أنتِ منيحة؟... اللاجئات السوريات في تركيا وحديث الصحة النفسية

الجمعة 5 نوفمبر 202110:33 ص

اكتسحت جائحة كورونا "الجميع"، لا مبالغة هنا حين استخدام هذه اللفظة، فالناس والشعوب على اختلافهم تعرضوا للفيروس، كانوا مرضى أم ناجين، وشهدوا ما ترافق معه من حجر صحي وحظر تجول، هدّدا الأبدان والعقول على حد سواء، تمكّن البعض من تجاوز الجائحة على المستوى البدني، لكنها بالنسبة للكثيرين كانت لحظة مأساوية على المستوى النفسي، ترافقت مع أعراض خفية، قلق، خوف من المستقبل، اكتئاب وغيرها من الأعراض والاضطرابات النفسية التي تم تجاهلها أمام شبح النهاية الذي يحمله الوباء معه.

ضمن الشروط السابقة، وفي محاولة لاستهداف الفئات الأضعف ذات الوضعيات التقاطعية المعقدة، انصب اهتمام حملة "أنتِ منيحة؟" التي أطلقتها مبادرة United Nations Verified، التي تستهدف اللاجئات السوريات المقيمات في غازي عنتاب.

بصورة أدق، تحاول هذه الحملة توفير محتوى بصري وسمعي يكسر الخجل والإحراج المرتبط بالصحة النفسية وطلب المساعدة لتجاوز الأزمات النفسية، والأهم، خلق مساحة لجعل العلاج أو النصيحة النفسية خياراً متوافراً، كون الكثيرين، لا فقط من العينة المدروسة (518 امرأة) بل من مختلف الفئات الاجتماعية، لا تدرك أن هناك مشاكل نفسية أو لا تميز ما تختبره كمشكلات يمكن حلّها.

تصيبنا القشعريرة حين قراءة وصف العينة والمسح السابق الذي قام به مجموعة من الباحثين للتحضير للحملة، نحن أمام فئة من الأفراد والأقران، شهدوا ويلات الحرب والتهجير، والجائحة ثم الحجر الصحي، كل هذا دون توافر الخدمات الطبية العامة، ناهيك عن تلك الخاصة بالشأن النفسي الذي يتم تجاهله أو تأجيله بوصفه غير مهم، وهذا ما وصلت إليه الدراسة المسحية لاحقاً.

فعلى الأقل هناك عرض واحد من أعراض الاكتئاب يختبره كل أفراد العينة التي تمت دراستها، علماً أن عدد اللاجئين في غازي عنتاب، 457،156 لاجئاً، وعدد الإناث فوق 15 عاماً في غازي عنتاب حوالي 121604، وعليه فإن عدد المصابين بكوفيد-19 حسب النسبة المذكورة في إحصائيات الأمم المتحدة يقارب 39156 سيدة مصابة بكوفيد في غازي عنتاب وحدها، الإحصائية التي لا تقدمها السلطات التركية.

في محاولة لاستهداف الفئات الأضعف، انصبّ اهتمام حملة "أنتِ منيحة؟" التي أطلقتها مبادرة United Nations Verified، والتي تستهدف اللاجئات السوريات المقيمات في غازي عنتاب، على توفير محتوى بصري وسمعي يكسر الخجل والإحراج المرتبط بالصحة النفسية وطلب المساعدة

محاولة للإضاءة على "المشكلة"

أنتجت الحملة شكلين من المحتوى، الأول يتمثل بالدراما الإذاعية، إذ تم سرد مجموعة من القصص التي تضيء على المشكلات النفسية في سبيل تحديد أبرز الأعراض، بناء على قصص وشهادات مقتبسة من العينات نفسه، وذلك لخلق نوع من الوعي لدى المتلقين، يهدف إلى تمييز المشكلة أو على الأقل إدراك وجودها، لنرى أنفسنا نهاية أمام ثماني حلقات.

كل واحدة منها تتناول مشكلة محددة، تم بثّ هذه الحلقات على راديو روزنة، وترافق ذلك مع عدد من اللقاءات الدورية مع أطباء مختصين بالصحة النفسية، في محاولة لجعل المشكلات متداولة، وليس مجرد أسرار يتم الاحتفاظ بها وإخفاؤها ومحاولة تجاوزها بصورة فردية، وهذا بالضبط ما يخبرنا به مصطفى دباس، المدير التنفيذي للحملة، إذ يقول: "من خلال هذه الحملة، نريد أن نظهر للنساء اللائي يشعرن أنهن يتأثرن عاطفياً بالوباء أنهن لسن وحدهن وأن ما يشعرن به ويعانين منه أمر طبيعي، نريد أن نخلق بيئة آمنة وصحية للحديث عن الصحة النفسية.

من خلال الحلقات سوف نظهر كيف اختبرت النساء، باختلاف الظروف، الشعور بالعزلة أو الشعور بالإحباط، وما هي الخطوات التي قد يكون بإمكانهن اتخاذها للبدء في تحسين صحتهن النفسية. تم تصميم الحملة لخلق مساحة آمنة للنساء في غازي عنتاب للمشاركة في موضوع حسّاس مثل الصحة النفسية".

لن نقوم بتعداد الدراسات والنسب التي تشير إلى شدة الأثر النفسي التي تركته الجائحة والحجر الصحي على سكان العالم أو المقيمين في الشرق الأوسط، المنطقة التي تشهد عنفا سياسياً وقمعاً مستمراً، لكن ما يثير الاهتمام في هذه الحملة هو اعتمادها أسلوباً مختلفاً في مقاربة الصحة النفسية، وتحويلها إلى موضوع شعبي ومتداول.

إذ أنتجت الحملة، إلى جانب الحلقات الثماني، ثمانية أفلام تحريك قصيرة لا يمكن إنكار جودتها، لكن تبرز أهميتها كوننا أمام فئات لا تتوافر أمامها كل وسائل الاتصال والمشاهدة، والبعض يمتلك هواتفه النقالة فقط، أي يتصفّح أكثر مما يشاهد، وهنا تأتي أفلام التحريك القصيرة هذه لتلبي الشرط الاتصالي للفئة المستهدفة، لتلفت انتباهها على الأقل، وتقترب من شروط تلقيها للمحتوى.

أكثر من نصف اللاجئات يسكن في بيوت صغيرة مع زوج وأطفال، دون مساحة للخصوصية أو الاختلاء بالذات، ليتحول هذا الداخل إلى ما يشبه خلية مليئة بالقلق، ويتجلى ذلك بالأعراض التالية، التنظيف المتكرر للمنزل بشكل مبالغ به ومتكرر، والأهم كما رصدت الدراسة "الخوف من المستقبل"

المثير للاهتمام والمأساوي الذي كشفت عنه نتائج الحملة، هو ليس فقط تجاهل السلطات التركية لوضع اللاجئات هناك وغياب الأرقام الدقيقة حولهن وحول ما تعرضن له، بل أيضاً الشعور الشخصي بالخذلان، والتسليم بأن ما يشهدنه جزء من "خراب" عام يصيب الجميع، إذ نقرأ أن "الأسباب التي قد تمنع اللاجئات من الحصول على الإرشاد النفسي:

اعتقادهن بعدم حاجتهن إليه، وقد يكون هذا صحيحاً، أو يعرفن كيفية التعامل مع اضطراباتهن، أو أنهن يفتقرن إلى المعلومات حول الاضطرابات، وبالتالي لا يعرفن ما إذا كان لديهن اضطراب من أي نوع. لكن أبرز العوامل التي تعتبر عقبة أمام طلب الخدمة هي الخجل والإحراج وعدم الاقتناع بالتجارب والحواجز اللغوية عند الذهاب إلى المستشفيات، بسبب سوء خدمة الترجمة وتدهورها".

نعود لمفهوم "المساحة الآمنة" الذي توفره الحملة، والذي نكتشفه عبر الاتصالات الهاتفية المتعددة التي يتلقاها الخبراء، والأسئلة المختلفة التي تطرح عليهم على الهواء مباشرة عبر راديو روزنة، والذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد حلم صعب التحقيق، لكن حين الاطلاع على النتائج، نكتشف إشكاليات "الداخل"، أي المنزل الذي قد يتحول إلى شكل من أشكال العمل المترافق بشروط معيشية مستحيلة.

فنسبة كبيرة من العينة، أي أكثر من النصف، تسكن في بيوت صغيرة مع زوج وأطفال، دون مساحة للخصوصية أو الاختلاء بالذات، ليتحول هذا الداخل إلى ما يشبه خلية مليئة بالقلق، ويتجلى ذلك بالأعراض التالية، التنظيف المتكرر للمنزل بشكل مبالغ به ومتكرر، والأهم كما رصدت الدراسة "الخوف من المستقبل"، ترافق ذلك أن 62% ممن شملتهن الدراسة يعتقدن أنهنّ "لسن بحاجة لرعاية نفسية".

وهذا بالضبط ما تحاول الحملة تحقيقه، خلق مساحة ولو افتراضية للحديث وطرح الأسئلة، خصوصاً أن عنوان الحملة وشكلها يحملان صيغة السؤال: "أنت منيحة؟"، على بساطته، فتح الباب أمام الكثيرات للإجابة وتجاوز ما يختبرنه من أعراض، أو على الأقل، إدراك وجود مشكلة وضرورة حلها أو التعامل معها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard