القراءة نفسها أهمّ من الكتاب، ولن أفارقها ما حييت

الجمعة 11 مارس 202211:05 ص

كنتُ أشبه أبي في طفولتي، بحبّي للقراءة، ولياقتي في الحديث، واهتماماتي الأدبية العالية، وهي ما أوصلني إلى هنا الآن، فأنا كاتبة وصحافية وقارئة شغوفة.

في طفولتي، كنت أعيشُ مع أكوام من الكتب، فقد نشأت في بيت ضيّق المساحة، تشغل حيزاً كبيراً منه الكتب. وبسبب كمية الكتب الهائلة لدينا، كنّا نضع بعض الكتب فوق سطح المنزل.

كنت أحاول كثيراً أن أقرأ بعضاً منها، إلّا أنّها كانت صعبة الفهم بالنسبة لفتاة صغيرة مثلي. وعلى الرغم من ذلك، كانت لديّ كتبي ومجلاتي الخاصة، مثل مجلة ماجد وعلاء الدين والعربي الصغير وغيرها من المجلّات.

كبرتُ واطّلعتُ على مكتبات المدارس، إلى أنْ أصبحت أفضل قارئة في المدرسة الابتدائية والإعدادية، ما دفعني للمشاركة في مسابقات عديدة.

في طفولتي، كنت أعيشُ مع أكوام من الكتب، فقد نشأت في بيت ضيّق المساحة، تشغل حيزاً كبيراً منه الكتب. وبسبب كمية الكتب الهائلة لدينا، كنّا نضع بعض الكتب فوق سطح المنزل

بات هذا الشغف أكثر جديّةً حين دخلت الجامعة، واتجهتُ، كما فعل العديد من أبناء جيلي، إلى كتب الأدب الرديء. والتفتّ في هذا العمر إلى أدباء مهمّين، مثل يوسف إدريس ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وغيرهم، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أدرك فيها أنّي أمتلك كنزاً حقيقياً. والكتب التي كنتُ أراها مملةً في منزلنا، باتت عظيمةً، فقد ضمّت كتباً للروسي أنطون تشيخوف، ومجلّدات ألف ليلة وليلة، والحيوان للجاحظ، وغيرها من الكتب المهمة تاريخياً. وتدريجياً، بدأتُ أقرأ الكثير من الكتب الغنيّة بالأدب، والتي هي باهظة الثمن في المكتبات حالياً.

ومع مرور السنين، تطورت قراءاتي وتعرفتُ على موقع "غود ريدز"، وقضيت فيه ساعات طويلة أتعرّف على قرّاء غيري ورحنا نتسابق في قراءة الكتب. كنتُ أندهش عند معرفة أنّ هناك شخصاً عمره 21 عاماً، قد قرأ أكثر من 1،500 كتاب.

كانت تلهمني الكتب التي يقرأونها، والتي لا يمكنني الحصول عليها، فكنت أقرصنها كنوع من التعويض بالنسبة لي.

كان هناك شيء ما يُشعرني بعدم الرضا، فالكتب الموجودة لدي لا أستطيع تصويرها مع فناجين القهوة، ولا يمكنني أن أتباهى بنسخة أبي المهترئة، وطبعات مكتبة أسرتي المتواضعة، كما كان يفعل الآخرون على مواقع التواصل الاجتماعي.

تقاطعت مع حياتي وحبي للقراءة عوالم أخرى، وكانت دائرة معارفي تكبر مع الوقت، وأصبحتُ أضيفُ أصدقاء "غود ريدز" إلى حسابي في فيسبوك، وأنضمُّ إلى مجموعات مثقفة على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أصبح قارئةً مهمةً.

وما أعنيه بالقارئة المهمة هنا، هو أن أستيقظ وأنام على صفحات الكتب، وأنْ أكتب عن الكتب وأحادث أصدقائي عما أعجبني وعما لم يعجبني في الكتب التي أقرأها.

وكان هناك معرض للكتاب يُقام سنوياً في القاهرة، ولأنّي كنت أعيش في صعيد مصر، كنت أتابع المنشورات المتعلّقة بالمعرض على فيسبوك، وأشعر بحسرة لعدم قدرتي على عيش ما يعيشه القرّاء فيه.

كانت تلهمني الكتب التي يقرأونها، والتي لا يمكنني الحصول عليها، فكنت أقرصنها كنوع من التعويض بالنسبة لي. كنت أقرأ لعلاء الأسواني تارةً، وتارةً أخرى لبثينة العيسى، وكنت أقرأ لجون شتاينبك، في بعض الأحيان. ومع ذلك، كنت أشعر بعدم الرضا، فما زلت غير قادرة على التقاط صور للكتب مع فناجين القهوة، والكتب التي أملكها في غالبيتها مهترئة. كان الأمر صعباً، وكنت أعيش في دوامة الشعور بعدم الرضا، ربما بسبب منشوراتي المتعلقة بالكتب، والتي لا تحصد العديد من الإعجابات على "إنستغرام"، على عكس بقية أصدقائي.

مع مرور الوقت، وزيادة نسبة قراءاتي، كنت أزداد نضجاً، وشعوري بالسخط حل محله شعور بالرضا، وبدأت باكتشاف عالم الكتب الصوتية، ووجدتُ فيه بديلاً مدهشاً. كنتُ أسمع لأكثر من 15 ساعةً، روايات مختلفةً، منها روايات ستيفان زفايج وخالد حسيني، وأكتشف عالم الكتب الصوتية الذي وجدت فيه بديلاً مدهشاً. استمع إلى روايات ستيفان زفايج وأنا منبهرة، وأستمع إلى مؤلفات خالد حسيني. واكتشفتُ أشياءً جديدةً عن نفسي، مثل أنّي مستمعة صبورة. وبدأت أنضج مع الوقت خلال رحلتي في عالم الكتب.

بعد أنْ تخرجت من الجامعة، ابتعدتُ قليلاً عن الكتب واكتشفتُ شغفاً آخر وهو الكتابة، على الرغم من أنّي أعرف أن الكتابة لا تكتمل إلا بالقراءة. حزنت على هوايتي الضائعة، إلّا أنّي كنت أندمج مع عالم الصحافة والكتابة أكثر، فقد تغيّرت أولوياتي، وتغيّر مفهومي عن القراءة، سواء أكان للمعرفة أو للمتعة، فهذه الأشياء موجودة في سبل غير القراءة. بمعنى آخر، الكتب قد تكون وسيلةً لكسب لقمة العيش وليست بالضرورة قصة عشق وإيمان وحب، كطريقة رؤيتي لها.

عندما كبرت وسافرت واختلطت أكثر بأصدقائي، كنت أعدّهم قدوةً لي في عالم الكتب، ومنهم تعلّمت أنّ القارئ ليس بالضرورة أنْ يكون إنساناً ناجحاً في الحياة، وأنّ الانطوائية هي التي ساعدتهم في قراءة الكمّ الهائل من الكتب. ومع الوقت، تسامحت مع كتب أبي واستطعت أن أتعامل معها على أنها شيء ثمين ونادر، فهي كتب من تسعينيات القرن الماضي، وذات طبعات أصلية ونادرة. والكتب التي لم تعجبني في البداية، هي كتب تعب أبي في الحصول عليها، وجمعها بحبّ، وعليّ أنّ أقدّرها وأمنحها الاهتمام المطلوب.

عندما كبرت وسافرت واختلطت أكثر بأصدقائي، كنت أعدّهم قدوةً لي في عالم الكتب، ومنهم تعلّمت أنّ القارئ ليس بالضرورة أنْ يكون إنساناً ناجحاً في الحياة، وأنّ الانطوائية هي التي ساعدتهم في قراءة الكمّ الهائل من الكتب

أدركتُ مؤخراً شيئاً آخر أيضاً وهو أنّه ليس كلّ من تعامل مع الكتب، يحبّ الكتب فعلاً، بل هناك من يدخل في هذا المجال لأهداف تجارية، فالكتب في النهاية تجارة وسوق. وصانع المحتوى الذي يغرقني بترشيحات لكتب مقابل مبلغ دفعته له دور النشر بهدف الترويج لكتب معيّنة، لا يستحق أن آخذه على محمل الجد.

كبرتُ وأدركتُ أنّ الكتب كتب، مهما كانت نسختها أو شكلها، وأنّ طريقة معاملتي لها واهتمامي بها هي أصل الحكاية، فما فائدة أنْ أشتري كتباً تصلح للتصوير ولكنّ محتواها فارغ؟ أو أنْ أصوّرها ولا أقرأها؟

لديّ الآن أكوامٌ من الكتب القيّمة التي تنتظرني في منزل أبي. ولن أنكر اهتمامي بالكتب الصوتية التي أصبحت أكثر عصريةً، فهي سريعة ومتوفرة ومحافظة على البيئة، فلا داعي لشراء كتب باهظة الثمن، خاصةً أنّ كتبي وكتب أبي القديمة ستكفيني حتى أموت. وفي الختام، القراءة نفسها أهمّ من الكتاب، ولن أفارقها ما حييتُ.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard