الحرب الأوكرانية... إعادة نبوءات صمويل هنتنغتون إلى الصدارة

الخميس 24 مارس 202210:49 ص


"ترى كل حضارة نفسها على أنها مركز العالم وتكتب تاريخها باعتباره الدراما المركزية في تاريخ البشرية" (صمويل هنتنغتون، "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي").

في كتابه "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد"، تنبأ المفكر السياسي الأمريكي صمويل هنتنغتون بأن حروب المستقبل لن تكون بين الدول بالشكل التقليدي، لكن بين الثقافات والحضارات.

قسّم هنتنغتون العالم إلى تسع ثقافات أساسية وهي الثقافة الغربية البروتستانتية-الكاثوليكية، والثقافة اللاتينية في أمريكا الجنوبية، والثقافة الأرثوذكسية التي تشمل روسيا الحالية وحليفاتها من الدول الأرثوذكسية الصغيرة في أوروبا ويوغوسلافيا السابقة، والثقافة الإسلامية، والثقافة البوذية، والثقافة الهندوسية، والثقافة الإفريقية، والثقافة الصينية الكونفوشيوسية، والثقافة اليابانية.

يرى هنتنغتون أن الاعتقاد السائد في الغرب بعالمية القيم الغربية وأنظمته السياسية اعتقاد سطحي وساذج وأن الإصرار المستمر على فرض التحول الديمقراطي لن يؤدي إلا إلى زيادة العداء مع الحضارات الأخرى.

في الوقت الذي رسم فيه البعض عالماً يوتوبياً تتعاون فيه الحضارات بلا صدام، رسم آخرون عالماً ديستوبياً تقف فيه الحضارات على خطوط النيران والدماء في صدام لا ينتهي. ولكن تبدو الحقيقة وسطاً بين هذين المتطرفين. فالعالم في حالة تفاعل يأخذ شكل الصراع أحياناً ويأخذ شكل التعاون أحياناً أخرى وتغلب فيه لغة المصلحة أغلب الأحيان.

لكن يبقى مفهوم المصلحة في حد ذاته مفهوماً متغيراً غير ثابت، باختلاف الزمان والمكان ورؤية الأطراف لذواتهم، بما يحدد رؤيتهم لخريطة الصداقة والعداء. فما يعتبره البعض مصدر تهديد اليوم يمكن أن يراه بطريقة مختلفة غداً. وفقاً لهنتنغتون، الثقافة والحالة الحضارية السائدة هي التي تحدد ما هي المصلحة القومية. فكل بلد ينظر إلى مصلحته وفقاً لثقافته السياسية وانتمائه الحضاري.

تظهر أوكرانيا كمثال تفسيري، فانتماؤها إلى المحيط الروسي، في عهد الرئيس الأسبق فيكتور يانكوفيتش، جعلها تنظر إلى مصالحها وانتمائها بمفهوم مختلف تماماً عن نظرتها لمصالحها في عهد الرئيس الحالي فولوديمير زيلينسكي. فالثقافة والانتماء الحضاري للدول عند هنتنغتون هو ما يحدد المصلحة وليس العكس. واختلاف رؤية الأطراف للعالم تحدد حدود الصراع والتعاون بينها.

تنبؤات هنتنغتون والحرب الأوكرانية

تقوم الحرب في أوكرانيا على سرديتين متعارضتين: السردية الروسية التي تذهب إلى أن الغرب يهدد وجود الروس وثقافتهم السياسية والمجتمعية، لذا يجب أن يقاوموا تمدده؛ والسردية الغربية التي ترى أن روسيا تهدد الديمقراطيات وتريد أن تبتلعها وتهزمها، ولن تقف على حدود أوكرانيا، ولذلك يجب مقاومة توسعها. كل طرف يرى في الآخر تهديداً ثقافياً وجودياً يجب مواجهته، حتى لو بالدم والنار والتجويع.

ظهرت هاتان السرديتان كحدود ثقافية بين الأطراف المتداخلة في الصراع، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ففي حين تكتل الغرب ككتلة واحدة خلف سرديته للحرب، لم تقنع هذه السردية الكثيرين خارج الغرب والدول التي يضمن أمنها بشكل مباشر مثل كوريا الجنوبية واليابان وتايوان. فقد فشل الغرب في إقناع الهند بها، أو استمالة الصين إليها، كما عجز عن نشر روايته عن الحرب في الشرق الأوسط الذي تتنازعه تيارات إما معادية للرؤية الغربية التي تقودها الولايات المتحدة أو تشكك في جدية واشنطن في ضمان أمنها، كما حال الدول الخليجية. كذلك، لم تجد الرواية الغربية أي نجاح حتى في تركيا نفسها، العضو "غير الغربي" في الناتو.

"في الوقت الذي رسم فيه البعض عالماً يوتوبياً تتعاون فيه الحضارات بلا صدام، رسم آخرون عالماً ديستوبياً تقف فيه الحضارات على خطوط النيران والدماء في صدام لا ينتهي. ولكن تبدو الحقيقة وسطاً بين هذين المتطرفين"

تظهر نظرية صراع الحضارات كنبوءة لهذه الحرب، كما لو كانت ترسم حدوداً ثقافية بين الحضارات الكبرى كما توقع هنتنغتون في كتابه. وبرغم ثغرات في نظريته، يبدو العالم الآن أقرب من أي وقت مضى إلى تصوراته.

لماذا فشلت رواية "الغرب" خارج حدوده؟

ظهرت الرواية الغربية للحرب كرواية تعيد إنتاج تاريخ الغرب باعتباره "الدراما المركزية في تاريخ البشرية"، كما قال هنتنغتون نفسه. ظهر فيها تضخم في الذات الحضارية واحتقار مبطن للآخر، تبدو من خلالها مرة أخرى نفس أسطورة فوقية الرجل الأبيض الذي يعتبر موته الحدث الأكثر كارثية في العالم مقارنة بأحداث أقل أهمية عن موت الآخرين.

هكذا، حفلت وسائل الإعلام الغربية بخطابات التفوق الأبيض وكارثية موت الأوروبي المسيحي ذي العيون الزرقاء والشعر الأشقر، والذي هو بطبيعة الحال أرقى من الآخرين غير المتعلمين القادمين من وراء البحر حيث تنتشر الثقافات "الأدنى". بعبارات أكثر وضوحاً، "هؤلاء الأشخاص أذكياء، إنهم أناس متعلمون... هذه ليست موجة اللاجئين التي اعتدنا عليها، أناس لم نكن متأكدين من هويتهم، أشخاص لديهم ماضٍ غير واضح، والذين يمكن أن يكونوا حتى إرهابيين"، كما قال رئيس الوزراء البلغاري كيريل بتكوف.

سيل الفوقية البيضاء صدم العالم غير الغربي وجعله أكثر تشككاً في رواية الغرب حول الحرب. تكرست اللهجة الفوقية بتحرك سياسي طلب من بلدان الشرق الأوسط ووسط آسيا تبني نفس الموقف الغربي وإدانة روسيا بوضوح والمشاركة في حصارها، وهو الموقف الذي عبر عنه سفراء مجموعة الدول السبع في مصر في البيان المعنون بـ"يجب أن نقف مع أوكرانيا". والوجوب هنا كان موجّهاً للدولة المستضيفة للسفراء، وهي مصر. الموقف المقابل الرافض عبّر عنه رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان حين قال "هل نحن عبيد لكم؟!" اعتراضاً منه على بيان مشابه من 22 سفير في بلاده.

"عجز الغرب عن نشر روايته عن الحرب الأوكرانية في الشرق الأوسط الذي تتنازعه تيارات إما معادية للرؤية الغربية التي تقودها الولايات المتحدة أو تشكك في جدية واشنطن في ضمان أمنها، كما حال الدول الخليجية"

كانت الأزمة الأخرى في الرواية الغربية أنها رواية تعجز عن تقديم منظومة أمنية تضمن أمن الجميع، ولا يزال البعض يعتبرها منظومة تهديد للقيم غير الغربية، وهو ما يعود بنا إلى نبوءات هنتنغتون. فرغم أن سردية الديمقراطية والرفاه الاقتصادي كانت جذابة واستطاعت أن تخترق مجال الحضارة الأرثوذكسية المتخيّل، إذ استطاع الغرب أن ينتزع أوكرانيا الأرثوذكسية من المجال الروسي إلى مجاله، مستغلاً تصدعات الثقافة السلافية، إلا أن محاولات نشر الديمقراطية عن طريق الثورات الملونة التي نجحت في بلاد، أثارت في بلاد أخرى النعرات القومية وجعلت الغرب مصدر تهديد للبعض وليس عامل جاذبية.

فروسيا التي تشعر بأنها تحت التهديد استطاعت أن تعقد تحالفات في محيطها مع ديكتاتوريات أخرى في بيلاروسيا (آخر ديكتاتوريات أوروبا) ووسط آسيا، واستطاعت أن تجد موطئ قدم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وتحت التهديد الأمني والرغبة في التوازن مع الصين وباكستان، فشل الغرب في إقناع الهند التي تبدو متمسكة بالحياد في الأزمة الأوكرانية لأسباب أساسية: أولها سياسة عدم الانحياز التاريخية التي شكلت هوية الهند الدولية؛ الثاني هو أن الهند تعتمد على التسليح الروسي بنسبة تصل لأكثر من 60%، وهو ضروري لإحداث توازن بينها وبين الصين من ناحية ومع باكستان من ناحية؛ والثالث أن الحكومة القومية التي تحكم الهند حالياً تتفهم مخاوف القوميين الروس بشكل أكبر من الحكومات الليبرالية.

تظهر الصين كتكتل حضاري ضخم قال هنتنغتون إنه سيشكل أحد أهم مصادر تحدي الغرب. ورغم أن الصين لها مصالح اقتصادية مع الغرب لكن مصالحها الاستراتيجية أقرب إلى السردية الروسية. لذا، فشل الغرب في الضغط عليها لتأييد العقوبات على روسيا والمشاركة فيها، خاصة أن موقفها يذهب إلى أنها عقوبات غير شرعية وشائنة.

تحاول الصين أن توازن بين مصالحها الاقتصادية الأقرب إلى الغرب ومصالحها الاستراتيجية الأقرب إلى روسيا لكنها إلى الآن تبدو أقرب إلى تغليب الاستراتيجي مع عدم إهمال الاقتصادي.

تكتل آخر فشل الغرب في "بيع" سرديته إليه هو دول الشرق الأوسط، مركز الحضارة الإسلامية وفقاً لتصنيف هنتنغتون. الدول الخليجية تحاول أن تحافظ على حياد يميل إلى غموض لسببين: الأول أن لديها رغبة في عدم الاستجابة لضغوط الولايات المتحدة التي تحاول أن تمارس ضغوطاً لتخفيض أسعار النفط؛ والثاني أن لديها رغبة في استكشاف السلاح الروسي الذي يُستعرَض في سوق عملي مفتوح للمتابعين على الأرض الأوكرانية.

"ظهر في الرواية الغربية عن الحرب الأوكرانية تضخم في الذات الحضارية واحتقار مبطن للآخر، وظهرت من خلالها مرة أخرى نفس أسطورة فوقية الرجل الأبيض الذي يعتبر موته الحدث الأكثر كارثية في العالم مقارنة بأحداث أقل أهمية عن موت الآخرين"

استخدمت روسيا نظم تسليح هجومية جديدة مثل الصواريخ الهجومية الهايبرسونيك (الفرط صوتية) وتستعرض قدراتها الجوية والصاروخية، الأمر الذي لا يشجع الخليج على الاستثمار في العداء مع مورد محتمل للسلاح، خاصة في ظل عدم ثقته في الحماية الأمريكية.

الخلاصة

رسمت الحرب الأوكرانية حدود اشتباك ظهرت أقرب إلى نبوءات عالم السياسة الأمريكي الراحل صمويل هنتنغتون. ظهرت الرواية الغربية المركزية إما ضد الآخر أو متعالية عليه أو متجاهلة لوجوده، لدرجة جعلت رئيس أوكرانيا يوجّه خطاباً مغرقاً في الرؤية المركزية الغربية المعادية أو المتجاهلة لأي آخر. فقد وجه زيلينسكي خطابه للكنيست الإسرائيلي قائلاً: "نحن في بلدين مختلفين وفي ظروف مختلفة تماماً. لكن التهديد هو نفسه: بالنسبة لنا ولكم، التدمير الكامل للشعب، والدولة، والثقافة". لم تكن كلمته إلى الكنيست محايدة أو متوازنة أو مراعية لرؤية الآخر العربي للصراع، لكنها كانت مرتكزة على الأساطير الغربية المحيطة بقيام دولة إسرائيل واستمرارها كامتداد غربي في محيط شرقي.

ورغم سيطرة الرواية الغربية وجاذبيتها في كثير من الأحيان، إذ تتمتع بقدر كبير من القدرة على الانتشار خارج حدودها بحكم السيطرة المعرفية وعقلنة العنف، إلا أن الحرب كشفت عن تحدٍّ يواجهها. فرؤية الآخر غير الغربي لمصلحته النابعة من انتماءاته الثقافية جعلته لا يتبنى الرواية الغربية عن الحرب. وتبدو الثقافات والحضارات الأخرى متأرجحة بين حالة حياد أو ترقب أو تشكك في الرواية الغربية لتهدم أسطورة إجماع العالم على نظام أمني موحد مركزه الغرب ذي الحضارة المسيحية البروتستانتية البيضاء وهوامشه أي آخر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard