكد الشرايبي أن المغرب تأخر كثيراً في إخراج قانون واضح وشامل يخص الإجهاض، الذي يجرّمه القانون المغربي ويعاقب فيه المجهِض والمرأة والوسيط، بعقوبة تتراوح بين 6 أشهر و5 سنوات سجناً، ولا يبيحه إلا في فصل وحيد هو الفصل 453 الذي يسمح به إذا كانت صحة الأم في خطر. ومع ذلك، فإن الإجهاض السرّي في المغرب، كما أفاد، يتزايد إذ تشير أرقام الجمعية المغربية لمناهضة الإجهاض السرّي، المبنية على دراسة علمية، إلى أن حالات الإجهاض السرّي في المغرب تتراوح بين 600 و800 حالة يومياً، هذا على الرغم من التشديد القانوني وتراجع العديد من الأطباء عن القيام به، بعد تعرض البعض منهم للمحاكمات، كما أن منظمة الصحة العالمية قد كشفت في آخر تقرير لها أن 13 في المئة من وفيات النساء تعود إلى الإجهاض السرّي.

أرقام مرعبة

تجدر الإشارة إلى أنه في غياب أرقام رسمية مغربية، سبق لموقع "فاكت سلايدس" الأمريكي، أن صنّف المغرب قبل سنتين، الأول عربياً في عمليات الإجهاض والثامن على المستوى العالمي، على الرغم من أنّه مجرَّم قانونياً، فيما كانت الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة قد أعلنت عن 80 ألف حالة إجهاض في السنة في المغرب، بينما حددت الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السرّي من خلال دراسة علمية عدد الحالات بين 600 و800 حالة إجهاض سرّي يومياً.

لهذا السبب، ولأن الحقوق الإنجابية للنساء حقوق أساسية، وخطر الإجهاض هو من أشكال العنف الممارس ضد النساء، فإن العديد من الناشطات الحقوقيات المغربيات قد أطلقن قبل سنوات "الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية"، المعروفة اختصاراً بـ"مالي"، ومن ضمن القضايا التي ترفعها قضية حرية الجسد، وتظاهرن ضد تجريم الإجهاض وأطلقن حملةً لجمع التبرعات من أجل مساعدة المغربيات الراغبات في إنهاء حملهن عبر الولوج إلى "إجهاض آمن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard