النشر في العالم العربي... صناعة ثقيلة لا تحبها السلطة

الثلاثاء 23 نوفمبر 202104:54 م

علاقتي بكتاب "النشر في الوطن العربي 2015-2019" من صميم قضاياه. نسخته الإلكترونية ظلت حبيسة بريدي الإلكتروني، ثم انتقلت إلى الشاشة، تنتظر إذناً بالفتح. لم أنجح في إقامة جسور طيبة مع الكتب غير الورقية، باستثناء تجارب اضطرارية يصعب معها الحصول على نسخة ورقية. سلوكي التقليدي يرتبط بالوفاء لأهم إنجاز تقني في التاريخ، إذ أسهمت الطباعة في تعميم المعرفة، ورفعت منسوب الوعي اللازم لإنهاء التحالف الديني الملكي العسكري في العالم، واستعصى عليها العالم العربي. طمأنني الدكتور خالد عزب، في هذه الدراسة، بأنني لست وحدي. في استفتاء بين الطلاب الفرنسيين فضّل 43 في المئة شراء الكتب الرقمية، انحيازاً إلى رائحة الورق.

خالد عزب يستند أيضاً إلى دراسة آن مانجين، بجامعة أكرشوش للعلوم التطبيقية في أوسلو، وقد توصلت إلى أن القراءة الرقمية "أسفرت عن فهم أدنى نتيجة للقيود المادية للنص"، أما القراءة الورقية فتساعد على الفهم وترتيب المعلومات. وفي جامعة غوتنبرغ انتهى فريق بحثي إلى أن الإسراف في قراءة الوثائق الرقمية والتصفح السريع أدى إلى نشوء عادات جديدة للقراءة فتكون غالباً لمرة واحدة، وتؤدي مشتتات القراءة إلى فقد التركيز والاستيعاب.

في الحالة المصرية والعربية عموماً تبدو ثنائية الورقي والإلكتروني نوعاً من الترف. تكفي قسمة عدد عناوين الكتب والنسخ المطبوعة على عدد السكان لاكتشاف المفارقة بين عالمين، العالم العربي كله مقارنة بإسبانيا وحدها.

أستشهد بمثالين بينهما نحو ثلاثين عاماً. سجلت إحصائية الكتاب السنوي لليونسكو عام 1996 للكتب المنشورة تأليفاً وترجمة عام 1992 أن العالم العربي (350 مليون نسمة) أصدر 6759 كتاباً، وإسرائيل 4608 كتب، واليابان 35496 كتاباً، وألمانيا 67277 كتاباً، ونشرت إسبانيا 41816 كتاباً وعدد سكانها آنذاك 38 مليوناً.

إسبانيا تتفوق على عالم عربي أصدر 70630 كتاباً. ليس بالنفط وحده تنشر الكتب، وإن كان الثراء يسهّل عقبات مسلتزمات الطباعة، ويغري المترجمين

لم تتضاعف أعداد الإسبان، يبلغون الآن نحو 46 مليوناً، وفي عام 2019 قفزت أعداد الإصدارات في إسبانيا إلى 90073 كتابا، منها 65303 كتب ورقية، بزيادة قدرها 10.9 في المئة مقارنة بعام 2018. ويسجل خالد عزب الذي أعدّ كتاب "النشر في الوطن العربي" أن أعداد الكتب المنشورة في العالم العربي عام 2019 بلغت 70630 كتاباً.

التقدم حزمة واحدة تشمل كرة القدم والحريات الشخصية وحرية النشر. إسبانيا تتفوق على عالم عربي أصدر 70630 كتاباً. ليس بالنفط وحده تنشر الكتب، وإن كان الثراء يسهّل عقبات مسلتزمات الطباعة، ويغري المترجمين. وتقدم إحصائية عام 2019 أرقاماً ذات دلالة، فإصدارات الأردن (3920 كتاباً) أكثر من إصدارات الكويت والإمارات والبحرين معاً. والصومال نشرت 1320 كتاباً متفوقة على قطر التي نشرت 1020 كتاباً. وتصدّرت مصر القائمة بنشر 23 ألف كتاب، يليها العراق (8400 كتاب)، والسعودية (8121 كتاباً)، ولبنان (7479 كتاباً). ويقول الناشر المصري محمد رشاد رئيس اتحاد الناشرين العرب، في الكتاب الذي أصدره الاتحاد، إن “صناعة النشر العربية ما زالت في بدايتها».

ألا يعرف النشر مبدأ حرق المراحل؟ لا يطمئننا رئيس اتحاد الناشرين الذي يقول إن هذه الصناعة "ما زال ينقصها الكثير من القواعد الحاكمة لكل المشتغلين في هذه الصناعة (المؤلف-الطابع-الموزع)... صناعة النشر العربية هي الوحيدة في العالم التي ليس لها قاعدة بيانات" بأعداد الناشرين والمؤلفين والرسامين ومصممي الأغلفة.

أما خالد عزب فيضعنا أمام عشوائيات النشر؛ كتب تصدر من دون أرقام إيداع وطنية، بعضها يطبع في بلد لمصلحة ناشر في بلد آخر. وما لم يرصده المؤلف هو طبع كتب في دور نشر رسمية من دون رقم إيداع. مهرجانات السينما في مصر لا تعترف بأرقام الإيداع في إصداراتها السنوية.

النشر صناعة نوعية تلزمها شمس حرّة، أما البديل فهو نباتات الظل

إصدارات مهرجان القاهرة السينمائي تتذبذب بين ذكر رقم الإيداع وإهماله. ومهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والروائية القصيرة أصدر في دورته الأخيرة (2020)، سبعة كتب من دون أرقام إيداع.

وقد نشر مهرجان الإسماعيلية عام 2018 وثيقة تاريخية عنوانها "السينما والتاريخ"، وهي مجلة فصلية أصدرها الناقد السينمائي المصري سمير فريد بين عامي 1992 و1994 على نفقته. مجلة نادرة تتاح، للمرة الأولى، في مجلدين يضمّان 1690 صفحة، ولكنها رسمياً كأنها لم تصدر؛ لخلوّها من رقم الإيداع، رغم قيام الهيئة المصرية العامة للكتاب، الناشر الرسمي، بطباعتها. الهيئة نفسها تنشر إصدارات مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، وزادت كتبه المهمة على العشرين، وتمنح بعضها فقط أرقام إيداع.

تأخرت قراءتي لكتاب "النشر في الوطن العربي" الذي يبدأ بعشوائيات أرقام الإيداع، ولا يشير إلى التعنّت البيروقراطي الأمني. من ضحاياه العدد 25 من "كتاب مرايا" غير الدوري، وأصدرت دار المرايا للإنتاج الثقافي بياناً برفض دار الكتب والوثائق القومية إعطاء رقم إيداع للعدد الجديد.

صدر من الكتاب 24 عدداً بأرقام إيداع منذ عام 2017، وتم إبلاغ الناشر بضرورة الحصول على ترخيص مجلة شهرية. تعجيز مالي، رشق عصا السلطة في عجلة ثقافية أهلية لإيقافها وإطفائها. يضمّ العدد دراسات عن الطبقة العاملة المصرية، وتشكّلها منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى الآن، ضمن ملف بمناسبة مرور قرن على تأسيس اتحاد العمال الأول عام 1921.

يتراوح عدد نسخ المجلات الثقافية في مصر بين ألف وثلاثة آلاف. رقم متواضع قياساً على 103 ملايين مواطن. سلطة مطلقة تخشى مجلة جادة، وسط أكثر من 50 صحيفة ومجلة، وفضائيات حكومية وخاصة لا أعرف عددها، تتنافس في الإشادة بإنجازات حقيقية ووهمية، ولا تسمح برأي مختلف.

إدارات الجمارك تعتبر الأحبار والورق سلعاً تجارية، "وليست أدوات إنتاج صناعة أساسية"

قد يظن الطيبون أن صناعة النشر تمشي بالبركة، والاجتهاد الشخصي حسب قدرات هذا الناشر أو ذاك، هي محكومة بقبضة يديرها عقل صغير يخشى الكلمة، ولا يسمح للنشر بالتحوّل إلى صناعة احترافية ثقيلة، في سياق احتكاري للسلطة وأدواتها ومنها أموال تُضخّ في وسائل إعلامية تعبوية. النشر صناعة نوعية تلزمها شمس حرّة، أما البديل فهو نباتات الظل.

إدارات الجمارك تعتبر الأحبار والورق سلعاً تجارية، "وليست أدوات إنتاج صناعة أساسية"، كما يقول المؤلف الذي يرى النشر صناعة معقدة، ولا تحدد الدول العربية نسبة إسهام صناعة الكتاب في الدخل العام.

وبعد حرب 1973 نمت الاقتصادات العربية، ولم تنعكس على صناعة النشر، لاختلال منظومة التعليم وتأثيرها على حجم الإقبال على القراءة. يوجد رواج لإصدارات من حصاد دردشات الإنترنت وثرثراته، "هذا النوع من الأدب وقتي يختفي كتابه مع الزمن". وبسبب عدم الإيمان بحق المواطن في المعرفة تراجعت صناعة كتب الأطفال عربياً بنحو 35 في المئة في السنوات الخمس الأخيرة. تهديد لدور النشر المتخصصة في كتب الطفل في مصر ولبنان والأردن وسوريا.

قراء الكتب سيشفقون على الناشر، الأمين على صناعة مثقلة بالرقابة والبيروقراطية وممارسات سلطوية لا تقل عن معاناة المؤلفين من الناشرين، وشكوى الناشرين من المزوّرين، كلٌ يضع يده في جيب غيره.

أختم كلامي بقضية مهنية لم تترسخ عربياً، وهي المحرر الذي يخلط البعض بينه وبين مدير النشر والمصحح اللغوي؛ تقليد لا يثير، في الغرب، حساسيات المؤلفين، لأن المحرر الذكي يؤدي دوراً احترافياً، ولا يشعر بالنقص كمؤلف محبط. لي تجربة واحدة؛ في إحدى رواياتي، رأى مدير نشر يقوم بمهام المحرر والمصحح كلمتيْ "عصَب عارٍ". ظنّني أخطأت، وأصلحَها، وفاجأني "غضبٌ عارم". سخرت من استسهاله للضجيج اللفظيّ المنفّر، وأعدت العري إلى العصب، وانتهى الأمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard