المغرب وإسبانيا أمام اختبار الحدود البحرية... هل تتحول سواحل الجنوب إلى "مياه مضطربة"؟

الثلاثاء 10 مايو 202203:07 م

دخلت الأزمة المغربية الإسبانية آخر فصولها العلنيّة، بزيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الرباط ولقائه بالملك محمد السادس، بعد سنتين من أزمة دبلوماسية مركّبة، بدأت حين كشفت الرباط عن علاج إبراهيم غالي، زعيم جبهة بوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء الغربية، في مستشفى إسباني، وهو ما عدّته خرقاً للأعراف الدبلوماسية، وسحبت السفيرة المغربية في مدريد وأوقفت التعاون في ملفات عدّة أهمها الهجرة.

انقشعت غيوم القطيعة الدبلوماسية بدعم إسباني لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء، وهو تحول وُصف بالتاريخي في العلاقات بين البلدين، ما أغضب الجزائر التي سحبت بدورها سفيرها من مدريد. لكن اليوم، وبعد تشكيل لجنة الحدود البحرية بين المملكتين الجارتين، تولد أسئلة جديدة حول صلابة العلاقات بينهما، فهل تفرّق الثروات البحرية، خاصةً قرب جزر الكناري، ما توصّل إليه الجاران من "وئام"؟

مطالب مغربية

طالبت الرباط بتوسيع الجرف القاري وترسيم الحدود البحرية، المقابلة لجزر الكناري الإسبانية، داخل اللجنة العلميّة التابعة للأمم المتحدة المسماة "لجنة حدود الجرف القاري"، والمكلفة بتحديد الحدود البحرية المتنازع عليها بين أعضاء الأمم المتحدة، فيما كان المغرب قد قام بمراسلة الدول الأعضاء في الهيئة الأممية من أجل دعم الخبير المغربي في القانون الدولي، ميلود لوكيلي، ليكون عضواً في هذه اللجنة حتى يتمكن من المرافعة قانونياً في هذا الملف.

يقول المحلل السياسي، إدريس العيساوي، في تصريح لرصيف22، إن المغرب يقترب من تسوية جميع الملفات مع إسبانيا بما فيها ملف الجرف القاري الذي يُعدّ من أخطر الملفات العالقة بين البلدين، نظراً لوضعيته القانونية والتاريخية والجغرافية المعقدة، مضيفاً أن هذا الملف تقني بامتياز، ويتوقف على تعيين خبراء مختصين في قانون البحار من أجل ترسيم الحدود البحرية بين كلا الطرفين.

هل تفرّق الثروات البحرية، في السواحل المغربية خاصةً قرب جزر الكناري، ما توصّل إليه الجاران من "وئام" بعد قطيعة دامت نحو عامين؟

توصُل المغرب وإسبانيا إلى ضرورة التفاوض حول ملف الحدود البحرية، انعكس بشكل إيجابي أيضاً على تصريحات وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، الذي حل ضيفاً على التلفزيون الإسباني الرسمي "تي في إي"، وقال: "ندشن مرحلةً جديدةً قائمةً على الاحترام المتبادل"، مذكراً أيضاً باللجنة المغربية الإسبانية المكلفة بعملية العبور والمجموعة المشتركة الدائمة المغربية الإسبانية المكلفة بملف الهجرة. ألباريس كثيراً ما تفادى الحديث عن ترسيم الحدود، قائلاً إن إعلان اللجنة سيكون قريباً، قبل أن تؤكد مصادر في جزر الكناري أن بداية مسار المفاوضات في السادس من أيار/ مايو.

استياء في جزر الكناري

كان المغرب قد قام منذ عام 2019، باستكمال تشريع ترسانته القانونية، وفيها قانونان يوسعان من نفوذ الرباط القانوني ليشمل المجال البحري في الصحراء المغربية وتشكيل منطقة تجارية حرة على مسافة 200 ميل بحري (370 كيلومتراً)، بعرض الشواطئ البحرية، بما يعني بسط سيادته القانونية على مياهه الإقليمية وتوسيع الجرف القاري بـ350 ميلاً بحرياً.

هذه القوانين وإن كانت موقعةً من جانب الحكومة المغربية، إلا أنها غير متّفق حولها إسبانياً، ولطالما عبّرت حكومة جزر الكناري الفيدرالية عن استيائها منها، ومخاوفها من أن تؤثر عليها، خاصةً أنها ستمكن المغرب من الاستمرار في التنقيب عن النفط، الذي تحدثت بعض الدراسات عن احتمال توفر احتياطي منه يتجاوز الـ100 مليار دولار، إلى جانب اكتشاف الجبل المسمى تروبيك، ويحتوي على معادن نفيسة كالكوبالت والتيروليوم، الذي يُستعمل في صناعة الأجهزة الإلكترونية والألواح الشمسية والسيارات الكهربائية.

يقول الأستاذ في جامعة الحسن الثاني والخبير في القانون الدولي، حسن الخطابي، إن أزمة الطاقة ومسألة الغاز وتبعات الهجوم الروسي على أوكرانيا، جعلت المغرب يطلق إستراتيجيةً وطنيةً من أجل ضمان أمنه الطاقي، ومحاولة تجاوز كل الملفات الخلافية مع الجارة إسبانيا، وأضاف: "إن اتفاق مدريد والرباط سيجعل كل طرف يستفيد من الآخر، بالإضافة إلى أن عمليات التنقيب في السواحل المغربية تنبئ بشكل كبير بأن الرباط قد تدخل نادي الدول المصدرة للغاز في أفق سنة 2024"، ما يعني ضمنياً أن إسبانيا قد تصبح من زبائنه بحكم القرب الجغرافي بين البلدين، إذ إن شركات إسبانيةً للتنقيب أو تملك حصصاً في شركات تنقيب، تعمل في التراب المغربي.

في ما يتعلق بتوسيع الجرف القاري إلى حدود جزر الكناري، قال الخطابي لرصيف22: "إن اتفاقية مونتغو باي، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 1994، تنص على أنه في حال وجود دولة قارية مقابل جزر معيّنة، فتقسيم الجرف لا يتم على أساس التساوي، وإنما يتناسب مع مساحة الدولة حسب ما تقتضيه قواعد القانون الدولي للبحار، وحادثة ليبيا مع جزيرة مالطة خير دليل على ذلك".

"عمليات التنقيب في السواحل المغربية تنبئ بشكل كبير بأن الرباط قد تدخل نادي الدول المصدرة للغاز في أفق سنة 2024"

ويرى الخطابي، أنه "في حال تمكن المغرب من ترسيم حدوده البحرية وتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة مع إسبانيا، فسيمكنه ذلك بشكل كبير من استغلال ثرواته البحرية نظراً لمقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تنص على أن لكل دولة الحق في بسط سيادتها على مياهها الإقليمية، خاصةً بعد النتيجة التي قدمتها شركة "Europa Oil & Gas" البريطانية في نيسان/ أبريل الماضي، عن تحديدها للعديد من الهياكل الجيولوجية التي من المحتمل أن تحتوي على ما مجموعه مليار برميل من النفط في منطقة إنزكان بقيمة سوقية تُقدَّر بـ117 مليار دولار.

في السواحل المغربية المتداخلة مباشرةً مع مياه جزر الكناري، في منطقة طرفاية على بعد نحو مئة كيلومتر من جزر الكناري، تم أيضاً الكشف عن آبار للنفط والغاز حسب ما أعلنت مديرة المكتب الوطني للهيدروكربورات والمناجم، أمينة بنخضرا، في لجنة برلمانية. فقد تم التنقيب عن 67 بئراً للنفط والغاز، منها 40 بئراً للنفط والغاز، وتم الإعلان عن وجود بئرين للنفط في البحر، أحدهما قرب سواحل مدينة طرفاية، والآخر قرب مدينة سيدي إفني التي تقع سواحلها بالقرب من جزيرتي لانزاروت وفويرتيفنتورا الإسبانيتين.

عين على الثروات؟

أمام التفاهمات التي تعلن عنها الرباط ومدريد على المستويين القانوني والبحري، وكان آخرها دخول اتفاقية التعاون الأمني حيز التنفيذ، تعارض حكومة جزر الكناري الفيدرالية خطوة القبول بسيادة المغرب على المياه المقابلة للجزر، إذ أعلن رئيس الحكومة الإقليمية أنخيل فيكتور توريس بيريز، بصراحة عن رفض أي تنقيب في مياه قرب جزر الكناري بحجة حماية البيئة، لكن ممثلاً عن الجزر سيكون حاضراً في المفاوضات بحسب سلطات مدريد.

وأمام حكومة جزر الكناري عقبة قانونية على الرغم من "مطامعها"، إذ إن المغرب لم يعد يقبل بمبدأ "تساوي الحقوق" الذي كان معمولاً به حتى الآن، ويشطر المنطقة إلى نصفين متساويين.

هدف المغرب هو أن يأخذ الخطُّ، الذي يقسم المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى قسمين، وفي الحسبان جوانب أخرى، مثل طول الساحل أو حجم السكان أو السطح المغمور

وبحسب مارتا إغليسياس بيرلانغا، الأستاذة في قسم القانون الدولي والكنسي وفلسفة القانون في جامعة كومبلوتنسي في مدريد، في تصريح لإذاعة وتلفزيون الكناري، فإن المغرب لم يعد "مهتماً بمبدأ تساوي المسافات؛ الآن يريد أن يتم رسم الحدود على قاعدة الإنصاف، وهي ليست الشيء نفسه. هدف المغرب هو أن يأخذ الخطُّ، الذي يقسم المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى قسمين، وفي الحسبان جوانب أخرى، مثل طول الساحل أو حجم السكان أو السطح المغمور". وتؤكد الباحثة أنه "بتطبيق هذا المعيار، سيحصل المغرب على نسبة أكبر".

وكانت تصريحات وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، في حوار إذاعي، قد كشفت بعض تفاصيل ما تم التوصل إليه مع الرباط، وهو ما أثار استياء بعض النخب في حكومة جزر الكناري، وهو موقف يعيد إلى الأذهان سنة 2015، حين قامت الشركة الإسبانية "ريمسون"، بأعمال التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية للجزر، الأمر الذي قابلته حكومة جزر الكناري بالرفض.

أثار الحدث أيضاً استياء بعض النخب في جزر الكناري من حكومة مدريد المركزية نفسها، فقد صرح روبين فوينتس، المتحدث باسم حزب التجمع الكناري الدائم، بأن جزر الكناري لا يمكنها الوثوق بمدريد، وأن حكومة بيدرو سانشيز لا تحترم "شعب الكناري" إلى جانب الصحراويين، في إشارة إلى جبهة بوليساريو.

لكن في ظل اكتشاف حقول نفطية جديدة في السواحل المجانبة لمدينة العرائش المغربية، ستُعطى للمغرب دفعة قوية من أجل الالتحاق بركب نادي الدول المصدرة للغاز والبترول، وقد يعجّل من تسريع ترسيم حدوده البحرية مع الجانب الإسباني في الجنوب، خاصةً أن إسبانيا بدورها بحاجة إلى توزيع مصادر الطاقة، وتتخوف من أن تخلّ الجزائر باتفاقياتها معها، أو أن تقطع عنها إمدادات الغاز للضغط عليها في ملف الصحراء الغربية، وفق التهديدات التي تُنشر مراراً على لسان مسؤولين جزائريين في الآونة الأخيرة.

يُذكر أنه سبق أن تم تشكيل لجنة الحدود البحرية في سنة 2005، بهدف تسوية الملف، لكن لم يتم التوصل حينها إلى أي تسوية نهائية.

ويُنتظر أن تكثف لجنة ترسيم الحدود من اجتماعاتها في الفترة المقبلة، للحسم في الملفات المعقدة على المستوى القانوني، بهدف التوصل إلى حل نهائي للحدود البحرية، وطي هذا الملف وإغلاقه إلى الأبد، قبل أن تعكّر مياهه صفو العلاقات بين البلدين. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard