البهائيون في المغرب... من هم وكيف يعيشون؟

الاثنين 18 يوليو 202204:08 م

حين تسأل مغربياً عمّن هم البهائيون، غالباً ما يكون الرد "لا أعرف"، فالمغرب الذي يُعدّ بلداً الغلبةُ فيه للسنّة المالكيين، يجهل سكانه الكثير عن بقية المعتقدات والأديان الموجودة فيه، وأن من ضمنهم بهائيين لا يخفون معتقداتهم، ويعيشون كما يقول ممثلون عنهم لرصيف22، في "وحدة" مع بقية إخوانهم في الوطن.

 

يقول أحد البهائيين لرصيف22، إن البدايات تمّت في "إطار تفاعلهم التلقائي والطبيعي مع من عرفوهم وعاشروهم من المغاربة، فاعتنق البعض منهم الدين البهائي مشكّلين بذلك نواة الجامعة البهائية المغربية. وما ستشهده هذه الأخيرة في ما بعد من تطورات، إنما هو نتاج نمو عضوي وإيجابي عرفه المغرب على فترات شكّلت معالم تاريخه الحديث منذ الاستقلال إلى الوقت الراهن"... فكيف يعيشون في هذا الزمن في بلد يقول ناسه إنهم سنّة مالكيون؟

"اليوم، هناك تقبّل للبهائيين!"

تعود جذور وصول البهائية إلى المغرب، إلى سنتي 1952-1953، عندما استقرت تدريجياً بعض العائلات البهائية المهاجرة من أصول مختلفة، فقاموا بتبليغ معتقدهم بـ"شكل عفوي نابع من إيمانهم العميق بأهميته للبشرية جمعاء"، كما يؤكد هؤلاء.

ياسين بقير، الذي يبلغ 32 سنةً، وهو عضو في مكتب الاتصال للبهائيين في المغرب، قال لرصيف22، إن "البهائيين المغاربة لا يعيشون كجماعة منغلقة على نفسها، بل هم منخرطون كجميع المواطنين في حياة المجتمع عن طريق عملهم ودراستهم ومساهماتهم في الفعاليات الثقافية والمجتمع المدني. وبصورة عامة أصبح البهائيون المغاربة أكثر انفتاحاً من ذي قبل على مجتمعهم نظراً للتغيير المجتمعي الملحوظ الذي نشهده منذ الخمس عشرة سنةً الماضية".


ياسين بقير، عضو مكتب اتصال البهائيين في المغرب

بالنسبة إلى بقير، فإنّ المعتقد البهائي في المغرب لم يبقَ ملفوفاً بالغموض وسوء الفهم، إذ أصبحت الصحافة والإعلام والباحثون وبعض فعاليات المجتمع المدني يتفاعلون إيجابيّاً مع هذا المكون الديني، مما سهّل على غالبية البهائيين إعلان هويّتهم من دون توجّس. لهذا، لا يحسّون اليوم بأنهم مهمّشون في وطنهم أو مقصيّون في عقر دارهم بسبب اعتناقهم ديناً مخالفاً، ما عدا بعض التشنجات التي تظهر من طرف بعض المواطنين وبعض الفئات المتعصبة في بعض الحالات، من دون أن تتطوّر الأوضاع إلى أكثر من ذلك.

البهائيون المغاربة لا يعيشون كجماعة منغلقة على نفسها، بل هم منخرطون كجميع المواطنين في حياة المجتمع عن طريق عملهم ودراستهم ومساهماتهم في الفعاليات الثقافية والمجتمع المدني

الجميل، وفق المتحدث، أنه "في غالب الأحيان، كلّما شارك البهائيون معتقداتهم مع أصدقائهم، وأقاربهم، وجيرانهم، وزملائهم في العمل، لمسوا تقبلاً للاختلاف وإقبالاً على الحوار والتعارف، خلافاً لما كان سارياً من قبل من رفض تام وعام. لكن هذا لا ينفي، بطبيعة الحال، أن بعض البهائيين ما زالوا يجدون صعوبةً في الإعلان عن هويتهم، خوفاً من الردود السلبية الصادرة من محيطهم القريب، أو ربما توجساً من عودة المضايقات الأمنية التي عرفها البهائيون المغاربة في الماضي".

يوضح عضو مكتب الاتصال للبهائيين في المغرب، أن التعليقات المتعصبة، التي تظهر من حين إلى آخر، كلما تمّت الإشارة إلى البهائيين المغاربة في الإعلام المكتوب أو على بعض المواقع الإلكترونية، مجرد حالات منحصرة في الفضاء الافتراضي. لذلك، لا يمكن الحديث في الآونة الأخيرة عن أي مضايقات أو تهديدات أو إهانات ممنهجة، مجتمعيةً كانت أو من طرف مؤسسات الدولة. كما أنّ هناك بهائيين مغاربة معروفين في الشارع المغربي من خلال تخصصهم المهني ولا أحد يسيء إليهم أو يتعرّض لهم بالأذى وإن اختلفوا معهم في الأفكار والمعتقدات.

يشير بقير، إلى كون "الجامعة البهائية المغربية موجودة بطريقة رسمية عبر موقعها الإلكتروني وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي وسيلة ساعدت في تسهيل إعلان البهائيين عن هويتهم لدى معارفهم. بيد أننا، من وجهة نظرنا كبهائيين مغاربة، نرى أنه من اللازم أن يتمّ التركيز في النقاشات العمومية على مبدأ المساواة في الحقوق المدنية لجميع المغاربة في إطار مفهوم المواطنة".

أما بخصوص الجانب القانوني، فيجمل المتحدّث أن هنالك، فعلاً، بعض التحديات التي لا تخفى على أحد، والتي ليست حكراً على البهائيين وحدهم، هي المتعلقة بمنظومة الأحوال الشخصية والإطار القانوني. هذه المواضيع، وكجميع البلدان والمجتمعات، تتّخذ مجراها الطبيعي وتتطور تدريجياً حسب التطورات التي يعرفها المجتمع، وأملنا أن يكون هناك حوار مجتمعي صريح وشامل، يتطرق إلى هذا الموضوع.

"نريد حضارة تنبذ الخرافة..."

لا بد من الإشارة، هنا، إلى أنّ البهائيين المغاربة يعلنون إيمانهم بمفهوم الوحدة في التنوع، والمساواة بين المواطنين من دون تمييز، عادّين أنه من الضروري أن تكون المواطنة في ظلّ الهوية المغربية هي الإطار الجامع والضامن للحقوق والحريات. ولاعتبارات عدة، لا يتفق البهائيون مع وسم "الأقلية"، بل يقدّمون أنفسهم كمغاربة أولاً، أي كمواطنين، بما أن المواطنة سابقة على العقيدة الدّينية.

وبالطّبع، هناك تقاطعات خفية وواضحة، في هذا الصّدد، ومن عمق تلك التّقاطعات يرفض البهائيّون أن يجري التعامل مع موضوع حقوق المغاربة الذين يدينون بأديان مختلفة عن الإسلام أو اليهودية، بالمفهوم التقليدي لحقوق الأقليات الدينية، ويقدّمون، في المقابل، تماهيهم مع النظرة الحديثة للتعامل مع موضوع حرية المعتقد، النابعة من ضرورة أن تشرع المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية في التأسيس لإطار مدني ينصّ على مجموعة من الحقوق.

"قد يرى البعض أن البهائيين ليسوا مغاربةً، في حين أنني مغربيّة خالصة، أباً عن جدّ. وأعدّ نفسي جزءاً من هذا المجتمع. حين تختار أن تعيش بهائيّاً، فأنت مثل أي مواطن مغربي آخر، من دون فوارق"

في السياق ذاته، تؤكد البهائية مليكة علوي، وهي أستاذة متقاعدة، ما ذهب إليه ياسين بقير، إذ ترى أن اتّباعها البهائية، جعلها تلمس نوعاً من "التسامح  العقائدي"، لدى كثير من المغاربة، إذ تقول: "طوال سنوات وأنا أعيش، برفقة عائلتي البهائية، حياةً كبقية المواطنين المغاربة، من دون مشكلات".

توضح علوي في حديثها إلى رصيف22، قائلةً: نعدّ أنفسنا جزءاً من هذا البلد الذي تتسم العلاقات الإنسانية فيه بالدفء والمودة، مما يخلق نوعاً من التعايش بين جميع مكوناته، فلا نحسّ بأنه يُنظر إلى أي مكوّن من هذه المكونات، على أنّه أقلية، بل يُنظر إليه، على أنه جزء من نسيج متميز، تتنوع ألوانه ويخلق هذا تعاوناً بيننا. وهنا لا يهم العدد، بقدر ما تهّمنا تلك العلاقات التي تجمعنا، كأبناء لبلد واحد يمثّل جزءاً من هذا المجتمع الإنسانيّ الواسع.

تسترسل علوي: "ليس هناك إقصاء أو تهميش في حقّنا، بل نحسّ بأننا نعيش في بلدنا ضمن فئات مختلفة من المواطنين، لكل أفكاره ومعتقده وتوجهاته التي لم تلغِ انتماءه إلى بلده أو تؤثر على نبل مشاعره، فنرى في كل فرصة لخدمة البشرية مجالاً يجمعنا وهذا ما يبعد عن أذهاننا أي شعور بالإقصاء، بل يجعل من التآخي قناعةً توحّدنا، وفي حب الخير للجميع ما ينير ضمائرنا".

وتأمل المتحدثة أن يتحقّق "غدٌ تصبح فيه الأجيال القادمة في بلدي، آخذةً بزمام العلم والعقل، ونابذةً للخرافات والجهل، وتسعى دوماً إلى المعرفة لبناء إنسان جديد، وحضارة إنسانية ترتقي بكل من على هذه الأرض".

"أعلن بهائيتي بكل أريحية"

في الأصل، يرى البهائيّون أنّ "القانون المغربيّ لا يُجرّم حرية المعتقد ويحمي حقوق المواطنين في التدين بأي دين يرضونه لأنفسهم، إلا أن بعض القوانين الجنائية يمكن أن تشكّل تضييقاً على حرية المختلفين دينيّاً في المغرب. وكذلك فإنّ منظومة الأحوال الشّخصية لا تعترف بالمغاربة غير المسلمين وغير اليهود، وبذلك يُقصى مواطنون من حقوق أساسية كالزواج والطلاق والإرث والدفن، وما إلى ذلك من الحقوق التي تستند إلى تشريع ديني محدّد".

وبالإضافة إلى ذلك، توجد "بعض الصعوبات في ما يخصّ الحقوق الجماعية وخاصةً عدم توفّر صيغة إطار قانوني يسمح بتدبير بعض الأنشطة الخاصة بالمغاربة غير المسلمين، كما يدبّر المسلمون أنشطتهم في الدول غير المسلمة".

"من وجهة نظرنا كبهائيين مغاربة، نرى أنه من اللازم أن يتمّ التركيز في النقاشات العمومية على مبدأ المساواة في الحقوق المدنية لجميع المغاربة في إطار مفهوم المواطنة"

لكنّ ملكوت كيش، 21 سنةً، وهي طالبة جامعية في المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، متخصصة في أركيولوجيا الفترة الإسلامية، تقول في تصريحها لرصيف22: "قد يرى البعض أن البهائيين ليسوا مغاربةً، في حين أنني مغربيّة خالصة، أباً عن جدّ. وأعدّ نفسي جزءاً من هذا المجتمع. حين تختار أن تعيش بهائيّاً، فأنت مثل أي مواطن مغربي آخر، من دون فوارق. ونحن منخرطون في الحياة اليومية بشكل روتيني. أذهب إلى الجامعة وأعود إلى البيت وأتشارك الفضاء العام مع غيري، بكل سلاسة وبساطة. آكل الكسكس يوم الجمعة مثل بقية المغاربة، كطقس اجتماعي وثقافي محض".


ملكوت كيش، بهائية مغربية

تضيف كيش: "أن أدين بالبهائية لا يعني أنني خارج التّصورات العامة لبلدي وثقافتي، بل العكس هو الصحيح، أنا مغربية بهائية باختصار".

وتوضح المتحدثة أنّ الحديث عن البهائية لم يعد شيئاً محظوراً، مردفةً: "أتحدث مع أصدقائي وزملائي وفي كلّ مكان عن توجّهي الديني بأريحيّة عالية، وهناك تقبّل جميل لأفكَاري وقناعاتي ومعتقداتي من طرف معظم من أتحدّث إليهم، ولم أشعر بأي عنصرية دينية أو كراهية. جامعتنا تريد التماسك والتلاحم بين أطياف المجتمع المختلفة، لأنّ أساسها خدمة البلد، ونحن نحب وطننا حدّ الجنون".

أما عن الدين البهائي، فيراه معتنقوه "ديناً عالمياً مستقلاً كل الاستقلال عن أي دين آخر، دعا إليه حضرة بهاء الله، بعد أن أعلن رسالته في ربيع عـام 1863".

والأكثر من ذلك، في تصورهم، أن هذا الدين "يحثّ أتباعه على الإيمان بالله الواحد الذي لا شريك له، ويعترف بوحدة الرسل والأنبياء وتعاقبهم واستمرار الهداية الإلهية حسب حاجة الإنسانية في كل زمان، ويؤكد وحدة الجنس البشري وأنّ الإنسانية اليوم تمرّ من مرحلة طفولتها الجماعية نحو مرحلة البلوغ والنضج التي ستشهد تأسيس السلام العالمي".

هذه شهادات "إيجابيّة"، ربّما، لبهائيين مغاربة، يعدّون أنفسهم أحراراً ولا يعانون من أي تضييق في بلدهم. لكن هل هي السردية ذاتها بالنسبة إلى بقية أبناء هذه الجماعة وبقية الأقليات الأخرى في المغرب، كالمسيحيين والملاحدة وغيرهم؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard