رحلة "الترمبلوي" المصري من بلاط القصور إلى بيوت البسطاء

الثلاثاء 19 يوليو 202205:53 م

قدّمت الجداريات المصرية نماذج ناطقة لفن الخداع البصري، الذي يسمّيه رواده "الترمبلوي" في جداريات المقابر القديمة أو في ردهات قصور الخاصة ما قبل يوليو/تموز 1952. 

 تنوعت مناظر جداريات الترمبلوي بين لوحات صيد الطيور والأسماك وتقديم القرابين، وقدمت الأشخاص بحالة من الواقعية في وضعيات الحركة والعلاقات بين الأجسام والطبيعة وتفاعلات الكائنات الحية بعضها مع بعض في صراع بيئي عند الهجوم والدفاع. كما نجد في مقابر النبلاء بمنطقة سقارة ووادي الملوك وجبانات مير بأسيوط جداريات مميزة مثلت تاسيساً لهذا الفن، حسبما يؤكد الدكتور إسلام محمد، رئيس مركز "عنخ" لعلم المصريات، لدى حديثه إلى رصيف22 حول فن "الترمبلوي". فكيف عرف المصري القديم هذا الفن؟ ولماذا انتقل من بلاط القصور إلى بيوت البسطاء؟ 

الترمبلوي في حياة المصري القديم 

يقول الدكتور إسلام محمد: "الترمبلوي في الفن المصري لم يكن بهدف الخداع البصري مثل ما استخدمه اليونانيون، وإنما من أجل إبراز واقع البيئة المصرية"، ويوضح أنه منذ عصر الدولة القديمة، بدأ التعبير عن البيئة المحيطة بصورة بارزة وواقعية أكبر، وازداد هذا الاهتمام وأنتج تطوراً في هذا الفن تباعاً، في الدولة الوسطى والحديثة إلى نهاية عهود الدولة المصرية القديمة (نهاية عصر الأسرات).

تنوعت مناظر جداريات الترمبلوي بين لوحات صيد الطيور والأسماك وتقديم القرابين، وقدمت الأشخاص بحالة من الواقعية في وضعيات الحركة والعلاقات بين الأجسام والطبيعة وتفاعلات الكائنات الحية بعضها مع بعض، ويظهر هذا في مقابر النبلاء في سقارة بشكل خاص

ويضيف: "لكن الترمبلوي ذاع انتشاره في اليونان القديمة بهدف الخداع البصري بالتحديد وهو عكس المصري القديم الذي اعتمد عليه في توثيق يومياته". 

وتتعدد أنواع فن الترمبلوي بين الرسم والنحت. وبحسب عليا نصر، مفتشة آثار، فإن واحدة من المصاطب الست المكونة لجدران هرم زوسر هي المدرج "الثلاثي الأبعاد" وهذا ما يعبر عن التطور المبكر للأعمال النحتية الممثلة للطبيعة "الترمبلوي" في مصر. 

وفي العصور الحديثة أيضاً

يعتبر متحف المجوهرات الملكية بجليم بمدينة الإسكندرية، أحد أبرز المعالم التراثية المصرية التي تحتوي على أعمال فنية حديثة للترمبلوي، قام بتنفيذها الدكتور فؤاد تاج الدين، الأستاذ المتفرغ في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية. 

القصر الذي يحتله المتحف الآن، هو قصر الأميرة فاطمة حيدر، حفيدة محمد علي. ويمثل قصرها تحفة معمارية مميزة بنيت في العام 1919، ثم تحول القصر إلى متحف بموجب قرار جمهوري صدر في العام 1986، بعد أن كان استراحة رئاسية. ووضع القرار موضع التنفيذ في العام 1999، ليفتتح متحف المجوهرات الملكية في القصر في العام 2010.

وفي كليات الفنون الجميلة

تقول مها جميل، فنانة تشكيلية درست في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، لرصيف22، إن فن الترمبلوي كان جزءاً أصيلاً من دراستها في قسم التصوير الزيتي، ما ساعدها في تنفيذ الأعمال الفنية الخاصة بالطبيعة الصامتة، واستهدفت من تنفيذه في أعمالها، خاصة المستشفيات، تغيير الحالة المزاجية للمرضى، لا سيما عند تنفيذه على أبواب الغرف والشرفات والنوافذ والشوارع الطويلة.

ويؤمن حسام الدين مصطفى، الحاصل على بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة المنيا، أن فن الترمبلوي "هو مرآة تعكس روح الفنان، يظهر إيمانه بما ينفذه للمارة حيث يقرأون في لوحته أو جداريته مدى إبداعه".

تعلق قلب يوستينوس وجيه بولس بالفن عندما راقب والده وهو يرسم، فبدأ بتقليده ثم حولته الهواية إلى فنان تشكيلي، بعد أن التحق بالقسم الحر في كلية الفنون الجميلة بالزمالك، برغم عمله الأساسي في مجال التحاليل الطبية. عرف الترمبلوي صدفة، عندما كان ينفذ قصص الكتاب المقدس على شكل جداريات كنائسية، ويقول إن تنفيذ جدارية من فن الترمبلوي يحتاج إلى إحساس دقيق في قياس أبعاد الظل والضوء والجسم الذي يتم تنفيذ العمل عليه. 

قبلة الهواة

كانت كلاسيكية الترمبلوي وتميز تصميمه السر وراء اندفاع الكثيرين من الهواة إليه، لا يعرفون عنه سوى خداعه البصري، الذي يظهر للمارة أمام جدار أو لوحة وكأن الأجسام والعناصر البيئية حقيقية. 

من هؤلاء الهواة، إيمان عبد الكريم، التي تخرجت في قسم الأنثروبولوجيا في كلية الآداب، ولم تدرس الرسم أو فن الجداريات. تقول لرصيف22: "اشتغلت في الترمبلوي كهواية مع مهندس ديكور، والموضوع اتطور معايا بشكل تدريجي". 

عملت إيمان في الكثير من بيوت أبناء الطبقة الوسطي، وتلاحظ: "زمان كان الأمراء والأميرات والبشوات فقط يطلبون هذا الفن في بيوتهم كما عرفت من رواده، أما الآن، فيبحث أبناء الطبقة الوسطى وبعض البسطاء عن تزيين بيوتهم بلوحات جدارية بسيطة حسب إمكانياتهم. وهذا طبيعي. فاتجاه حركة الفن غالباً ما يكون من أعلى إلى أسفل، خاصة الفنون الرفيعة". 

كانت كلاسيكية الترمبلوي وتميز تصميماته، هما السر وراء اندفاع الكثيرين من الهواة إليه. لا يعرفون عنه سوى خداعه البصري، الذي يظهر للمارة أمام جدار أو لوحة وكأن الأجسام والعناصر البيئية حقيقية

وترى أن الفن التشكيلي بطبيعته أتاح هذا الانتشار، وازداد الاتجاه إلى الترمبلوي مع الاتجاه إلى ما تصفه بـ"الكلاسيكية في تشييد المباني السكنية مؤخراً" واعتماد الكثيرين على الطرق الصحيحة في البناء من حيث التقسيم والتأسيس المعماري والهندسي الحديث. 

وبحسب دراسة تحليلية قدمتها المهندسة مروة ربيع رجب، المعيدة بكلية التربية الفنية بجامعة المنيا، بعنوان: "فن الخداع البصري واستحداث رؤية جديدة للوحة الزخرفية"، نشرتها في مجلة الفنون التشكيلية والتربية الفنية، (المجلد الثالث، العدد الثاني، يوليو/ تموز 2019)، هناك مدارس حديثة لفن الخداع البصري في الجداريات الداخلية، ومن مؤسسيها الفنان المجري فيكتور فازريللي، الذي يرجع إليه فضل وضع أسس الهندسة الداخلية للطبيعة، وكذلك الفنانة بريدجيت ريلي، التي وضعت أسس خداع العين عن طريق الخطوط التي تبدأ ولا تنتهي داخل العمل، وأيضا الفنان رافائيل سوتو، الذي اهتم بأسس نظريات الخداع البصري، وغيرهم.

يبقى أن قدرة الفن التشكيلي على أن يصير حاضراً في الحياة اليومية يكاد يقتصر في مصر على محاولات متفرقة لمحبي الجمال، يدخرون من أجل الإنفاق على لمسة بسيطة تحضر داخل بيوتهم، في وقت تتسع سيطرة التصحر البصري على عيون المصريين وشوارعهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard