بايدن يزور المنطقة "من أجل جو بايدن"... السعودية تنتظر منه أن يكون روزفلت2 لا أوباما2

الجمعة 15 يوليو 202212:18 م

تحت عنوان "سبب زيارتي للسعودية"، يقول الرئيس الأمريكي جو بايدن، في مقاله في صحيفة "واشنطن بوست": "سأسافر إلى الشرق الأوسط لبدء فصل جديد واعد، وإن الرحلة تأتي في وقت حيوي بالنسبة إلى المنطقة وستعمل على تعزيز المصالح الأمريكية المهمة".

كما أنه "يسعى إلى شرق أوسط أكثر أمناً وتكاملاً، وإن تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة يأتي بفوائد للأمريكيين"، مشيراً إلى أهمية الممرات المائية الموجودة في الشرق الأوسط للتجارة العالمية وسلاسل التوريد، بالإضافة إلى موارد المنطقة من الطاقة، وأهميتها في التخفيف من تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا على الإمدادات العالمية للطاقة، كذلك مرّ على مساعي الوحدة في المنطقة.

يتساءل الكاتب في صحيفة الإندبندنت، أندرو بونكومب، في تقرير له حول الزيارة، عن السبب الذي غيّر رأي جو بايدن تجاه السعودية، إذ وصفها سابقاً بأنها "دولة منبوذة"، مذكّراً بمناظرة الحزب الديمقراطي الخامسة في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2019، أمام بيرني ساندرز وكاميلا هاريس وإلزابيث وارين، ضمن منافسة اختيار مرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة.

قال بايدن حينها، سأجعل السعودية "دولةً منبوذةً"، و"لن أبيع لها السلاح"، و"سيدفعون (السعوديون) الثمن"، و"لقد قُتل (جمال) خاشقجي وقُطّعت أوصاله، وأنا أؤمن بأن هذا جاء بأمر من ولي العهد"، و"السعودية تقتل الأطفال في اليمن".

يتساءل الكاتب في صحيفة الإندبندنت، أندرو بونكومب، في تقرير له حول الزيارة، عن السبب الذي غيّر رأي جو بايدن تجاه السعودية، إذ وصفها سابقاً بأنها "دولة منبوذة"

ويلفت الكاتب إلى أن الأمر لم يتوقف عند هذه التصريحات، بل قامت إدارة بايدن، مع دخولها إلى البيت الأبيض، برفع ميليشيا أنصار الله اليمينة (الحوثيين) من قائمة الإرهاب، وجمّدت مبيعات الأسلحة إلى السعودية مؤقتاً، بالإضافة إلى إيقاف الدعم العسكري للتحالف العربي الذي يقاتل إلى جانب الحكومة اليمنية، المعترف بها أممياً.

الأسباب المغيّبة

تقول الباحثة المتخصصة في العلاقات الأمريكية والشرق أوسطية، روان رجولة، إن مقال "بايدن تطرق إلى كل شيء ما عدا موضوع أسعار الطاقة والوقود، والذي هو في الحقيقة أساس وصلب زيارة الرئيس الأمريكي إلى المنطقة، للحصول على قرار حاسم في ما يتعلق بزيادة طاقة الإنتاج ومصير أوبك بلس".

وتضيف الباحثة في حديثها إلى رصيف22، أن "الهدف من الزيارة هو محاولة إدارة بايدن كي تكون لاعباً أساسياً في التقاربات الأمنية بين دول الخليج وإسرائيل، مع رغبة هذه الإدارة في التأكيد على أهمية الاستقرار في المنطقة، من خلال دعم الأنظمة الحاكمة بشكلها الحالي، من دون التخلي عن التزام الولايات المتحدة عن قيمها في موضوع حقوق الإنسان والحريات، في محاولة منها لمسك العصا من المنتصف".

و"أوبك بلس" هو اتفاق يضمّ 23 دولةً مصدرةً للنفط، منها 13 دولةً عضوةً في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). جرى التوصل إلى هذا الاتفاق في الجزائر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، بهدف خفض إنتاج البترول لتحسين أسعار النفط في الأسواق.

خفّضت روسيا بموجب الاتفاق 230 ألف برميل من إنتاجها اليومي، فيما تحمّلت السعودية النسبة الأكبر من التخفيض بمقدار 500 ألف برميل يومياً. وفي نيسان/ أبريل عام 2020، تم الاتفاق على أكبر عملية خفض للإنتاج بنحو 9.7 ملايين برميل يومياً بحلول أيار/ مايو 2020، وهو ما تسبب في زيادة أسعار النفط، لتأتي الحرب الروسية الدائرة في أوكرانيا وتتسبب في رفع سعر النفط بشكل كبير، وتطالب واشنطن بزيادة الإنتاج، من دون استجابة من قبل السعودية.

من المحاسبة إلى الشراكة

يعتقد البرلماني العراقي السابق وخبير العلاقات الدولية، عمر عبد الستار محمود، أن نجاح الزيارة مرتبط بما إذا كانت موجهةً إلى روسيا أكثر من توجهها نحو إيران، لأن روسيا هدف دولي يجمع الأطراف أكثر مما تجمعهم إيران.

ويضيف محمود في حديثه إلى رصيف22، أن "الجمع الدولي هدفه مواجهة روسيا في موضوع الطاقة، وفي موضوع العلاقات بين المعسكرين، إذ لدى روسيا علاقات مع إيران ومع الخليج ومع إسرائيل ومع تركيا. لذا فإن عملية تحويل المنطقة إلى أوروبا ثانية، لا يمكن أن تكون إلا بخروج روسيا منها. ولكن للوصول إلى هذا لا بد من المرور بالخطة باء، أي مواجهة إيران".

قبل فترة، كان بايدن يريد السعودية "دولة منبوذة"، أما الآن فهو يسعى لاستعادة الشراكة معها، لماذا؟لأن همّ الأول هو الاقتصاد الأمريكي، من خلال الوصول إلى اتفاقيات تتعلق بالنفط تساعد واشنطن على تخطّي التضخم والأزمة الاقتصادية

ويشير إلى أنه "في منطقةٍ ما بين الدبلوماسية والحرب، هناك خطوات لا بد من أن تحصل لتعميق العلاقة الأمنية الأمريكية مع السعودية ودول الخليج والمنطقة، وهذا يوحي بأن أمريكا تقوم بدور الوسيط بين إسرائيل وبين دول الخليج من أجل أن تكون العلاقة الأمنية والاقتصادية أكبر من أي وقت مضى، وتالياً زيارة بايدن للقدس والرياض هي أزمة لطهران وموسكو".

ومثّلت تداعيات مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، في إسطنبول عام 2018، أحد أبرز التحديات التي واجهت العلاقة بين واشنطن والرياض في عهد بايدن، إلا أن إدارته لم تتخذ أي إجراءات من شأنها إحداث ضرر عميق في العلاقات الأمريكية-السعودية قد يصل إلى حد القطيعة بين البلدين، واكتفت بنشر تقرير سرّي لوكالة الاستخبارات المركزية "سي آي أي" حول الحادثة، من دون أن تستهدف القيادة السعودية بشكل مباشر.

الاقتصاد الأمريكي أولاً

سارة شريف، الباحثة والمحللة في الشؤون الإسرائيلية، ترى أن زيارة بايدن لن تغيّر الكثير في فكرة أمن المنطقة أو في شكل المنطقة، فهي المقام الأول والثاني من أجل أمريكا والاقتصاد الأمريكي، من خلال الوصول إلى اتفاقيات تتعلق بالنفط تساعد واشنطن على تخطّي التضخم والأزمة الاقتصادية اللذين تمر بهما، وتساعد بايدن على تقوية مركز الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. لذا يسعى إلى كسب أرضية وسط يهود أمريكا المهتمين تحديداً بإسرائيل، ويريد أن يكسب أرضيةً لدى الرأي العام الأمريكي، بأنه الرئيس الذي يستطيع أن يحقق إنجازات في منطقة مضطربة مثل الشرق الأوسط.

وعليه، تعتقد شريف، في حديث إلى رصيف22، أن "الزيارة بالنسبة إلى الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي رمزية. وبالنسبة إلى الجانب السعودي هي اقتصادية في المقام الأول، وفي كلتا الحالتين الزيارة في مجملها هي من أجل جو بايدن".

وفي ما يخص التحالف الشرق أوسطي المدرج على جدول أعمال الزيارة، ترى شريف أنه "من المقرر الإعلان عنه، والإعلان عن منظومة دفاع إقليمي جوي تشترك فيها الدول العربية مع إسرائيل، ويكون له نظام إنذار في كل الدول. لكن لديّ شكّاً في تقديرات نجاحه، كون السعودية تحديداً ترغب في بقاء الأمور كما هي عليه، أي من دون توقيع اتفاقات مشتركة مع إسرائيل في العلن".

برأيها، "السعودية الآن غير مستعدة لاتفاق تطبيع معلن مع إسرائيل من دون مقابل وازن، ومن خلال ما سمعته في الكواليس، فإن السعودية تريد أن يكون الحلف الدفاعي المشترك مع الولايات المتحدة فقط، من دون وجود إسرائيل في ظاهر الصورة، لذا من غير الواضح ما الذي يُمكن أن يتم الاتفاق عليه".

المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، جون كيربي، قد أعلن قبل أسبوع أن زيارة بايدن، سيتخللها نقاش مسألة "تعزيز التعاون الإقليمي ولا سيما في مجال الدفاع الجوي"

الدفاع الجوي تابع

كان المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، جون كيربي، قد أعلن قبل أسبوع أن زيارة بايدن، سيتخللها نقاش مسألة "تعزيز التعاون الإقليمي ولا سيما في مجال الدفاع الجوي"، بين حلفاء واشنطن، ومن بينهم دول عربية وإسرائيل، في مواجهة طهران. وأضاف: "نواصل العمل على أُطر وقدرات دفاع جوي متكاملة في كل أنحاء هذه المنطقة"، بسبب "مخاوف تتعلق بإيران وقدراتها المتزايدة والمتنامية في مجال الصواريخ الباليستية، ناهيك عن دعمها المستمر للإرهاب في أنحاء المنطقة".

وعليه ترى رجولة، أن "من مصلحة واشنطن أن يكون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مستقرين ومتعاونين ومتكاملين على الأقل على المستوى الأمني، وخلق بلوك في مواجهة الصين، ولا سيما أن الصين لها حضور اقتصادي واضح في دول شمال إفريقيا، وتحاول أن تنافس الولايات المتحدة في الخليج، علماً أنها هي المستورد الأول للنفط السعودي".

وتالياً، حسب رجولة، "تستبعد الإدارة الأمريكية القبول بالملف النووي الإيراني بشروطه الحالية، لا سيما في ظل الضغوط الدبلوماسية التي تعرضت لها من جانب إسرائيل ودول الخليج مع تقديم حلول لثني الإدارة عن المضي في هذا الأمر. والتقارب الأمني والتجاري سيكون بمثابة رادع لإيران، ولكن يحتاج إلى تكامل مع شريك قوي، هو الولايات المتحدة، إذ إن قوة إيران في المنطقة هي المسيّرات (الدرونز)، وما تحاول أن تقوم به بعض الدول الخليجية هو التكامل الأمني والعسكري في ما يتعلق بتأمين منظومة دفاع جوي تحمي مصالحها الاقتصادية".

السعودية وإسرائيل

في مقاله في الـ"واشنطن بوست"، يؤكد بايدن أنه يهدف إلى التقريب بين السعودية وإسرائيل: "سأكون أول رئيس يطير من إسرائيل إلى جدة في السعودية. سيكون هذا السفر أيضاً رمزاً صغيراً للعلاقات الناشئة والخطوات نحو التطبيع بين إسرائيل والعالم العربي، والتي تعمل إدارتي على تعميقها وتوسيعها".

وعليه، يعتقد محمود أن "مقايضة النفط بالنووي وأمن المنطقة لا تصحّ، فالسعودية تريد أن تكون أمريكا ضامنةً لأمنها وأمن المنطقة، تاركةً سياسة باراك أوباما وعائدةً إلى سياسة روزفلت (الصفحة الثانية من اتفاقية كوينسي)، أو سياسة نيكسون، في سياسة الأقطاب المزدوجة، وتالياً ألا يكون بايدن، أوباما2، بل روزفلت2، أو نيكسون2".

واتفاقية كوينسي، المعروفة باتفاق الأمن والنفط، الموقعة عام 1945، بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك السعودي عبد العزيز آل سعود، بمقتضاها يصبح النفط سلعةً دوليةً مقابل حفظ الأمن السعودي. غير أن الانسحاب الأمريكي من المنطقة منذ عام 1973، جعل السعودية راغبةً في توقيع الفصل الثاني من الاتفاقية التي افترضت أن تكون الرياض جزءاً من الناتو لمواجهة روسيا، لذا يرتبط نجاح زيارة بايدن إلى السعودية بتوقيع هذا الفصل، حسب محمود.

تيران وصنافير

قال موقع "إكسيوس" الأمريكي، أمس الخميس، إن الحكومة الإسرائيلية وافقت على معايير اتفاق حول جزيرتين إستراتيجيتين في البحر الأحمر، من شأنه أن يمهّد الطريق أمام السعودية لاتخاذ خطوات نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ونقل الموقع عن مسؤولين إسرائيليين القول إن بلادهم أبلغت الولايات المتحدة أنها مستعدة لتوقيع صفقة مع السعودية تتعلق بجزيرتَي تيران وصنافير في البحر الأحمر.

تريد السعودية أن تكون أمريكا ضامنةً لأمنها وأمن المنطقة، تاركةً سياسة باراك أوباما وعائدةً إلى سياسة روزفلت (اتفاقية كوينسي)، أو سياسة نيكسون، في سياسة الأقطاب المزدوجة، وتالياً ألا يكون بايدن، أوباما2، بل روزفلت2

ترى شريف أنه من المفترض أن مسألة السيادة السعودية عليهما قضية منتهية، نظراً إلى موافقة مصر على تسليمهما إلى الرياض، إلا أن الأزمة الواقعة هي موافقة السعودية على التوقيع على بنود تشابه بنود اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل، والتي تنص على حرية الملاحة الإسرائيلية في مضائق تيران والوجود العسكري الأممي في الجزيرتين، فيما ترى الرياض أنها غير معنية بالاتفاقية، لكونها ليست طرفاً فيها. لذا تتوقع السعودية ضغطاً أو محاولة إقناع أمريكية لها من أجل التوقيع على اتفاقية تسمح بمرور السفن الإسرائيلية.

وتضيف شريف أن "توابع هذا الأمر تمتد إلى جميع الأطراف، فواشنطن تسعى إلى توقيع اتفاق مع ايران، وفي الوقت ذاته ترغب في تقديم ضمانات، أو أنها تقف إلى جانب الدول العربية (السنية-المحور الآخر)، وإسرائيل في حلفهم الدفاعي المشترك، ومسألة الجزر هي جزء من الصفقة، بينما ترغب الرياض في الاعتراف بالأمير محمد بن سلمان، وريثاً شرعياً للمملكة، بعد القطيعة الحاصلة مع الإدارة الأمريكية بسبب مقتل خاشقجي".

برأيها، "كل طرف في الصفقة يسعى إلى هدف مغاير عن الآخر، فالسعودية تريد إتمام صفقة الجزيرتين، بينما ترغب واشنطن في تأسيس حلف في المنطقة لمواجهة إيران، بالإضافة إلى توقيع الاتفاق مع إيران، وتخفيض أسعار النفط أو ضمانات سعودية لحفظ الأسعار، فيما تسعى إسرائيل إلى اتفاقية تحفظ لها حرية الملاحة في المضائق، مع رغبتها في التحالف مع الدول العربية لمواجهة إيران، والتقدم في مسألة التطبيع".

وسط ذلك كله، أعلنت هيئة الطيران المدني السعودية، اليوم الجمعة، عن فتح أجواء المملكة لجميع الناقلات الجوية التي تستوفي متطلبات الهيئة لعبور الأجواء. وقالت عبر حسابها على تويتر: "في إطار حرص المملكة العربية السعودية على الوفاء بالتزاماتها المقررة بموجب اتفاقية شيكاغو 1944، والتي تقتضي عدم التمييز بين الطائرات المدنية المستخدمة في الملاحة الجوية الدولية، واستكمالاً للجهود الرامية لترسيخ مكانة المملكة كمنصة عالمية تربط القارات الثلاث، وتعزيزاً للربط الجوي الدولي، تعلن الهيئة العامة للطيران المدني أنه تقرر فتح أجواء المملكة لجميع الناقلات الجوية التي تستوفي متطلبات الهيئة لعبور الأجواء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard