السعودية تبحث عن الانفتاح الفنّي وعيونها موجهة إلى مصر

الاثنين 4 أبريل 202210:55 ص

لفترة طويلة، ارتبط اسم السعودية بالانغلاق والتشدد الفكريين، وبرقابة السلطة الصارمة على الإنتاج الفني والثقافي. لكن مع الإعلان عن تأسيس هيئة الترفيه في أيار/ مايو 2016، بدأت الأمور تتغيّر، وبدأت دائرة الانفتاح تتسع تدريجياً.

وكان للفن نصيب الأسد في هذا الانفتاح. وكان فنانون مصريون دعامته الأساسية، وأكثر المساهمين في المشاركة فيه والترويج له، من خلال أنشطة وفعاليات فنية مختلفة، من ضمنها الإنتاج المسرحي والتلفزيوني والسينمائي.

استقبال الانفتاح

عن كيفية استقبال المجتمع السعودي لهذا التغيير الانفتاحي، يقول الأمين العام المساعد لاتحاد المنتجين العرب، الإعلامي السعودي خالد المجرشي، إن كثيرين من السعوديين رحبوا بالأمر، وعدّوه فرصةً "لتنفس الحياة ومشاهدة الفنون التي تطلعوا إليها طويلاً في بلدهم".

وفي المقابل، هنالك من صدمهم الانفتاح على الفنون داخل المملكة، وهؤلاء يصفهم المجرشي بأنهم "متشددون ويمارسون إرهاباً فكرياً على من حولهم"، متسائلاً: "النهضة الثقافية والفنية تحدث في كل البلاد العربية، فلماذا لا تحدث في السعودية؟".

ويؤكد أن مستقبلاً زاهراً ينتظر الفن خلال عام من الآن في المملكة، بسبب رصد الحكومة ميزانيات "ضخمةً"، ستؤدي برأيه إلى نهضة فنية واسعة، "عمادها الشباب الموهوبون الذين يتم استقطابهم".

مستقبل فني واعد

من ناحيته، يرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين، أن السعودية شهدت خلال العامين المنصرمين طفرةً كبيرةً في مجال الفن وتلقّيه، مشيراً عل سبيل المثال إلى أنه لم تكن هنالك دور عرض سينمائية في البلاد، لكن اليوم هناك نحو 400 دار قيد التأسيس.

وأيضاً، والحديث له، لم تكن هنالك مهرجانات، ولم تكن تقام عروض فنية، لكن الآن تغيّر الأمر، وأبرز المناسبات مهرجان البحر الأحمر الدولي السينمائي، وموسم الرياض والحفلات التي يشهدها ويحييها فنانون عرب مشهورون.

ويرى سعد الدين أن هذه التحوّلات، بجانب الانخراط في مجال الإنتاج السينمائي، إشارة إلى "مستقبلٍ مليء بالتطلعات".

ناقد فني مصري آخر، هو كمال القاضي، يذكّر بأن الحركة الفنية في السعودية قبل الانفتاح لم تكن عقيمةً تماماً، بل كانت هناك "تجارب مسرحية محدودة، غلب عليها الطابع النمطي الكلاسيكي، في حين أن السينما كانت متأخرةً إلى حد بعيد، وتجاربها لم تكن على المستوى المطلوب".

ويعتقد القاضي أن السبب في ذلك راجع إلى عدم اندماج السعودية في الحركة السينمائية على نحو قوي، نظراً لمتطلبات الحرية في الإبداع السينمائي، وهذا ما جعل حصيلتها 225 فيلماً سينمائياً فقط منذ عام 1975 حتى عام 2012، وكانت بمجملها أفلاماً تسجيليةً أو قصيرةً بميزانياتٍ ضعيفة، أُعدّت خصيصاً للمشاركة في المسابقات الفنية بهدف حصد الجوائز.

حالياً، يبدي القاضي تفاؤله بتطور الحركة السينمائية داخل المملكة في المرحلة المقبلة، بسبب "الاهتمام بالإبداع السينمائي والمهرجانات الداعمة للسينما العربية".

ويرى أن مهرجان البحر الأحمر "نجح في كسر الحاجز بين الجمهور السعودي والسينما بشروطها وقوانينها الخاصة، وذلك لأن السينما تُعدّ صناعةً مهمةً ومربحةً وتمثل قوةً اقتصاديةً".

ويلفت إلى أهمية استغلال ما يصفها بمرحلة التشجيع السينمائي في السعودية، لأنها برأيه ستسهم في "صناعة مستقبل مهم في هذا المجال، وستتحول المملكة إلى منافس قوي، لكونها تمتلك أهم مقوم لذلك، وهو المال".

وينصح بالتوجّه نحو إنتاج أعمال تاريخية ودينية، وذلك لـ"تعويض المفقود من هذه النوعية الفنية في المنطقة العربية، وملء الفراغ الذي تعاني منه السينما العربية في هذا النطاق، مع الاحتفاظ بخصوصيتها في ما تنتجه وتعرضه من أعمال تعبّر عن ثقافتها المحافظة بنحو موضوعي".

وفي ما يخص الدراما التلفزيونية، يقترح إنتاج أعمال عربية مشتركة بين السعودية وبقية الدول العربية، الأمر الذي من شأنه إحداث نقلة فنية نوعية لتوافر كل مقومات ذلك، بشرياً ومالياً.

لماذا مصر؟

ويبدو أن المملكة عملت مسبقاً باقتراح القاضي، ومدت أذرع التعاون الفني نحو مصر، من خلال أنشطة وفعاليات فنية عدة أقامتها بمشاركة أسماء لها حضور بارز في الساحة الفنية المصرية.

ولكن لماذا مصر دون غيرها؟ وماذا يمكن أن يثمر استمرار هذا التعاون وتطويره مستقبلاً؟ لا بد من إلقاء نظرة على واقع الحركة الفنية حالياً في مصر قبل الإجابة.

هناك من يتخوف من أن يتسبب التعاون الفني المصري السعودي في عودة ما كان يُعرف بـ"أفلام المقاولات" التي ظهرت في مصر خلال ثمانينيات القرن المنصرم

يرصد مخرج الأفلام الوثائقية، أحمد فؤاد الدين، وجود تراجع في العملية الإنتاجية السينمائية في مصر، معللاً ذلك بالوضع السياسي والاقتصادي للبلاد، وبتراجع أولوية الترفيه بشكله التقليدي، مع مساهمة جائحة كورونا في تعميق المشكلة على نحو كبير.

وينفي أن يكون بحث المصريين العاملين في مجال الفن، من ممثلين وسواهم، عن مصادر تمويل خارجية لأعمالهم، أمراً حديثاً، ويقول: "منذ سنوات طويلة والمخرجون المصريون، من أصحاب المشاريع غير التجارية، يفتشون عن تمويل لمشاريعهم، لأنها تستلزم ميزانياتٍ كبيرةً".

ثم يستدرك: "ربما في الماضي كانت الفرص أفضل لوضع مثل هذه المشاريع ضمن خطط جهاز السينما الذي تقلصت أدواره عموماً".

أما الناقد الفني محمد مسعد، فيربط تراجع الإنتاج الفني في مصر بالأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد مطلع عام 2008، بسبب انخفاض معدل النمو الاقتصادي، وأثّرت على دخل الطبقة الوسطى بشكل أعمق منذ عام 2016، "وجعلتها تتخلى عن ممارسة الكثير من الأنشطة الترفيهية أو الثقافية، كالذهاب إلى السينما على سبيل المثال، إلى جانب أن صناعة السينما في الأصل بدأت تعاني من مشكلة تضخّم قيمة الإنتاج".

ومن أمثلة التعاون الفني بين مصر والسعودية: في الجانب المسرحي عروض "مسرح مصر"، وفي الجانب السينمائي فيلم "مش أنا" (2021)، وغيره، فضلاً عن عدد كبير من الحفلات الغنائية لأسماء لامعة كتامر حسني.

قلق من عودة "أفلام المقاولات"

في مصر، هناك من يتخوف من أن يتسبب التعاون الفني المصري السعودي في عودة ما كان يُعرف بـ"أفلام المقاولات" التي ظهرت في مصر خلال ثمانينيات القرن المنصرم على يد مجموعة من المخرجين الشباب الذين لقّبوا تجمعهم باسم "تيار الواقعية الجديد".

يعرّف المخرج عمر عبد العزيز أفلام المقاولات بأنها "قصيرة وقليلة التكلفة وأيام تصويرها قليلة، ولا تشارك في المهرجانات الفنية، وتُصنع بهدف تدوير رأس المال لأن السينما في النهاية صناعة، ودور العرض تحتاج إلى أفلام".

وتنتَج في مصر، حسب عبد العزيز، أفلام مقاولات بنسبة 30% من إجمالي الأعمال الفنية السينمائية التي تُنتَج سنوياً، ويشير إلى أنه لا يمكن لشركة واحدة أن تنتج طوال الوقت أفلاماً تصلح للمشاركة في المهرجانات الفنية، لأن ذلك "سوف يعرّضها للخسارة"، ويتابع: "وجود هذا النوع من الأعمال الفنية بين السعودية ومصر أمر طبيعي ولا ضير منه مطلقاً".

"الإنتاج الفني المصري السعودي المشترك سيكون ‘وطنياً’، لكون المسؤولين السعوديين سيتوجهون نحو إنتاج مشاريع فنية تحمل الطابع الوطني للتأكيد على نجاحهم في خلق كوادر وطنية في وقت قصير"

ويردّ المخرج أحمد فؤاد الدين، على من يقارب بين أفلام المقاولات التي كانت نتاج تعاون بين مصر ولبنان قبل نحو ستة عقود، والأفلام التي يمكن أن تنتَج الآن بتعاون مصر مع السعودية، بقوله: "من الأسباب التي دعت مجموعة من الفنانين المصريين لتصوير أفلام تجارية بعد نكسة 1967، التراجع الكبير في أولوية الفن والسينما في تلك السنوات، لكن ذلك لم يستمر طويلاً مقارنةً بالتراجع الذي تشهده الحركة الفنية في مصر حالياً".

وعن توقعه لنوعية الإنتاج الفني المصري السعودي المشترك، يقول فؤاد الدين إنه سيكون "وطنياً"، لكون المسؤولين السعوديين "سيتوجهون نحو إنتاج مشاريع فنية تحمل الطابع الوطني للتأكيد على نجاحهم في خلق كوادر وطنية في وقت قصير".

لا يرى الناقد الفني محمد مسعد، أن هناك فرصةً لظهور نمط أفلام المقاولات، إلا في حدود ضيقة جداً، لكون "الأعمال الفنية المنخفضة الجودة لم ولن تجد مساحة اهتمام تشغلها"، رابطاً ذلك بالمتفرج السعودي والمصري اللذين "أصبحا يمتلكان خيارات أكثر إتقاناً وفنيةً، وهي منصات العرض عبر الإنترنت والفضائيات".

ويدعو مسعد إلى وضع آلية وتفاهمات تحقق المنفعة المتبادلة لتنظيم أمر دخول الرأسمال السعودي في الإنتاج السينمائي والمسرحي والموسيقي المصري، "حتى لا ينتهي الأمر بصدام وخسائر مالية"، مشيراً بقوله هذا إلى الطبيعة الصدامية والميل إلى إثارة الرأي العام التي ميزت أداء رئيس هيئة الترفيه السعودية، تركي آل الشيخ.

ويُذكر أن تقديم العروض المسرحية أو إقامة حفلات أو إنتاج أفلام سينمائية أو مسلسلات مصرية في منطقة الخليج أمر معتاد منذ بداية تأثير العوائد النفطية على نمط الحياة وأسلوبها في الخليج قبل عقودٍ خلت.

لكن السبب الذي نبّه كثيرين، حسب مسعد، إلى وجود الفنانين المصريين في السعودية مؤخراً، واعتقادهم بوجود رغبة سعودية في السيطرة على سوق الإنتاج الفني المصري أو التقليل من مكانة مصر والفنان المصري، هو "المساجلات وتبادل الاتهامات والهجوم اللفظي الذي استخدمه البعض وتناوله الإعلام بكثير من التضخيم".

"من الطبيعي استقدام السعودية للكفاءات الفنية المصرية، ولا يمكن تسمية ما يحدث بأنه ‘استيراد’، فالمصريون كان لهم دور في بناء الصناعة الفنية في كل التجارب العربية خلال السنوات الماضية"

ويقصد بقوله المناوشات الكلامية التي حدثت بين الفنان المصري محمد صبحي، وتركي آل الشيخ، إذ صرح صبحي للإعلام مطلع شباط/ فبراير 2022، بأنه اعتذر عن قبول دعوة بملايين الدولارات لتقديم واحدة من مسرحياته في السعودية، لأنه ليس "مرفّهاتي"، منتقداً بذلك هيئة "الترفيه" السعودية التي توجه الدعوات إلى الفنانين لإقامة أنشطتهم في المملكة، ما حدا بآل شيخ إلى نفي تقديم عرض مليوني لصبحي، واصفاً إياه بـ"المشخصاتي".

لماذا الفنان المصري تحديداً؟

يذكر الأمين العام المساعد لاتحاد المنتجين العرب، خالد المجرشي، أن "15 ألف مصري شاركوا في موسم الرياض 2021، سواء خلف الكاميرات أو أمامها"، ويقول بثقة: "حينما تفتح السعودية أبوابها للفن لا يمكن ألا يكون للمصريين حضورهم الفاعل".

وحسب المخرج عمر عبد العزيز، سعت السعودية إلى استقطاب كفاءات فنية من مختلف الجنسيات، وليس من مصر فحسب، سواء من مشاهير الفن في الوطن العربي أو من المشاهير على مستوى العالم.

وبالرغم من عدّه دخول السعودية عالم الفن خطوةً ممتازةً من شأنها المساهمة في انتشار الفنون العربية، يتوقع مرور سنوات طويلة قبل التمكن من "صناعة تاريخ سعودي فني قوي".

وبالعودة إلى المخرج أحمد فؤاد الدين، فهو يرى أن من الطبيعي استقدام السعودية للكفاءات الفنية المصرية، ولا يمكن تسمية ما يحدث بأنه "استيراد"، ويضيف: "المصريون كان لهم دور في بناء الصناعة الفنية في كل التجارب العربية خلال السنوات الماضية، فمصر بلد صناعة سينما، وعندما تتاح فرص لإنشاء أو بناء مشروع فني في المنطقة، لن تكون هناك سوى الخبرات التي يمكن أن يوفرها المصريون".

ومن جهته، يؤكد الناقد محمد مسعد أن مردّ الاعتماد السعودي على الفنان المصري هو وجود جماهيرية للأعمال الفنية المصرية والنجوم المصريين في الخليج بوجه عام وفي السعودية بوجه خاص.

ويجد أن ذلك منطقي لكون المراكز الفنية العربية الكبرى الأخرى مثل سوريا، تعاني في الوقت الراهن من أزمات كبرى نتيجة الحرب الأهلية، فضلاً عن طبيعة الخطاب المنفتح الذي يقدمه الفنان المصري، وهو ما يتماشى مع توجهات الدولة السعودية الحالية.

وبالنسبة للناقد أحمد سعد الدين، تعتمد السينما والفن بنحو عام على رأس المال، ويتفق مع من يعزو توجه الفنان المصري نحو السعودية إلى المال: "إذا وجد الفنان المصري تقديراً مادياً له في السعودية مقارنةً بالأجور المعروضة عليه في مصر، سيتجه إلى هناك حتماً، وهذا حقه وهو أمر طبيعي من دون شك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard