أن نكون كتّاباً وكاتبات في الفضاء الثقافي العربي

الأحد 17 يوليو 202210:30 ص

أن تكون/ي كاتباً/ة في الغرب، أي أن تبحث/ي عن وكيلٍ أدبيّ يتولّى إدارة كتاباتك، فيبحث لك عن الناشر المناسب، ويراجع عقود النشر الخاصة بك، وعقود الترجمات والحقوق الإلكترونية والسمعية والبصرية الخاصة بنتاجك الفكري أو الأدبيّ، ويؤمّن لك عائدات مبيع كتبك أو الحقوق المتعلّقة بهذه الكتب بشكلٍ مستمرّ. لا دكاكين في عالم النشر الغربي، وإنْ وُجدت فعددها قليلٌ جداً، والوكيل الأدبي يعرفها أساساً وسيبعدك عنها.

أما أن تكون/ي كاتباً/ة في العالم العربي، فيعني أن تبحث/ي عن دارٍ تقبل نشر كتابك، على نفقتها أو على نفقتك أحياناً كثيرة أيضاً، فتراسل/ين عشرات الدور وهيهات أن تقبل واحدةٌ بعد مرور فترةٍ زمنيّةٍ تراوح بين ثلاثة أشهر وسنة أحياناً. علماً أن الدار التي تختارها/ينها أو تختارك ستؤثّر كثيراً في نجاح كتابك أو عدمه، وذلك بغضّ النظر عن مضمون كتابك حتى، فثمة دورٌ كثيرةٌ يؤدّي ظهور الكتاب عبرها إلى صبغه بصبغةٍ سلبيةٍ لا يعود معها النجاح أمراً سهلاً.

كتابةٌ وعلاقاتٌ عامة

أن تكون/ي كاتباً/ة في الغرب أي أن تتفرّغ/ي لكتاباتك إنْ استطعت إلى ذلك سبيلاً، لكنك في جميع الأحوال لن تحتاج/ي بالضرورة إلى امتهان العلاقات العامة ونسج صداقاتٍ لا يهمّ إن كانت مزيّفةً أم لا طالما أنها مع أرباب الثقافة وأصحاب "الأكاونتات" الغرّة من حيث عدد متابعيها. هناك، ثمة مَن يمتهن ذلك عنك، لا سيما إذا كان وكيلك الأدبيّ قوياً في "السوق".

أما أن تكون/ي كاتباً/ة في العالم العربي فيعني أن تتفرّغ/ي للعلاقات العامّة التي تحيدك عن الإبداع والكتابة. فما فائدة إبداعٍ لا يضيء عليه أحد ولا يصل إلى جمهورٍ واسعٍ أساساً؟ هنا، قد يتوجّب عليك التملّق لكثيرين وإنْ كنت منزوياً/ة بطبعك، كما سيتوجّب عليك التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي بحيث يكون جزءٌ من نهارك مخصّصاً لذلك. ليس ذلك ضرورياً إنْ رغبت في الكتابة فقط، لكنك تعلم/ين سلفاً أن خطواتك المنزوية لن تفيدك في الدفع بنتاجك نحو الجمهور.

إيرادات الكتابة

أن تكون/ي كاتباً/ة في الغرب الواسع أي أن تحقّق كتاباتك إيراداتٍ تصلك نسبةً سنويةً منها، تراوح بحسب شهرتك، ما بين 8% و15% من سعر مبيع كلّ نسخةٍ مبيعةٍ من كتابك بطبعته العادية (أي بغلافٍ عاديّ)، وما بين 20% و30% من سعر كلّ نسخةٍ مبيعةٍ من الطبعة الفاخرة (الغلاف الفنّي)، وهذا طبعاً بحسب سعر الغلاف أي بغضّ النظر عن الحسومات التي تُمنح للموزّعين والمكتبات والقرّاء. هذا ناهيك عن حقوق تحويل الرواية مثلاً إلى عملٍ سينمائي، أو تلفزيوني، أو مسرحي، وهي حقوقٌ تجلب مبالغ بستّة أصفارٍ على حدّ التعبير الغربي. ثم هناك الحقوق الإلكترونية، وتلك السمعية الصوتية، وحقوق الترجمة إلى مختلف اللّغات. وكيلك الأدبي "الشاطر" سيهتمّ بكلّ هذه الفئات من الحقوق، وسيأخذ نسبته من أيّ مبيعٍ يجري (وهي نسبةٌ غالباً ما تراوح بين الـ10 والـ20% بحسب مفاوضاتك معه وتوقّعات الإيرادات التي ستجلبها كتاباتك)، وسيتابع مبيعات مؤلّفك في جميع البلدان واللغات التي يصلها.

أن تكون/ي كاتباً/ة في العالم العربي، في المقابل، أي أن تحصد/ي إيراداتٍ سنويةٍ غالباً ما تشتري بها بنطالاً جديداً، أو كنزةً، أو بعض الشوكولا الفاخرة لابنتك، هذا إذا كنت كاتباً/ة عادياً/ة. ثمة سنواتٌ ستكون فيها حقوقك سلبية، بمعنى أنك ستدين/ين للدار بدولاراتٍ لأن عدداً كبيراً من نسخ كتابك ارتُجعت (مرتجعات المعارض غالباً ما تتأخّر لتصل، وثمة مكتباتٌ تفرض على الدور قبول مرتجعاتٍ من كتبٍ لم تحقّق مبيعاتٍ جيّدة)، والدار حاسبتك عن هذه النسخ في العام الفائت. أما إذا كنت كاتباً/ة مشهوراً/ة للغاية، بحيث يعرفك كلّ عربيّ وإنْ لم يكن قد قرأ أعمالك بالضرورة، فقد تحصد/ين عندها دفعةً مقدّمةً عالية القيمة مقابل حقوق كتابك، على أن يُطرَح مبلغ الدفعة المقدّمة من نسبتك على المبيعات.

"أن تكون/ي كاتباً/ة في العالم العربي فيعني أن تتفرّغ/ي للعلاقات العامّة التي تحيدك عن الإبداع والكتابة. فما فائدة إبداعٍ لا يضيء عليه أحد ولا يصل إلى جمهورٍ واسعٍ أساساً؟ هنا، قد يتوجّب عليك التملّق لكثيرين وإنْ كنت منزوياً/ة بطبعك..."

الكتّاب العرب الذين يحصدون دفعةً مقدّمة يُعَدّون على الأصابع. قد نحتاج لأربعة أياد أو ستّةٍ مثلاً لنحصي جميع الكتّاب العرب الذين تُدفع لهم دفعاتٌ مقدّمة تراوح بين بضعة آلافٍ قليلةٍ من الدولارات وبين مبالغ تعادل ربما مدخول سنتين من العمل في وظيفة محترمة، وهذا استثناءٌ نادرٌ جداً في أي حال. بالعموم، يحصد الكاتب/ة في العالم العربي نسبةً تراوح بين 8% و15% من المبيعات، وتكون هذه النسبة مبنيّةً على صافي المبيعات أحياناً وليس على سعر الغلاف، وهو ما ليس بالطبع في مصلحة الكاتب/ة. في ما عدا ذلك، غالباً ما يدفع/تدفع الكاتب/ة تكاليف نشر كتابه/ا، من طباعةٍ وغيرها، لا سيما إذا تعامل/ت مع دورٍ من خارج الصفّ الأوّل، في نموذجٍ هجينٍ بين النشر الذاتي والنشر التجاري العادي، لكنه في الوقت نفسه ليس هذا ولا ذاك.

القرصنة والمنع

إذا كنت كاتباً/ة في الغرب، ستكون هناك حمايةٌ تلقائية لملكيّتك الفكرية المتمثّلة في نتاجك الفكري، وستضمن/ين أن تُحاسب/ي على كلّ صفقةٍ تتعلّق بكتابك، حتى إذا كانت تتمحور حول اقتباسٍ جملٍ من كتابك ليس أكثر. لن يتربّح مقرصنون على حسابك، بل قد تتربّح/ين أنت على حسابهم إذا صودف أن سرق أحدهم أفكارك، أو كلماتك، أو نصّك، أو كتابك. فترفع/ين عندها دعوى قضائية لن تُردّ/ين فيها خائباً/ة بكل تأكيد. كما أن كتابك لن يمنع، سواء تضمّن جنساً، أم تجديفاً، أم انتقاداً سياسياً حاداً. حالات المنع القصوى في الغرب حالياً تتمثّل في تغطية أجزاءٍ من الكتاب (بخطوط عريضة تجعل النص تحتها غير مقروء)، وذلك مثلاً إذا كانت المعلومات المضمّنة فيه تُعتبر سريةً ونشرها يهدّد الأمن القومي.

أما إذا كنت كاتباً/ة في العالم العربي، فستفرح/ين لأن كتابك قُرصن. أنت تعلم/ين أساساً أنك لن تجني أرباحاً من كتاباتك، لذا قد لا يهمّك أمر أن يتربّح أحدهم على ظهرك. ستكتب/ين بكلّ فخرٍ على وسائل التواصل الاجتماعي أن كتابك مقرصن، فهذا دليلٌ واضحٌ على النجاح، وإلا فلمَ قرصنوه؟ أما إذا مُنع كتابك في أيّ بلدٍ عربيّ، فستكتب/ين أيضاً لتُعلم/ي جميع أصدقائك ومعارفك أن كتابك قد مُنع. هذا سببٌ للفخر أيضاً لعددٍ من الكتّاب والكاتبات العرب. "كتابي جريءٌ إذن وإلّا فلماذا منعوه؟"، تقول/ين لنفسك محاولاً/ةً خلق فرصة للدعاية لكتابك، وإنْ اضطررت أحياناً للضحكِ على نفسك.

العلاقة مع الجمهور

أن تكون/ي كاتباً/ة في الغرب يعني أن تعمل/ي على توازن علاقتك مع الجمهور. لن يدعمك وكيلٌ أدبيّ إذا شعر أنك لم تتمكّن/ي من التحرّر من الجمهور أثناء الكتابة، ولن يدعمك أيضاً إذا وجد أنك غير معنيّ/ة بالجمهور بعد الكتابة. عليك أن توازن/ي علاقتك مع جمهور كتابتك: تنساه/تنسينه كلياً إبّان الكتابة، ولا تفكّر/ين سوى به بعد إنهاء الكتابة. أما قبول الجماهير والنقّاد والجوائز، فهذا ليس من شأنك ومن فضلك يُفضّل عدم التدخّل فيه أبداً. أما إذا أردت التدخّل بشكلٍ ما فعليك مناقشة الأمر مع وكيلك. ليست الأمور فالتة هنا… أقصد هناك.

"حذار أن تكونوا كتّاباً جيّدين يرمون أنفسهم في أحضان ناشرٍ سيّئ"

أما أن تكون/ي كاتباً/ة في العالم العربي، فيعني أن الجمهور غالباً ما يكون جالساً كملاكٍ فوق كتفك طوال الوقت. وقد تجد/ين أن دماغك قسّم "الجمهور" بشكلٍ فوريّ لا إراديّ إلى فئاتٍ عدّة: فئة القيّمين على الجوائز، وفئة ممثّلي السلطات الثقافية بمختلف مشاربها والسلطات المانعة من بينها، وفئة العائلة والمعارف وممثّلي الصورة المجتمعية، وأخيراً فئة القرّاء. يتنازع هؤلاء فوق كتفك كلّما حملت القلم (أو اللابتوب)، وتنتفض/ين أنت كلّ حين في محاولةٍ لإبعادهم حتى ليخيّل إليك أن غراءً ما كاد يلصقهم جميعاً فوق كتفيك. حتى في قصص الأطفال، أصبح التركيز الأول على ما إذا كان النصّ المقدّم "مشروع جائزةٍ" أم لا. عليك في كتب الأطفال الكتابة عن المواضيع الطنّانة والتي ما زال بعضها يُعَدّ لدى البعض "تابو"، في حين عليك الابتعاد عن "التابو" في روايتك الموجّهة إلى الكبار. زيدوا من القصص المتعلّقة بالتحرّش، والطلاق، وغيرها في قصص الأطفال لو سمحتم، وخفّفوا من الجنس في كتب الكبار. ثمة مَن يختار البلد الذي ستجري أحداث روايته فيه بالاستناد إلى إحصاءٍ للبلدان التي تمّت تغطيتها في دورات الجوائز الماضية.

سواء أكنت كاتباً/ة هنا، أو هناك، إعلم/ي أنك قد "تتبهدل/ين" قليلاً قبل أن تجد/ي مَن يمثّلك في عالم النشر، من وكيلٍ في الغرب، أو دار نشرٍ في الشرق، بمعنى أنك ستراسل/ين عدداً كبيراً من الجهات قبل أن تجد/ي ضالّتك، وقد لا تلقى الكثير من رسائلك أيّ ردّ من الأساس إذا لم تكن لديك معارف "من الداخل". الكاتب/ة الجيّد/ة يجد/تجد ضالّته/ا في النهاية، هنا وهناك. لكن مع زيادة عدد مدّعي الكتابة والأدب في جزئنا من العالم، علينا ألا نستغرب أيضاً زيادة عدد مدّعي النشر، لذا فحذار أن تكونوا كتّاباً جيّدين يرمون أنفسهم في أحضان ناشرٍ سيّئ.

هذا المقال هو الأول ضمن سلسلة مقالاتٍ عن النشر في العالم العربي سنحاول أن نجيب عبرها عن أسئلة الكتّاب. إذا كانت لديكم أي أسئلةٍ أو قصص متعلّقةٍ بالنشر في العالم العربي، يرجى إرسالها على البريد [email protected].

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard