شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"حينما قررت أن أكتب روايةً..." عن ظلم دور النشر ورحابة الإنترنت

"حينما قررت أن أكتب روايةً..." عن ظلم دور النشر ورحابة الإنترنت

ثقافة

الاثنين 6 ديسمبر 202101:33 م

حينما قررت أن أكتب روايةً، لم أكن أفكّر في نشرها. كان الأمر في البداية استشفاءً شخصياً من تجربةٍ مريرة، ثم قرأ عدد من الأصدقاء المقرّبين المخطوط، فاقترحوا نشره؛ حتى لا أتلفه كما فعلت بروايتين سابقتين.

كأي انطوائيٍ تغريه سهولة التواصل عبر العناوين الإلكترونية، أكثر من مواجهة الوجوه، أرسلت النص إلى ثلاث وخمسين دار نشر. رفض بعضها المشروع من دون كتابة رسالة رفض. وردّت منها ثلاث دور بالرفض القاطع، من دون تقديم مبرّرات، في حين علّلت دار واحدة قرارها بتداعيات وباء كورونا.

نعم، كنت أود أن تُقرأ روايتي في كتابٍ، وأن أراها بين يديْ قارئٍ لا أعرفه، وأن أهديها إلى ابنتي في عيد ميلادها الفائت، لكن خمسين ناشراً (خمسين لجنة قراءة) رفضوا نشرها.

تخيّلت ألف سبب: ربما كانت ظروف النشر سيئةً حقاً، وربما تعوّل الدور على الأسماء المألوفة لدى القارئ؛ فهي في النهاية شركات خاصة تهدف إلى الربح، أو على الأقل إلى استرداد تكاليف الطبع، والنشر، والتوزيع... لكنني، كأي صاحب نصٍّ أوّل، أقنعت نفسي بكونه رديئاً، ربما، وكان قرار خمسين لجنة قراءة في صفّ هذه القناعة.

كنت أود أن تُقرأ روايتي في كتابٍ، وأن أراها بين يديْ قارئٍ لا أعرفه، وأن أهديها إلى ابنتي في عيد ميلادها الفائت، لكن خمسين ناشراً (خمسين لجنة قراءة) رفضوا نشرها.

ولأنّ لي تجربة سابقة مع دور النشر -حين رفض عدد من الدور الورقية نشر مجموعتي الشعرية اليتيمة: "لعينيك من تربتي شبه"، فنشرتها عن دار حروف منثورة للنشر الإلكتروني سنة 2014، بعد أن فازت إحدى قصائدها بجائزة "الرسم بالكلمات"، التي تنظّمها مكتبة الإسكندرية في مصر في السنة نفسها- استقرّت قناعتي تلك عن رداءة النص، على الرغم من تشجيعات قرّاء جيّدين كنت أرسلت إليهم النص مخطوطاً لمراجعته، حتى كدت أنسى الأمر برمّته. ولكن قدَرَ النصوص غير قدرِ أصحابها، فكنت كلما حاولت أن أدخل مشروع كتابةٍ ثانياً، وقف النص العانس في حلق القلم، ووجدتني لا أكتب جملةً إلاّ ولها وشيجة قربى من جملة سابقة، ولا نصف فكرة إلا استكمالاً لأختها؛ فعرفت أن تحرير نفسي من شرك ذاك النص، لا يتمّ إلا إذا سلّمته إلى جمهور القرّاء، وكان أن نشرته على الإنترنت، ووضعت له "رابطاً" على صفحتي على فيسبوك.

لا أدّعي أنني كتبت شيئاً منذ ذاك أيضاً؛ لكنني أعرف جيداً أن تلك الغصّة العالقة في الحلق قد تبددت، وأن نصّاً مختلفاً آتٍ وعده من بعيد، مثلما لا أدّعي أن النصّ نال من القراءة النصيب الذي كانت ستكفله له طبعة ورقية، لكن ما أسعفني به قرّاء كثيرون من ملاحظاتٍ ومراجعاتٍ وانطباعاتٍ، عوّضني عن كل ما كان يمكن أن تمنحه لي طبعة ورقية، واسم دار نشرٍ: أن بداخلي كاتباً يمكن أن أنحته بمزيد من الاشتغال.

"هل تتوفر دور النشر المغربية والعربية على لجان قراءة؟ وهل تراهن على المزاوجة بين جودة المنتَج، وتحقيق هامشٍ للربح؟" حيرة الكاتب أمام رفض دور النشر

هل تعبّر الأعمال المنشورة عندنا عن جغرافيا التنوّع الإبداعي حقاً؟

ولست أفشي سرّاً إذْ أحكي -من نحن غير القصص التي نعيش؟- أيضاً قصة هذا المقال الانطباعي. فهو إحدى تلك الثمرات التي منحنيها نشر روايتي على صفحتي على الفيسبوك، حين أرسل إليّ العزيز محمد الخضيري يهنّئني، ويقترح عليّ سرد تجربتي هذه في مقال. ترددت في البداية، وماطلت، ثم وجدتني أحتاج إلى أن "أقول"، وأن "أحكي"... وها أنا أحكي، راجياً ألا يثقل على القارئ حكيي.

إن هذه التجربة الضئيلة، لا تضيف شيئاً حقيقياً إلى معرفتنا بأحوال النشر في "عالمنا العربي"، فحتى القارئ البعيد عن هذا الحقل، يدرك ولو من بعيدٍ، أنه، في أحسن الأحوال، انعكاس نخبوي للفساد المستشري في بيروقراطياتنا الجميلة كلها!

لكنها على الرغم من ضآلتها علّمتني، أنا على الأقل، أن أطرح أسئلةً من قبيل:

هل تتوفر دور النشر المغربية والعربية على لجان قراءة؟

هل تراهن دور النشر لدينا على المزاوجة بين جودة المنتَج، وتحقيق هامشٍ للربح؟

هل تعبّر الأعمال المنشورة عندنا عن جغرافيا التنوّع الإبداعي حقاً؟

هل تتوفر دور النشر عندنا على لجان مراقبةٍ داخلية؟

هل لدى دور النشر لدينا مشاريع على أرض الواقع، لتشجيع الشباب على خوض غمار الكتابة؟

وثمة أسئلة أخرى تخرج رأساً من هذه. ربما استطعنا يوماً ما أن نجيب عنها، وأن نؤسّس تالياً لثقافة الجودة، وتعميم الحق في القراءة، والكتابة، وفي النشر أيضاً.


Website by WhiteBeard