هل تقدّم الدول المستضيفة الرفاهية والصحة النفسية للاجئين؟

الأربعاء 13 يوليو 202204:48 م

التفت العالم خلال السنوات الأخيرة لموضوع الرفاهية والصحة النفسية، وخصوصاً خلال جائحة كورونا التي أدت إلى زيادة القلق والاضطرابات النفسية والتسبب بالأذى للكثير من الناس، بسبب الحجر، والعنف، وتعثر الأمان المادي، والبعد العاطفي وغيرها من الأسباب، وهو ما جعل الكثيرين يبحثون في هذا العالم الواسع من أجل تخفيف الضغط واللجوء لاختصاصيين/ات واتباع حمية صحية أو برنامج رياضي.

إلا أن العديدين في هذا العالم لا يملكون من الامتيازات ما يكفي لأن يفكروا أو يهتموا بالرفاهية أو الصحة النفسية، أغلبهم من الفئات المهمشة كالعمال والعاملات الأجانب، والنساء، ومجتمع الميم - عين، وغيرهم، سواء خلال الجائحة أو في غيرها من الأوقات، فيقعوا تحت ضغوط نفسية وصحية تقلل من قيمة الحياة والإحساس بالرضا أو الراحة، وقد نوقشت هذه الموضوعات المتعلقة بالرفاهية والصحة النفسية وغيرها في قمة الرفاهية التي عُقدت في مدينة بلباو الإسبانية، والتي نظمها مشروع الرفاهية الذي يهدف لتحفيز ثقافة الرفاهية الداخلية لجميع صانعي التغيير. 

قال فريدريك ناجي الذي كان لاجئاً في اليونان وقت الإغلاق العام في 2020: "الوقت الوحيد الذي يملؤني الخوف فيه هو عندما أكون محبوساً في الوحدة السكنية التي أعيش فيها. إذ نعيش في المخيم كلُّ خمسة أو ستة أشخاص في وحدة سكنية واحدة. ليس لدينا أي بديل – هذه هي المساحة الوحيدة التي يجب أن نعيش فيها. وفي الوقت ذاته، نحن ندرك أن ثمة أشخاصاً آخرين في حاجة أكبر – أشخاص لديهم مساحة أقل – لذا علينا الاستفادة بأقصى حد ممكن من المساحة المحدودة المتوفرة لدينا".

 أدت الجائحة إلى زيادة الاضطرابات النفسية، بسبب الحجر، والعنف، وتعثر الأمان المادي، وهو ما جعل الكثيرين يبحثون عن سبل لتخفيف الضغط واللجوء للاختصاصيين النفسيين

وأضاف: "أنا محظوظ لأنني أقيم في مخيم، ولدي مكان لأعيش فيه. لدينا أيضاً ملعب حيث يمكننا ممارسة الرياضة. لذا، أنا في وضع أفضل من الأشخاص المحبوسين في شقق بلا مساحة لممارسة الرياضة. أعلم أن الكوكب بأكمله يعاني من الشيء ذاته، لكن ما يختلف بالنسبة لنا، كلاجئين، هو أن ظروفنا المعيشية، مضافاً إليها الإغلاق العام الذي تسبب به تفشي الفيروس والخطر الذي يفرضه علينا، يمثل ضغطاً مزدوجاً".

وتقول السياسية الفرنسية نجاة فالو بلقاسم: "بعد جائحة كورونا، هناك المزيد من التفكير والانتباه للرفاهية، وما هو التوازن في الحياة، وكيف نشعر تجاه ما نقوم به، ومفهوم الرعاية، كل ذلك أصبح أكثر أهمية الآن، وهو ما أثر على التعامل مع اللاجئين/ات بشكل كبير".

تطوير أدوات الدعم والعلاج النفسي 

تقول  زينب سلبي لرصيف22، وهي ناشطة عراقية أمريكية أسست منظمة المرأة من أجل المرأة الدولية، لمساعدة النساء الناجيات من الحرب: "لقد كان تعريف مساعدة اللاجئين/ات لفترة طويلة محصوراً في الطعام والمأوى، وربما توفير التعليم للأطفال، فتقدم العديد من المؤسسات الحاجات الفورية من الملابس والطعام والمأوى، التي يتم التبرع بها مباشرة عندما يكون هناك استقبال للاجئين/ات، إلا أنه لا يتم التفكير في التفاصيل التي تجعل من هؤلاء الناس مرتاحين، كنوع الطعام المقدم لهم، والذي يمثل ثقافة قد تكون مختلفة عن ثقافة اللاجئين/ات".

وتواصل: "هناك اهتمام ربما بالرفاهية والصحة النفسية للاجئات، فثمة حساسية أكبر نحو الحاجات التي يجب الاهتمام بها، خصوصاً في حالات التعرض للاغتصاب، والعنف. لذلك هناك المزيد من الاهتمام بالنساء كضحايا، فيتم تقديم الخدمات النفسية لهن، ولكن ما لا تجري معالجته والاهتمام به، هو المستوى الأعمق من سيكولوجية الإنسان، ومعنى أن يكون الفرد خارج نطاق السيطرة في بيئته الطبيعية، بعيداً عن ثقافته أو لغته، كما لو أنه يفقد السيطرة على حياته عند الانتقال من المعرفة الثابتة بمجريات ما حوله إلى الجهل الكامل، ولهذا أعتقد أننا لم نطور مستوى كافياً من التعاطف في مجتمعات تقديم المساعدة أو عبر قنوات الثقافات الغربية بشكل عام، أنا لا أنتقد هنا أو أهاجم، هو أمر لم نطوره بعد".

"ما لا تجري معالجته في الواقع، هو المستوى الأعمق من سيكولوجية الإنسان، ومعنى أن يكون الفرد خارج نطاق  بيئته المعتادة، بعيداً عن ثقافته أو لغته ".

وترى "سلبي" أن العديد من المواقف التي تواجه اللاجئين/ات أو التي يواجه بها اللاجئون واللاجئات المجتمعات الجديدة تنبع من الخوف: "أعرف عائلة في ألمانيا استضافت أفراداً من عائلة سورية واشتكت من أنهم كانوا خائفين من أن في الطعام لحم الخنزير الذي اعتبرته الأسرة الألمانية مهيناً".

وتضيف: "إذا كنت متعاطفاً فإنك ستتفهم أن هذه العائلة خائفة، فهم يواجهون ثقافة مختلفة غير معروفة بالنسبة لهم، ولديهم عنها صور نمطية، قد تكون إيجابية أو سلبية. التعاطف والتفهم يساعداننا على الفهم".

تسرد سلبي إحدى تجاربها عندما قررت السفر إلى الشرق الأوسط لمدة عام والعيش متنقلة بست حقائب سفر: "امتيازاتي ومواردي أعطتني المجال ليكون عندي كل هذه الحقائب، إلا أن عدم الاستقرار تلاعب بعقلي، وأعطاني الإحساس بالخوف، وهو ما وضح لي لمحة عما يعنيه العيش حقاً كنازح".

وتشير إلى الصور النمطية التي تطلق على اللاجئين/ات بإنهم/ن عنيفون/ات وغاضبون/ات: "لا يمكن الحديث عن العنف والغضب خارج السياق، فمن المنطقي أن يشعر اللاجئ/ة والنازح/ة بالغضب، ولا يمكن أن يكون أشخاص معينون يعيشون ظروفاً قهرية مفاجئة، ممثلين لثقافتهم/ن ولمجتمعاتهم/ن، فقد فقَد هؤلاء الأشخاص السيطرة على كل شيء يعرفونه، فقدوا/ن مهاراتهم/ن وفقدوا/ن أدواتهم/ن، فبدلاً من الحكم عليهم/ن وجعلهم/ن ممثلين/ات لثقافتهم/ن أو دينهم/ن بالكامل، ما نحتاجه هو تطوير أدوات التعاطف والرحمة".

الأزمة الأوكرانية أوضحت الصورة

وترى بلقاسم التي تتولى إدارة فرع منظمة "ون" في فرنسا التي تقود الكفاح ضد الفقر المدقع، أنه يمكن الحكم على صحة المجتمع عبر الطريقة التي يعامل بها المرأة والأشخاص الأكثر ضعفاً، من بينهم اللاجئون/ات والمهاجرون/ات، وأضافت: "هناك زخم دولي الآن بسبب الأزمة الأوكرانية حول رفاهية الناس ورضاهم وصحتهم النفسية، فمن المثير للاهتمام أن نرى أن هناك تغييراً في عقلية الناس في أوروبا، عندما اقتربت الحرب من أبوابهم فقد امتنعوا في السابق من أن يكونوا أكثر كرماً وانفتاحاً على اللاجئين الأجانب القادمين من بلاد بعيدة، وعندما حدثت الأزمة الأوروبية، أدركوا فجأة أنهم يشبهونهم وأن اللجوء هو وضعية وليست هوية، هو أمر مؤقت".

وعبّرت "بلقاسم" في حديثها لرصيف22 عن تفاؤلها من حيث النقاش والرأي العام، وقالت: "إن استضافة اللاجئين/ات ليست مسؤولية الحكومة والسلطات المحلية فقط، ولكن يجب إشراك الشركات والتزامها بتوفير العمل للاجئين/ات، فهدف اللاجئين القادمين التمتع بحياة طبيعية، وكسب العيش، والاهتمام بأبنائهم/ن وأن تكون لديهم/ن وظيفة، حتى لا يكونوا عبئاً".

"هناك تغير في عقلية الناس في أوروبا، بعد أن اقتربت الحرب الأوكرانية من أبوابهم فقد امتنع معظمهم في السابق من أن يكونوا بهذا الكرم والانفتاح على اللاجئين الأجانب".

واعتبرت أن ما توفره فرنسا للاجئين/ات ينضوي تحت مظلة الرفاهية رغم أنه مفهوم جديد نسبياً في فرنسا، حسب ما قالت: "فرنسا توفر التعليم للأطفال اللاجئين، كما أن هناك سهولة في الوصول إلى النظام الصحي، ويوجد هناك نظام عضوي للمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، فهناك اهتمام اليوم في فرنسا بشكل عام بالرفاهية".

في أوروبا تعتبر ألمانيا الدولة الأولى في استقبال اللاجئين، فحسب إحصائيات الدائرة الاتحادية للهجرة واللاجئين، تم تقديم أكثر من 722 ألف طلب لجوء. 

يأتي السوريون في المرتبة الأولى ثم أفغانستان فالعراق. 

أما فرنسا فتعتبر الثانية بعد ألمانيا باستقبالها ما يقارب الـ85 ألف لاجئ ولاجئة عام 2016 حسب أرقام وزارة الداخلية الفرنسية.

لا اعتراف برفاهيتهم/ن

فيما تؤكد أسماء آجديرة، الاستشارية في القيادة والنوع الاجتماعي، والتي عملت مع عدد من المنظمات العاملة مع اللاجئين/ات كمتطوعة، أن الدول المستضيفة لا تعترف برفاهية اللاجئين/ات بتاتاً، على حد تعبيرها، فتتم معاملتهم في معظم الأحيان على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، ويحملون وصمة اللجوء، ويعانون من الإجراءات البيروقراطية، التي تؤدي إلى خلق طبقة من الضيق والشعور بعدم الانتماء، وعدم الترحيب بهم/ن.: "بالنسبة لي الرفاهية تعني أن نتعامل مع البشر كبشر، وتغطية احتياجاتهم/ن ومن بينها الحرية والدعم المجتمعي والانتماء".

عتبت أسماء آجديرة الاستشارية في القيادة والنوع الاجتماعي، على الفهم الخاطئ للرفاهية التي يُنظر لها على أنها أمر فردي على المرء أن يصل إليه، "ولكنه في الحقيقة أمر جمعي، لطالما كانت ممارسات الشفاء  جماعية، وهو ما تفتقر له اليوم بعض الدول المستضيفة للاجئين/ات"

وعتبت "آجديرة" على الفهم الخاطئ للرفاهية التي يُنظر لها على أنها أمر فردي على المرء أن يصل إليه، "ولكنه في الحقيقة أمر جمعي، لطالما كانت ممارسات الشفاء والرفاهية جماعية، كالممارسات الدينية والروحانية التي تقدم الدعم والاعتراف، والترحيب داخل المجتمع، وهو ما تفتقر له اليوم الدول المستضيفة للاجئين/ات". مشيرة إلى عدد من المبادرات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني التي تقوم بهذا العمل في بعض البلدان الأوروبية وأستراليا كوصل اللاجئين/ ات بعضهم مع البعض أو مع المواطنين/ات لخلق علاقات اجتماعية بل أيضاً لخلق شراكات عمل في مشاريع صغيرة ضمن اختصاص الطرفين، والذي يعد بمثابة الخطوات الأولى للرفاهية، بالإضافة لمنظمة تعمل على إنشاء نظام شبكة دعم، وأيضاً معتكفات وورش عمل مختلفة للاجئين/ات من مجتمع الميم - عين، "لأنهم يحتاجون إلى معالجة مزدوجة بسبب الإقصاء لحملهم/ن هاتين الهويتين، وأعتقد أنه مثال مناسب على ما يمكن أن تفعله الدول المضيفة لدعم اللاجئين/ات، من خلال تمويل ودعم هذه المبادرات وأيضاً الاعتراف بالصدمات النفسية والاضطرابات العاطفية الناجمة عن اللجوء وسط ظروف صعبة للغاية ".

ما المطلوب؟

دعت "سلبي" إلى المزيد من التفهم والتعاطف، ورأت "بلقاسم" أن موضوع الرفاهية جديد وبحاجة للمزيد من التطبيق في المجتمع والفهم من قبل العامة والسلطات، فيما تعتقد "آجدير" أن الدول المستضيفة لا تعير اهتماماً لرفاهية أو أمان اللاجئين/ات النفسي.

تقول سلبي: "علينا جميعاً أولاً تطوير معنى الاستماع السخي حقاً، بطريقة تمكننا من فهم ما يحتاجه اللاجئ/ة، ثانياً تنويع الأدوات، بحيث يتم منح الرفاهية أهمية كما المساعدات الإنسانية من الطعام والملابس، ودمج الخدمات النفسية والاجتماعية، ليس فقط للضحايا من النساء، ولكن أيضاً للأطفال والرجال، وللجميع دون استثناء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard